Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الحوار الوطني في مصر يعيد انتخابات المحليات إلى الواجهة

فريضة دستورية عطلتها خلافات البرلمان وغياب مشروع القانون وذكرى عمليات تزوير ما قبل الثورة

قانون المحليات المنظم للعملية الانتخابية لم يصدر حتى الآن في مخالفة للإلزام الدستوري الصريح (أ ف ب)

حدد مجلس أمناء الحوار الوطني في مصر قضية المحليات كواحدة من بين ثلاث قضايا فرعية سيتضمنها المحور السياسي من الحوار، لتستعيد الأذهان مشهداً غائباً عن المصريين منذ 14 عاماً هو إجراء انتخابات المحليات.

فعلى الرغم من نص الدستور المصري الذي تم إقراره عام 2014 في مواده الانتقالية على بدء تطبيق نظام جديد للإدارة المحلية بشكل تدريجي خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه، فإن قانون المحليات المنظم للعملية الانتخابية لم يصدر من الأساس حتى الآن، في مخالفة للإلزام الدستوري الصريح للسلطتين التشريعية والتنفيذية بإنهاء الملف وتهيئة الجهاز الإداري بالدولة وتأهيل العاملين به لكيفية التعامل مع وحدات الإدارة المحلية باختصاصاتها الدستورية الجديدة، المعتمدة على اللا مركزية الإدارية والمالية، بحد أقصى عام 2019.

وتنص المادة 242 من الدستور على أن "يستمر العمل بنظام الإدارة المحلية القائم إلى أن يتم تطبيق النظام المنصوص عليه في الدستور بالتدريج خلال خمس سنوات من تاريخ نفاذه".

آخر محليات

كان عام 2008 شهد آخر انتخابات للمجالس المحلية في مصر، التي اعتبرها مراقبون أحد أسباب اندلاع ثورة 25 يناير (كانون الثاني) 2011، بسبب ما شهدته من عمليات تزوير لصالح الحزب الحاكم (الوطني الديمقراطي) الذي كان حينها حزب الرئيس حسني مبارك، وضعف تمثيل قوى المعارضة، إلى جانب انسحاب المرشحين المنتمين لـ"جماعة الإخوان".

بلغ عدد مقاعد المحليات في هذه الانتخابات 52 ألف مقعد، حسمت التزكية مصير 44 ألفاً منها، وجرت الانتخابات للتنافس على المقاعد المتبقية وعددها ثمانية آلاف مقعد، لتنتهي الانتخابات باكتساح الحزب الوطني المقاعد بنسبة 97 في المئة.

وعقب ثورة 25 يناير 2011 أقيمت ثلاث دعاوى قضائية للمطالبة بحل المجالس المحلية، وفي 18 يونيو (حزيران) من العام نفسه، قضت محكمة القضاء الإداري بحل المجالس المحلية بجميع أنحاء الجمهورية، وألزمت المجلس العسكري الحاكم وقتها والحكومة بإصدار قرار بحل المجالس.

صلاحيات رقابية

يرى المتخصص في الإدارة المحلية حمدي عرفة أن غياب المجالس الشعبية المحلية لأكثر من عشر سنوات أثر بنسبة تقارب الـ90 في المئة في جودة الخدمات المقدمة للجمهور، وهيكل البنية التحتية في شوارع مصر، بعد غياب نحو 52 ألف عضو مجلس محلي لهم صلاحيات رقابية تماثل صلاحيات عضو مجلس النواب.

وأوضح عرفة لـ"اندبندنت عربية" أن إطلاق أيادي المجالس المحلية في كل قرى مصر وممارستها دورها الرقابي ينعكس بصورة كبيرة على الخدمات المقدمة للجمهور، لافتاً إلى توالي الحكومات على مدى السنوات الماضية التي رفعت شعار إقامة انتخابات المحليات طبقاً لدستور 2014، لكن من دون تنفيذ حقيقي على أرض الواقع، مما أثر بشكل كبير في الدولة المصرية، مشدداً على أن "تأجيل هذا الملف لأكثر من ذلك ليس في صالح مصر نهائياً، فذلك التأجيل يشير إلى غياب الإرادة السياسية لتحريك ملف المحليات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأكد عرفة ضرورة نظر الحوار الوطني خلال مناقشته ملف المحليات في تعديل التشريعات المنظمة لعمل المجالس المحلية مع دراسة سرعة إجراء الانتخابات، وإيجاد آلية محددة لاختيار القيادات التنفيذية وفق الكفاءة.

وشدد على وجوب إيجاد آلية لعدم تكرار ما حدث في آخر انتخابات محلية بمصر عام 2008، من تزوير لصالح الحزب الحاكم مع وقف التكتلات السياسية التي قد يشوبها بعض الأخطاء في الاختيارات وفقاً للأهواء والمصالح الخاصة، والتي قد تضر بالمحليات بدلاً من تنظيمها، وتساعد في بناء تربة خصبة للفساد.

هيكل المحليات

بموجب دستور 2014 الحالي ينقسم نظام الإدارة المحلية في مصر إلى "وحدات الحكم المحلي"، التي تتمتع بالشخصية الاعتبارية مثل المحافظات، والمدن، والمراكز، والأحياء، والقرى، والتي لها الاختصاص الأصيل في إنشاء وإدارة جميع المرافق العامة الواقعة في دائرتها، ومباشرة جميع الاختصاصات التي تتولاها الوزارات بمقتضى القوانين واللوائح وفي حدود السياسة العامة للدولة، ويضاف إليها "مجالس محلية" التي تعرف بـ"المحليات" التي تشكل على مستوى كل وحدة من وحدات الحكم المحلي عن طريق الانتخاب المباشر، ما يعني انتخاب "مجلس محلي" لكل محافظة، ومدينة، وحي، تكون وظيفته الأساس الرقابة على عمل تلك الوحدات المحلية ومتابعة أداء القائمين عليها ومحاسبتهم.

وحدد الدستور اختصاصات المجالس الشعبية المحلية، التي تتركز حول مراقبة أوجه النشاط المختلفة داخل الوحدات الإدارية، وممارسة أدوات الرقابة على الأجهزة التنفيذية، بداية من تقديم الاقتراحات وطلبات الإحاطة والاستجوابات وغيرها، وصولاً إلى سحب الثقة من رؤساء الوحدات المحلية.

سنوات من التأجيل

على مدى سبع سنوات شهدت فصلاً تشريعياً وبداية فصل جديد ظل ملف المحليات يظهر ويخبو بين الحين والآخر، إذ نوقش أكثر من مرة في جلسات مجلس النواب، وتم تقديم قانون للإدارة المحلية، لكن الحصيلة ظلت صفراً ولم يصدر قانون لتحديد إجراءات الانتخابات أو موعدها.

وفي عام 2017 صرح رئيس الوزراء حينها شريف إسماعيل بأن الحكومة تسعى لإجراء انتخابات المحليات قبل نهاية ذلك العام، لكنها لم تجر من دون ذكر أسباب.

كذلك تطرق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إلى ملف الإدارة المحلية رداً على سؤال خلال إحدى جلسات "اسأل الرئيس" في مؤتمر الشباب، يوليو (تموز) 2019، وأجاب بأن الدولة تأخرت وكانت تتمنى إجراء الانتخابات المحلية في العامين الماضيين، مشيراً إلى أنه من المفترض تقدم الحكومة بالقانون المنظم للانتخابات في الدورة المقبلة للبرلمان ليتم إجراؤها، مؤكداً الحرص على مشاركة 18 ألف شاب في الانتخابات المحلية المقبلة، كما أشار إلى الدور المهم للمحليات في إدارة الدولة من خلال مراقبة ومتابعة الأداء الحكومي.

البرلمان ينتظر

بدوره أكد رئيس لجنة الإدارة المحلية بمجلس النواب أن المجلس ينتظر مخرجات الحوار الوطني في شأن ملف المحليات، ليبدأ البرلمان في بلورة ما سيطرح من أفكار في شكل تشريع جديد، إضافة إلى استدعاء ما تمت مناقشته حول مشروع قانون الإدارة المحلية كنص استرشادي تمهيداً لتقديم قانون متكامل.

وأضاف في تصريحات صحافية أن ملف قانون المحليات سيشهد انفراجة كبيرة خلال الفترة المقبلة، في ضوء المخرجات التي ستنتج عن الحوار الوطني، لا سيما أنه يعد أحد المطالب المتفق عليها من القوى السياسية والأحزاب لتفعيل الاستحقاق الدستوري المنصوص عليه في الدستور.

وأوضح أن عدم صدور القانون خلال الفصل التشريعي الأول (2015 - 2020) جاء بسبب الاختلاف في شأن بعض تفاصيل مواد مشروع القانون.

مشروع قانون

كان النائب عبد المنعم إمام تقدم بمشروع قانون في شأن المجالس المحلية. وقال إمام لـ"اندبندنت عربية" إنه تقدم باقتراح لمشروعي قانونين: الأول حول الإدارة المحلية وتعريفها وتنظيمها، والآخر ينظم عملية الانتخابات بها، وتم تقديم كليهما بالفعل إلى البرلمان المصري وأحيلا للجان المتخصصة، مؤكداً أنه سيتابع مخرجات الحوار الوطني في شأن المحليات، وسيجري تعزيز النقاش داخل البرلمان حوله، مشيراً إلى أن كثيراً من المصريين والقوى السياسية يعولون على نجاح الحوار الوطني والانتهاء من ملف المحليات.

وكشف إمام، الذي يرأس "حزب العدل المصري"، عن رؤية الحزب لاختصاصات المجالس الشعبية المحلية وفقاً لمشروع القانون الذي قدمه، موضحاً أنها تمثل جهاز الرقابة في المحليات، وهي أشبه ببرلمان صغير ولكن في الإطار المحلي، ولعضو المجلس المحلي صلاحيات تقديم طلب إحاطة واقتراح برغبة مثل كل الأدوات الرقابية البرلمانية، إلى جانب حق سحب الثقة من المحافظين، مشيراً إلى تضمن مشروع القانون إجراء الانتخابات بنظام مختلط بين القائمة النسبية والقائمة المطلقة.

عبء على البرلمان

أكد إمام أن غياب المجالس الشعبية المحلية أضاف عبئاً كبيراً على أعضاء البرلمان، لأن الخدمات التي يحتاج إليها المواطنون أصبحت محملة على عاتق أعضاء مجلس النواب، على الرغم من أنها بالأساس مسؤولية أعضاء المجالس الشعبية المحلية، ومن المفترض أن يتفرغ أعضاء البرلمان للقيام بدورهم التشريعي.

وأشار إلى أن عدداً من القوانين التي يسنها البرلمان تواجه عواراً في التنفيذ بالقرى والأقاليم بسبب غياب رقابة المجالس الشعبية المحلية، وكذلك تنامي معدلات الفساد في ملف مهم يمس حياة المواطن المصري اليومية.

وأضاف أن الشارع المصري تأثر بغياب المجالس المحلية لأكثر من عشر سنوات. واعتبر أن انتخابات المحليات هي المدرسة الحقيقية لصناعة الكوادر السياسية، إذ بإمكانها التأثير في جيل كامل كان يمكن تأهيله سياسياً بشكل أفضل.

تاريخ المحليات

تعتبر مصر من أوائل الدول التي اعتمدت نظام الإدارة المحلية، عندما أنشأت ما سمي بـ"مجالس المديريات"، كفروع للإدارة المركزية في جميع أنحاء البلاد بموجب "القانون النظامي المصري" الذي أصدره الخديوي توفيق عام 1883، ثم جاء دستور 1923 الذي اعترف بنظام الإدارة المحلية، وحدد اختصاصات والتزامات تلك المجالس، ثم أخذت كل الدساتير المتعاقبة بالنظام نفسه حتى دستور 1971، الذي صدر بموجبه قانون نظام الإدارة المحلية عام 1979 ولا يزال سارياً حتى الآن.

وظهر مصطلح "اللا مركزية" كنظام للإدارة للمرة الأولى في الدستور المصري عام 2007، إبان التعديلات التي طاولت عدداً من مواد دستور 1971، حيث نصت على أن القانون "يكفل دعم اللا مركزية". وكلف دستور 2014 الدولة دعم اللا مركزية الإدارية والمالية والاقتصادية.

المزيد من العالم العربي