Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

طعنات في رقبة الفكر... سيناريو متجدد لإشكالية قديمة

من قرأ "آيات شيطانية" قيمها بحسب رؤاه لكن من سمعوا بها طالبوا برأس الكاتب لا لفهم ما يدور فيه لكن لأسباب أخرى

عرض أفكار سلمان رشدي وكتبه في الدول العربية والإسلامية قليل جداً (أ ف ب)

انتظر الجميع رد فعل برامج الـ"توك شو" في تلك الليلة، فهذه البرامج أشبه بإشهارات مبكرة للتوجهات الرسمية، وأحياناً تكون العامل المحفز لدفع الرأي العام إلى توجه من دون غيره، الغالبية توقعت أن يكون التوجه حذراً عبر شجب الطعن والتنديد بالهجوم، فالخطاب الديني مأزوم منذ ما يزيد على نصف قرن، والمنطقة ليست في حاجة إلى تحمل مزيد من الشد التكفيري والجذب الإفتائي.

"الفتوى" التي أصدرها روح الله الخميني في يوم عيد الفالنتاين في الـ14 من فبراير (شباط) عام 1989 ظلت حية ترزق على مدار 33 عاماً، كانت رواية "آيات شيطانية" للكاتب الهندي الأصل، البريطاني الجنسية، الأميركي الإقامة (حالياً) سلمان رشدي قد صدرت حديثاً لتفجر موجتين متضادتين من ردود الفعل العالمية، الموجة الأولى كانت احتفاءً واحتفالاً بعمل "أدبي" جديد جريء، والثانية كانت غضباً عارماً وتنديداً جائحاً من قبل مسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، الخط الفاصل الوهمي الهزلي السقيم في نظر بعض، العميق العتيد العنيد الواضح وضوح الشمس لدى بعضهم الآخر تعداه رشدي، وهو ما استحق الاحتفال والاحتفاء هناك والهياج والانهيار والغضب المشتعل هنا.

عمل رائع أم مروع؟

"آيات شيطانية"، الكتاب الرابع لرشدي المعروف في الغرب باعتباره من أمهر الكتاب في المزج بين الواقع والخيال، وقع في "محظور" مزج الإسلام بقصص خيالية والرسول محمد (ص) والملائكة والصحابة بشخصيات عادية، حظي بعديد من المراجعات والتقييمات المشيدة بالبنية الروائية والحبكة الفنية والروعة اللغوية، لكنه حاز أيضاً عديداً من التقييمات المصنفة له باعتباره عملاً ركيكاً أو لا يستحق الضجة المثارة حوله أو جيداً لكن ليس رائعاً.

عمل رائع أم عمل مروع؟ تبدو الفروق طفيفة لكنها فعلياً مريعة، من قرأوا العمل في دول عدة قيموه بحسب رؤاهم وأذواقهم وتوجهاتهم، لكن من سمعوا عنه في دول أخرى جن جنونهم وفقدوا عقولهم وطالبوا برأس الكاتب، لا لفهم ما يدور فيه أو لمناقشته في ما يقول لكن لأسباب أخرى.

الأسباب الأخرى لخصها الخميني في فتواه في يوم عيد الفالنتاين عام 1989 التي دعت "المسلمين" إلى قتل "المرتد" سلمان رشدي مع مكافأة تقدر بنحو ثلاثة ملايين دولار أميركي لمن يقتله، وعلى الرغم من إجراءات وصفها بعضهم بـ"السياسية" لتنأى بنفسها بعيداً من الفتوى، لكن الفتوى بقيت عربياً وإسلامياً قوية حاضرة، أو على الأقل ذات شعبية وتأثير.

ليلة طعن رشدي

تأثير الرواية أو أحداثها أو الفتوى أو الغضب أو كل ما سبق تبلور في صوت مذيع الـ"توك شو" ليلة طعن رشدي في نيويورك، وبدلاً من الدعوة إلى التعقل أو مناشدة الرد على الفكر بالفكر والنقد بالنقد أو تذكير الجميع بأن الفكرة لا ينقضها التكفير بل يغذيها ويقويها، جلجل صوت المذيع وهو يصب الغضب على رشدي و"آياته الشيطانية"، وكأنها صدرت بالأمس القريب، وكأن تأثير الكاتب ممتد متجذر في طول المنطقة وعرضها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

عرض أفكار سلمان رشدي وكتبه بما فيها "آيات شيطانية" في الدول العربية والإسلامية قليل جداً، باستثناء الزوابع التي يثيرها الكتاب بين الحين والآخر، وأحدثها قيام شاب لبناني ولد بعد صدور الفتوى بسنوات بطعن رشدي، حادثة الطعن صدمت الغرب وأعادت دفع "آيات شيطانية" إلى قمة المبيعات، وهو ما ذكر الوسط الأدبي والفني بالقفزة الكبرى في مبيعات الكتاب وقت صدوره بسبب الغضب الهادر والجدل الدائر في بلاد المسلمين وبين الجاليات المسلمة في حينها، وجاءت فتوى إهدار دمه لتضمن تربع الكتاب على رأس قائمة الأعلى مبيعاً لأشهر طويلة.

كتب وفتاوى

طول أشهر الأعلى مبيعاً لا ينافسها سوى طول من صدرت وتصدر في حقهم فتاوى قتل أو آراء تكفير أو قرارات ردة، أعدادهم قليلة لكنهم شخصيات مؤثرة، كتاباتهم محدودة الانتشار لكن ردود الفعل عليها ممتدة، أفكارهم لا يسمع عنها أحد سوى الساعين إليها، لكن بين الساعين من لهم تابعون ومريدون ومشجعون ومؤمنون بأنهم أصحاب القرار في ما ينبغي عمله تجاه المختلفين في العقيدة، وكذلك المسيئين بالكتابة والقول والفكر.

الأفكار التي ظل المفكر والكاتب الراحل فرج فودة يعبر ويتحدث عنها ويكتبها ظلت محدودة إلى حد كبير حتى المناظرة التي جرت بينه والمفكر محمد خلف الله من جهة، والمفكرين الإسلاميين الشيخ محمد الغزالي ومحمد عمارة من جهة أخرى، المناظرة التي جرت ضمن أنشطة معرض الكتاب في يناير (كانون الثاني) عام 1992 جاءت تحت العنوان الدال "مصر بين الدولة الإسلامية والدولة المدنية" حضرها كثيرون، بينهم بضعة آلاف تم حشدهم بغية ترجيح خيار الدولة الدينية خلال النقاش وما بعد النقاش.

انتصار المدنية الموقت

فبعد ستة أشهر بالتمام والكمال من المناظرة التي اجتمعت آراء وقتها على "انتصار" كفة الدولة المدنية بحجة الفكر وبرهان المنطق، انتصر الجانب الآخر بحجة الفتوى وبرهان الردة، اجتمع علماء من الأزهر الشريف، وأصدروا بياناً جاء فيه أنه "تغشى العالم الإسلامي في هذه الأيام غاشية من التراجع والانكسار، ومبعث الخطورة في هذا الانكسار أنه يأتي وقد اخترق العقل الإسلامي والثقافة الإسلامية، ونبتت نابتة على أرضنا أشربت في قلوبهم مفاهيم الغرب عن الدين والدولة وعلاقة الدين بالحياة، وباتت هذه الشرذمة تحمل من الولاء لهذه المفاهيم أضعاف ما تحمله لدينها، على الرغم من أنهم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ووجدنا منهم من يعلن بملء فمه رفضه المطلق لتطبيق الشريعة وتبنيه للفصل المطلق بين الدين والسياسة". وأعلن العلماء في بيانهم الصاخب إبراء الذمة معتبرين مثل هذه التصرفات "العلمانية" ثورة على دين الأمة و"عدواناً سافراً على مرجعيتها المقدسة كتاباً وسنة، وإساءة إلى وجه مصر الإسلامي".

وفي أقل من أسبوع، تواترت التكفيرات وإشهارات الردة العلنية، ومنها ما وجد في التلفزيون الرسمي حضناً وبراحاً، ظهر الشيخ محمد الغزالي على التلفزيون المصري ليقول إن "من يدعو للعلمانية (فصل الدين عن الدولة) مرتد يستوجب أن يطبق عليه حد الردة"، وذلك في إطار كلامه حول كتاب المفكر فرج فودة: حوار حول العلمانية، ثم نشرت صحيفة "النور" الإسلامية فتوى رسمية صادرة عن "جبهة علماء الأزهر" تكفر فودة تكفيراً صريحاً "لأنه مرتد" ما يستوجب قتله، وهذا بالضبط ما حدث في الثامن من يونيو (حزيران) عام 1992، على يد شابين من "الجماعة الإسلامية" اغتالاه رمياً بالرصاص في الشارع.

 

الشارع شهد كذلك محاولة اغتيال شبيهة لكن بالسكين بعد ثلاثة أعوام، في الـ14 من أكتوبر (تشرين الأول) عام 1995، حاول شابان أحدهما فني كهرباء طعن الأديب المصري العالمي صاحب جائزة نوبل في الشارع، وذلك لأنه "كافر وخارج عن الملة" لكتابته رواية "أولاد حارتنا"، لكن محفوظ نجا.

"كافر" وليس أستاذاً

نجا محفوظ لكن لم ينج العقل، تكفير التفكير ومعاقبة المسيء أو المتطاول أو المختلف بإعلان الردة أو استباحة الدماء أو الأمر المباشر بالقتل لم تصل "آخر الخط"، الخط ممدود ومستمر، قصص تكفير الكتاب كثيرة، ولعل أبرزها تكفير الكاتب والباحث والأكاديمي المتخصص في الدراسات الإسلامية وفقه اللغة العربية والعلوم الإنسانية نصر حامد أبو زيد، وهي القصة التي بدأت بكتاباته المثيرة الرافضة لسلطة النص المطلقة، وهي ما أقلقت مضاجع رافضي الفكر ومستسهلي الكفر، ثم جاءت الذروة حين قدم بحثاً عنوانه "نقد الخطاب الديني" وذلك للحصول على درجة الأستاذية، وبدلاً من مناقشة البحث وما جاء فيه من أفكار، قررت اللجنة المشكلة لدراسة البحث وكتابة تقرير يوصي بنيله الأستاذية من عدمها أن ينص التقرير على أن أبو زيد كافر.

الطريف الذي يبكي هو أن رئيس اللجنة الأستاذ في كلية دار العلوم والداعية الإسلامي عبدالصبور شاهين ذكر ضمن أدلة الكفر دفاع أبو زيد عن العلمانية والماركسية وسلمان رشدي صاحب "آيات شيطانية".

وتر الترهيب الديني

وعلى الرغم من أن شاهين أنكر تكفيره أبو زيد بعد وفاة الأخير في منفاه الاختياري في هولندا في عام 2010، إلا أن آخرين لم يألوا جهداً في الدق على وتر الترهيب الديني ذاته، المستشار صميدة عبدالصمد الذي كان ضمن لجنة الترقية توجه إلى القضاء ورفع دعوى حسبة وطالب بإدانة أبو زيد بتهمة الردة، وكان له ما أراد، صدر حكم المحكمة معتبراً "أبوزيد" مرتداً وقالت المحكمة إن عليه أن يطلق زوجته الأستاذة الجامعية ابتهال يونس، بحكم أنه لم يعد مسلماً، وتشجعت مجموعة من المحامين وهرعت إلى المحكمة لترفع قضايا مطالبة بالتفريق بينه وبين زوجته بعد أن أصبح كافراً، وسافر الزوجان إلى هولندا حيث عملا بالتدريس الجامعي إلى أن توفي أبو زيد متأثراً بإصابته بفيروس نادر.

يشار إلى أن عبدالصبور شاهين الذي يتم الاحتفاء به حتى اللحظة في الإعلام الرسمي وبين الجموع الشعبية باعتباره من رجال الدين الوسطيين على الرغم من وفاته في العام نفسه الذي رحل فيه أبو زيد، قال في حديث صحافي في عام 2008 إن الحاكم لو قال إنه علماني فهذا يعني أنه ملحد.

 

تجريم الإلحاد

يشار أيضاً إلى أن أحد أعضاء مجلس النواب تفتق ذهنه قبل نحو سبع سنوات عن فكرة وصفها بعضهم بـ"الرائعة" ونعتها آخرون بـ"الكريهة"، ألا وهي تجريم الإلحاد، تمثلت الفكرة في مشروع قانون تعاقب الدول بمقتضاه الملحد بالحبس والغرامة المالية، وذلك لمنع انتشار الإلحاد الذي يهين الأديان السماوية ويلحق الضرر بالأمن القومي المصري ويهدد النظام العام ويشكل خطراً على الأديان، وأكد صاحب مقترح القانون أن تجريم الإلحاد لا ينال أو يتعارض وحرية الاعتقاد.

الاعتقاد أن باحثاً في الدين الإسلامي في مأمن من قضايا الحسبة والازدراء وأحكام الكفر وغيرها اعتقاد خاطئ، الباحث الإسلامي والإعلامي إسلام البحيري نال نصيبه العادل من حرية الانتقاد، ففي عام 2015 خرج البحيري في برنامجه التلفزيوني مطالباً بحرق كتب الأئمة أو تجاهلها، وأن انتقاد ما جاء في البخاري ومسلم أمر مسموح به ولا غبار عليه.

هذه المرة، كان الأزهر الشريف هو الذي هرع لتقديم بلاغ ضد "أفكار" البحيري، لأنها "تمس ثوابت الدين وتنال من ثوابت الأئمة المجتهدين المتفق عليهم وتسيء لعلماء الإسلام، وصدر حكم من المحكمة بإدانته والسجن خمس سنوات، وأيدت محكمة النقض الحكم بسجنه، لكن بعد فترة أمضاها في السجن، صدر قرار رئاسي بالعفو عنه.

التفكير مخاطرة

وإذا كان الله عفا عما سلف، فإن السلف أيضاً بينهم من اعتبر التفكير مخاطرة والأفكار غير المستساغة جرائم تستوجب القتل أو الحرق ولو كان حرق الفكرة وليس صاحبها، أشهر من حرقت أفكاره هو ابن رشد، أشهر الفلاسفة الأندلسيين صاحب الأفكار المنفتحة وإعمال العقل المبهر، فقد صدر قرار في عام 1194 بحرق كل كتبه ما عدا ما يتعلق منها بالتاريخ الطبيعي، وحرم على المواطنين قراءة أو متابعة فلسفته وأفكاره داعياً إياهم إلى حرقها أينما وجدت.

المثير أن المواطنين كانوا سعداء وهم يتقفون أثره وتنفيذ أوامر الحرق، فحياتهم الصعبة القاسية لم يكن فيها من ملاذ سوى الإيمان، وهو الذي اتهم ابن رشد بمعاداته ومحاربته.

محاربة المسيئين

محاربة كل من "يسيء" إلى الدين مسألة جدلية، وتعريف "المحاربة" في حد ذاته جدلي، مجلة "شارلي إبدو" الفرنسية الساخرة فتحت باب التعريفات على مصراعيه، نشر رسوم كرتونية عن الإسلام والرسول محمد (ص) بطريقة ساخرة اعتبره مسلمون مرفوضاً وغير مسموح به ولا يدخل في باب حرية التفكر والإبداع بل في باب حرية الإساءة ونشر الكراهية، لكن آخرين اعتبروه إبداعاً وحرية ولا يجوز لأحد منعه أو تغييره.

حتى محاولة "التغيير" الجذرية عبر قيام شقيقين إسلاميين هما سعيد وشريف كواشي بقتل 12 شخصاً بينهم أشهر رسامي المجلة في عام 2015 لم تسفر عن نتائج جذرية باستثناء القتل، فقد عاودت المجلة نشر الرسوم ذاتها بعد سنوات من الاعتداء والقتل، وذلك في مناسبة بدء محاكمة المتهمين بتنفيذ الاعتداء. يُشار إلى أن دار الإفتاء المصرية حذرت حينئذٍ من إعادة نشر الرسوم "المسيئة" واصفةً القرار بـ"استفزاز غير مبرر لمشاعر مليار ونصف مليار مسلم عبر العالم يكنون الحب والاحترام لنبي الرحمة"، وقالت إن ذلك من شأنه أن يتسبب في موجة جديدة من الكراهية في المجتمع الفرنسي والغربي، وحين حدثت محاولات اعتداء على عدد من المساجد في فرنسا عقب الاعتداء على "شارلي إبدو"، استنكر الأزهر الشريف بشدة هذه الاعتداءات التي وصفها بـ"العنصرية الآثمة على مساجد المسلمين في فرنسا رداً على الهجمات التي تعرضت لها المجلة"، وقال إن أعمال القتل والإرهاب لا تمت للإسلام بصلة.

 

يشار إلى أن موجة الفتاوى العلنية التي تهدر دماء المسيئين أو تكفر الساخرين أو تعتبر المشككين مرتدين أو خارجين عن الملة تمر بمرحلة خفوت، لكن ما الخافت على أرض الواقع ليس بالضرورة ساكناً على أثير العنكبوت، منصات التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية حافلة بفتاوى وآراء لا حصر لها، بينها من يؤكد أن من سب النبي (ص) من المسلمين فهو كافر وجب قتله، أو مرتد لكن لا يقتله إلا السلطان أو من ينوب عنه، وغيرها.

الغريب في الأمر هو صمت المؤسسات الدينية الرسمية عن البوح بالطرق التي يمكن بها الرد أو التعامل مع "الإساءات" المكتوبة أو الفكرية أو الفنية أو الأدبية للدين ورموزه، بعضهم يلوح كذلك إلى صمت عربي وإسلامي رسمي من دون تعبير عن شجب لاعتداء أو عنف بدني ولو حتى على سبيل "الدبلوماسية" مع تأكيد على رفض الإساءة ومعارضة السخرية والاستهانة بالرموز الدينية.

ويظل الطرف المعتدى عليه بالسخرية الفكرية والإساءة الأدبية محبوساً في خانة المعتدي، لأنه يرد الفكرة بالتكفير والمقال بالازدراء والكتاب بالطعن والدعوة للتفكير بتأكيد التكفير، ليس هذا فقط، بل إن الطريق المسدود يؤدي إلى قفزة في مبيعات الكتاب وطفرة في شعبية الكاتب وانتعاشة في هذا النوع من الفكر.