Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ذواتنا" أول مسرحية سورية تتصدى للمثلية المضطربة رقصا

قدم الإخراج توليفة بين الحركة والدراما في أجواء نفسية مركبة

من مسرحية"ذواتنا" السورية (اندبندنت عربية)

يحاول العرض السوري "ذواتنا" استيعاب محتوى طبقات النفس البشرية من خلال فهم عميق لعلاقة الدراما بالحركة وكيفية توظيفها ضمن صيغة صراع جسدية ونفسية. وكان للمخرج معتز ملاطية ليه الدور الأبرز في تصميم لوحات المسرحية الثلاث التي قدمت رسماً لافتاً لجمال الرقصات، والمحتوى الفعلي لها، وصراع السلوك الذي تحركه الغرائز. وقد استفاد من الأبحاث التي يستخدمها المتخصصون في التحليل النفسي لعلاج حالات معينة من الاضطراب العصبي.

يذهب العرض السوري إلى معالجة تلك الغرائز السحيقة في القدم والمختفية في أعماق الإنسان، مولداً منها حركات قد تكون تعبيراً عن نوبات جنونية متوحشة كانت تنتاب الأجناس البدائية للبشر، كما هو الحال في اللوحة الأولى من العرض التي حملت عنوان "تأقلم"، والتي قدم لها راقصوها الخمسة بعبارة افتتاحية في بروشور العرض، "مهما حاولنا الخروج، نحن في الداخل". تبدأ هذه الفقرة بتوجيه بقعة ضوئية على ما يشبه شرنقة قماشية شفافة تحاول فتاة وشاب الخروج منها بلا جدوى. وهنا تبدأ رحلتنا من المثال البليغ للتحول من دودة تزحف على الأرض إلى فراشة ملونة، ترفرف بجناحيها الملونين نحو الضوء. استعارة تتبعت حركات رمزية من سلوك موروث عن أسلاف أكثر بعداً في الزمن، وأقل ترويضاً على المستوى الاجتماعي.

حركة تجريدية

محاولة الراقصين سالي داوود وعادل سلام وغزل حمادة إلى جانب ماريا معماري ونتالي رزق، جاءت ضمن صيغة تجريدية للحركة المسرحية، وبدت لافتة فيها، موائمة تعابير الوجه لما يقوم الجسد الراقص بأدائه على خشبة سعد الله ونوس (المعهد العالي للفنون المسرحية). فمن هذا التوافق العضلي والتعبيري، استطاع الراقصون الخمسة إبراز لغوية فن الرقص، وقدرته على تقديم تصور للعالم كمجموعة من الذبذبات الإيقاعية، يجسدها الراقص في مجال ضخم من الموجات والتيارات الجارفة، مما يمكن اعتباره حافزاً قوياً على أداء جماعي استفاد من تمثيل القوى الفيزيائية الحيوية في الحركة، وتجديد النشاط النفسي والشفاء الجسمي والعقلي عن طريق الرقص.

أصر مخرج العرض والمشرف عليه في مختبره المفتوح على اعتماد اتجاهات الرقص المعاصر كي يستفيد من كيمياء الغرائز التي تحكم السلوك الإنساني، ومن تحولات مظاهرها المختلفة عبر العصور، ناهلاً من معرفتنا كبشر بوظائف جسم الإنسان وقواه الخفية، ومستعيداً الوقت الذي خلقت فيه الرقصات الأولى للإنسان، وجسدت علاقته بقوى الغيب والطبيعة وتطور تكتيكاته في الصيد وتتبع الطرائد، وذلك من خلال لوحة "بشر ليس إلا" التي قدم لها جودي العلي وسليم رضوان وصالح جودية ولجين ملاك ومارييلا خوام، بعبارة في بروشور العرض تقول، "سيبقى ظل الخوف يطفئ نور الحقيقة". وهذه إشارة إلى صراع أزلي بين الإنسان والمجهول جسدته هذه الفقرة من العرض برجل يرتدي عباءة مهيبة وقناعاً غرائبياً، ويقف فوق صخرة عالية ضارباً بعصاه الغليظة ضربات قوية تصوغ حركة الراقصين، وترسم لهم مساراتهم، وتحدد مصائرهم، وتشتت شملهم.

إشارة جريئة إلى قوى فوقية سلطوية سياسية وغيبية، لكنها ظلت مباشرة وقصدية في عرض حاول التوفيق بين الدراما والحركة وإبقاء الرقص كجزء من الحياة اليومية كشرط لبقاء هذا الفن، وكعالم مواز للدراما التقليدية، وهذا ما بدا متناقضاً مع أسلوب العرض الذي نحا إلى عالم الأحلام باعتبار الحلم هو المادة الأولية للرقص ونبعه الأصلي لصياغة أنماط جديدة من الحركة لا بجعلها وصيفة للدراما، بل لتكون الحركة هي الدراما ذاتها وتعبيراً صادقاً عن جوانيات الراقص في تصميمه وعمله الكوريغرافي داخل صيغة درامية شاملة.

بين حلم ويقظة

إن حياة الأحلام التي قدمها عرض "ذواتنا" جاءت كتعويض عن التراتبية الصارمة الموجودة في عالم اليقظة المليء بالتناظر والتكرار والتلقين. نلاحظ هذا في اللوحة الثالثة من هذا العرض التي حملت عنوان "عتبة الألم"، ومهد لها أيضاً بعبارة كتبها الراقصون في البروشور تقول، "الأشلاء من حولي تقيم حفلة راقصة". بداية اللوحة كانت مع الراقص علي الترك، الشاب المثلي الذي يعاني تسلط شريكه الجنسي (عادل سلام). وتبدأ هذه اللوحة بظهور الشاب وهو مقيد إلى حبل من جسده ويديه نحو عمق الخشبة، بحيث يبدو شريكه يقوم بتعنيفه وإحكام القبضة عليه، وكلما أفلت من حبله أعاده نحوه راضخاً وكسيراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يمكن القول إن عرض "ذواتنا" اختصر مسافات بين المؤدي والمتفرج، وحاول التمهيد لكسر تابوهات الرقابة، مصدراً عبر مختبر الرقص المفتوح على شتى مدارس الأداء نوعاً من المماحكة مع السلطات الاجتماعية والسياسية والدينية. فعلى الرغم من استحالة تقديم قراءة أحادية للعرض، فإن المقترح الفني الراقص في سوريا لا يزال يعد بذرة من بذور الحداثة التي لم يأخذها العاملون في المسرح السوري حتى الآن على محمل الجد، وينظر كثيرون نحوها بريبة وعدم تفهم لخصوصيتها، وهذا ربما ما يجعل عرض "ذواتنا" بعيداً من فئات الجمهور الواسع، ومقتصراً على مساحات العرض الآمنة التي توفرها الأكاديمية المسرحية الوحيدة في البلاد، وهي هنا المعهد العالي للفنون المسرحية.

على مستوى الشكل حاول العرض تقديم لوحاته الثلاث في مساحة شبه فارغة، كما جرت العادة في عروض المسرح الجسدي، وأسهمت إضاءة كل من حيدر الحامض وهدى شعبان في توفير لونية محايدة اعتمدت في أغلبها على الإنارة الجانبية من على طرفي الخشبة، والتنويع بين كشافات الإضاءة ذات الفتحة الواسعة والمتوسطة. وبقيت الموسيقى في أغلبها عنصراً مرافقاً لحركات المؤدين والمؤديات ومختارات من الموسيقى العالمية، باستثناء مقطوعتين قدمهما الفنان فارس الزراد في اللوحة الأولى، والفنان ميشيل خياط في اللوحة الثانية، وقد سعتا إلى توفير مساحة للرقص الدرامي من دون أن تكونا بمثابة تعليق على أحداث العرض المتدافعة بقوة أجساد الراقصين والراقصات. واكتفى علي هادي عقيل بإعداد مختارات من الموسيقى الإلكترونية (التكنو) لآلة التشيللو.

المزيد من مسرح