جون ماكافوي رجل من حديد: هكذا حوّل مجدافٌ المجرمَ بطلاً

الرياضي الوحيد الحائز رعاية "نايكي" لسباقات الترياتلون "آيرون مان" على مستوى العالم

جون ماكافوي عداء وبطل في سباق الدراجات ولاعب "ايرون مان"

في 16 من عمره، امتلك جون ماكافوي بندقية، وقضى وقته في ارتكاب الجرائم. وفي سن 18، حُكم عليه بعقوبتي السجن المؤبد. والآن، هو الرياضي الوحيد الحائز رعاية "نايكي" لسباقات الترياتلون "آيرون مان" على مستوى العالم. 
قصته كما يرويها لجوزي كوكس.
في يوم عاصف في أوائل فصل الخريف، في وقت الغداء، قابلني جون ماكافوي في ردهة نادي "فولهام ريتش بوت". لم يكن من المتوقع رؤية الرياضيين المنهكين في التدريبات والمدربين ذوي البنية القوية في هذا المكان، الذي يقع بين إحدى الشركات العقارية ومقر شركة عالمية لتصنيع الخمور، ولكن نهر التايمز كان هناك. وهذا ما يهم.

بملامح تتسم بالسحر الصبياني تميزها ابتسامة رقيقة وعيون زرقاء نظرتها ثاقبة، أطل ماكافوي ليصافحني ويشد على يدي من دون الانخراط في حديث صغير غير مجدٍ مثلما يفعل كثير من الأشخاص الذين تُجرى معهم الحوارات. وقد بدأ الحديث عن العمل الذي يقوم به ناديه لخدمة المجتمع المحلي، لكن شغفه كان يفوق الوصف.

تتمثل مهمة نادي "فولهام ريتش بوت"، كما يرويها، في مساعدة الشباب على إدراك قدراتهم الرياضية من خلال التجديف. وهو يعمل كمؤسسة خيرية بموجب اتفاقية بين المطور العقاري "سانت جورج"، و"لندن برو أوف هامرسميث"، و"فولهام". ويستطيع طلاب المدارس الحكومية، الذين يعرفون أن رياضة التجديف تقتصر على نخبة "أوكسبريدج" الذين يمارسونها مرة في العام على شاشات التلفزيون، الحضور إلى المنشآت الخاصة بالمؤسسة للتدرب على أيدي أمهر الرياضيين الأولمبيين وجهاً لوجه. وقد وجه ماكافوي انتباهي إلى الشهادات المعلقة على الجدران في الممر والخاصة بالأرقام القياسية التي حطمها شبان وشابّات لم يكن لديهم فكرة عن مسك المجداف. وهو ما لم تحققه من قبل الجمعيات الخيرية. وكان يروي ذلك بفخر وكأنه يتحدث عن أبنائه.

جئت إلى هنا اليوم لأتحدث مع ماكافوي عن رياضة التجديف والرياضات الأخرى التي يمارسها. إنه عداء وبطل في سباق الدراجات ولاعب "ايرون مان". في الواقع، إنه الرياضي الوحيد الحائز رعاية "نايكي" لسباقات الترياتلون "ايرون مان" على مستوى العالم. لقد حطم أرقاماً قياسية على مستوى العالم، وحاز العديد من الألقاب في السباقات البريطانية. لقد أردت التحدث معه عن التحدي الضخم المتمثل في التنافس على المستوى الدولي في رياضة تتسم بقوة التحمل وكيفية الحفاظ على التوازن عندما تتعامل مع جسمك كما لو كان آلة لا تكل ولا تمل. أردت التحدث معه عن الحملات والتعليم والسياسة- وبعض من هواياته الأخرى- ولكنني في المقام الأول جئت لأتحدث معه عن حياته قبل ذلك، أي قبل القوارب اللامعة، ومخفوق البروتين، وأفضل أداء، والتصوير الفوتوغرافي. أردت الاستماع إلى سيرة حياته كشخص منبوذ اجتماعياً، محكوم عليه بعقوبتي المؤبد، كأحد أخطر المجرمين المسلحين في تاريخ بريطانيا الحديث. تحمست لمعرفة شعوره لو بكل بساطة لم يكن هنا الآن ومازال يعاني خلف القضبان، والفضل في ذلك يعود إلى مجداف قديم وجده في عام 2009. لم يكن لهذه الحالة النادرة من الإنجاز الرائع أن تتحقق على أرض الواقع ولم يكن لماكافوي أن يجلس في غرفة التدريب وتطأ قدماه بهذا الجورب الأجهزة الرياضية، ويجيب بكل صبر على أسئلة الصحافي الذي لم يكن يصدق ما يحدث. 

حتى ماكافوي يدرك أن حياته غنية بالأحداث التي تصلح لصناعة السينما وفقيرة في صدقيتها. فعلى الرغم من عقوبات السجن والقصص الصحافية المتداولة عن حياته السابقة، وكذلك الأرقام القياسية التي حطمها، والكؤوس التي حصدها، إلا أنني كنت أضحك عندما يتذكر بعض التفاصيل التي تصلح فيلماً سينمائياً، أو ما وصفته بشكل ينتابه الشك بـ"الجحيم الدامي" عندما روى لي أنه تم حمله على هليكوبتر لـ"بلمارش" ليسجن مع الإرهابيين والقتلة. وكنت منتظراً أن يضحك ويقول لي إنه يمزح، ولكنه لم يفعل. "أنا أعلم"، أجاب بدلاً من ذلك، وبصوته قليل من الدهشة "إن في ذلك جنون بعض الشيء". 

قد يكون ماكافوي أفضل رياضي لم يسبق لك السماع عنه، إلا إذا كان لديك ميل غامض للقراءة بوثائق المحاكم. لقد استمعت إليه للمرة الأولى من خلال مقابلة صوتية. فقد حل ضيفاً في تلك الحلقة، وبعدما انتهى من الإجابة عن السؤال الأخير، أعدت الاستماع مرة أخرى إلى الحوار الذي استغرق ساعتين ونصف. كنت أشعر بأنني أعرف قصة ماكافوي جيداً. لقد بحثت عنه كثيراً على غوغل قبل لقائه (كنت ستفعل ذلك لو كنت ذاهباً للقاء مجرم)، وقرأت التغطية الصحافية عنه، وكذلك تطرقت إلى مذكرات قد نشرها أخيراً، ولكنني لم أستطع مقاومة طلب الاستماع منه شخصياً إلى قصته مرة أخرى.

ولد ماكافوي في جنوب شرق لندن في عام 1983، بعد شهر من الموت المفاجئ لوالده. نشأ مع والدته، وأخته غير الشقيقة، ووصف طفولته بأنها "طبيعية إلى حد ما"، بصرف النظر عن حقيقة أنه لم يكن لديه أب. وهو الأمر الذي كان يثير غضبه في المدرسة، ولكنه كان يشعر بالاهتمام من جانب أفراد العائلة الآخرين من عمات وأعمام، وكذلك أمه التي مازالت تربطه بها علاقة طيبة.

عندما بلغ ماكافوي الثامنة من عمره، ظهر الزوج الأول لأمه- والد أخته غير الشقيقة- بشكل أساسي في حياته، وحولها بطريقة لا يمكن تغييرها. فلم يكن لدى بيلي توبين ولداً، فأصبح على الفور أباً لماكافوي. في المقابل، كان ماكافوي يتعامل معه باحترام، إذ أعجبته شخصية أبيه الجديد غير العادية وثقته بنفسه.

قال لي ماكافوي اليوم: "كان بيلي غنياً ويمتلك كل شيء. كان دائماً في أروع حلته، وكان لديه المال والسيارات وغيرها من الممتلكات. أحببته. وكان دائماً الشخص الذي أريد أن أصبح مثله عندما أكبر". لم يكن لدى ماكافوي أي فكرة عن أن بيلي قد تم اطلاق صراحه من السجن آنذاك.

وباعترافه، لم يكن ماكافوي طفلاً أكاديمياً، إلا أنه عندما كان تلميذاً في المدرسة، كان يبدي اهتماماً بمادة التاريخ. وكانت والدته تشتري له المجلات التي يقرأ فيها عن الشخصيات التي شكلت العالم، مثل نابليون وتشرشل وهتلر. لقد كان مفتوناً بالاستراتيجية (روى لي أن أسئلة شغلت تفكيره، ومنها سبب فشل هتلر في الحرب)، وحقيقة أنه على الرغم من وفاة هؤلاء الأشخاص إلا أن سيرهم مازالت حية لأجيال. ولقد أدرك ماكافوي أخيراً أنه كان يكتشف مفهوم "الإرث". لقد أراد ترك بصمته على كوكب الأرض لتعيش بعد وفاته. لقد أراد النفوذ والسلطة لإحداث هذا الفارق.

في هذه الأثناء، لم يبخل بيلي بأي مال لديه للإنفاق على ماكافوي الشاب، الذي يمكنه الذهاب إلى أفخم الأماكن في لندن ليخالط أصدقاء بيلي، الذين يتمتعون بالقدر نفسه من الثراء والكاريزما. لم يفهم ماكافوي من هم هؤلاء الرجال، ولكنهم فتنوه. كانوا يغدقون عليه الأموال والهدايا. يقول ماكافوي إنه "من المذهل أن تصبح حياتك مشوهة بالكامل من جانب الأشخاص الذين يلتفون حولك ويؤثرون عليك. اقتربت من هؤلاء الرجال لأنه لم يكن لدي البديل. كانوا قدوة لي، وأردت أن أصبح مثلهم. لم أكن أعرف شيئاً مختلفاً عن ذلك".

بالرجوع إلى شجرة العائلة، من السهل أن تدرك ماذا يقصد. لقد أبدى أصدقاء بيلي إعجابهم بعمه ميكي ماكافوي، الذي حفر اسمه، في الصباح الباكر من يوم السادس والعشرين من شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 1983، في سجلات التاريخ الإجرامي في بريطانيا، حيث قام بتدبير سرقة بقيمة 26 مليون جنيه استرليني من السبائك الذهبية والماس والنقود من مستودع في مطار هيثرو، كأحد أفراد عصابة برينك- مات الإجرامية. وقد تم وصف تلك الحادثة بجريمة القرن. وعلى الرغم من أنه قد مضى وقت طويل على هذه الجريمة، إلا أنها مازالت تُعتبر واحدة من أكثر القضايا إثارة للدهشة، ويرجع ذلك جزئياً إلى أنه على الرغم من إدانة العديد من أفراد العصابة، إلا أن معظم المسروقات لم يتم استردادها.

ويذكر ماكافوي أنه في عام 2004، نشرت صحيفة "تلغراف" مقالاً يؤرخ تطور الجريمة المنظمة في بريطانيا. وخص بالذكر خمسة من أبرز الأفراد الذين نظموا تشكيلاً عصابياً في العقود الماضية في الدولة، ثلاثة من هؤلاء الأفراد، حدثني بلا حرج، قد لعبوا دوراً في تربيته.

ولم يدرك ماكافوي حتى سن الثانية عشرة حقيقة أقاربه وهويتهم، وطبيعة أعمالهم. فحينما بحث في خزانة الأدراج بعد وفاة جده، عثر على مجموعة من قصاصات الصحف التي تشرح بالتفصيل عمليات السطو التي قام بها بيلي والقبض عليه. وأدرك أن زوج والدته كان الاهتمام الأكبر لشرطة النجدة التابعة لشرطة العاصمة، والتي تتولى الكشف عن الجرائم الخطيرة والمنظمة. ولم يكن عمه ميكي مختلفاً عن بيلي، ويبدو أن ماكافوي كان في طريقه لتولي أعمال العائلة.

وفي الوقت الذي وصل فيه ماكافوي إلى مرحلة المراهقة، فقد كل الاهتمام بالدراسة. وبدافع الغطرسة والجشع والعزم على القيام بدوره نحو الحصول على السلطة والنفوذ، بدأ التخطيط لحياة الجريمة. وقد أخذ بيلي، الذي كان مقتنعاً بأن ربيبه سيكون أكثر أماناً في العمل وفقاً لتوجيهاته بدلاً من العمل وحده أو مع أشخاص في سنه، ماكافوي تحت جناحه. وقد شرح ماكافوي أن البديل القانوني لم يكن مدرجاً في حساباتهم.

وفي سن السادسة عشرة، امتلك ماكفوي بندقية، وأمضى وقته في العمل مع المجرمين الذين اعتبرهم نماذج يحتذى بها ومساعدتهم في توفير العقل المدبر الذي يحتاجون إليه لإكمال سرقاتهم على أكمل وجه. وكان يراقب الشاحنات التابعة لشركات الأمن التي تقوم بنقل الأموال إلى مستودعات النقد في أنحاء البلاد. وكان يحفظ عن ظهر قلب مواعيد تنقل تلك الشاحنات ولوحات أرقامها دون لفت النظر إليه. ويروي أن أفراد الأمن كانوا يلتفتون للبحث عن رجال في منتصف العمر- رسوم كاريكاتورية للمجرمين، أو ما يشبهون مغامرات كراي ولكنهم لا يلتفتون إلى مراهق بدين بعض الشيء لديه حب شباب ويقود دراجته البخارية.

 

لم يكن هناك أي عمل جائر أو شديد الخطورة بالنسبة إلى ماكافوي، فقد كان عمله مرهوناً بالجمع الغفير والتركيبة المعقدة. وقام بنقل الأسلحة من إحدى نواحي البلدة إلى الجانب الآخر، على أمل أن تتم ترقيته في نهاية المطاف لتولي مهمات أكثر إشباعًا وذات أهمية قصوى. وما عليه ماكفوي الآن يعكس أنه ربما كان ضحية الاستغلال. فعلى الرغم من ذلك، كان يعامل على أنه دمية من قبل مجموعة من الرجال المصابين بجنون العظمة، والذين كانوا يقترفون الجرائم على مدار عقود. ولكن، في ذلك الوقت كان حلم الثراء والنفوذ هو المسيطر عليه والقوى الدافعة له. 

وفي الثامنة عشرة من عمره، تلقى ماكافوي للمرة الأولى حكماً بالسجن لحيازته أسلحة نارية. وقد أحبطت الشرطة محاولة استيلاء على مصرف، وطاردته وتمكن شرطي لاحقه سيراً على الأقدام من القبض عليه. وأمضى ثلاث سنوات في السجن، من ضمنها سنة بالحبس الإنفرادي لرفضه في بداية الأمر ارتداء زي السجناء الذين يحاولون الهرب، ورفضه القيام بأعمال النظافة. كان لديه القدرة على التحمل والصبر والإصرار على عدم اعطاء فرصة أكبر للحراس للسيطرة عليه أكثر مما ينبغي. وفي يوم الاحتفال بعيد الميلاد، يذكر ماكافوي أنه سخر من عرض أحد أفراد الحرس إمكانية التحدث هاتفياً إلى والدته. "لم أكن أرغب في اعطاء الحراس أي وسيلة للسيطرة عليّ". لقد كان مصراً على أن لا يصبح "مؤسسياً".

خلال السنة الأولى، تابع ماكافوي بشغف الأخبار، كما روى لي، لا سيما "التايمز" و"دايلي ميل" و"نيك فيراري". كان يقرأ بلا كلل أو ملل كتباً مثل "نيلسون مانديلا: الطريق الطويل إلى الحرية"، وغيرها من القراءات الرئيسة النمطية على قائمة القراءة للسجناء. وبدأ ممارسة تمارين اللياقة البدنية، والقيام بآلاف من حركات الرفع والتدرج والدفع، أو ما يسميها بـ"حلبة السجن"، كي تمضي الأيام وبهدف "الشعور بأنه مازال على قيد الحياة". لقد أشعل الطاقة في جسده، وأصبح نحيفاً، وتمكن من بناء عضلات البطن السداسية. وقال إنه عندما ترك السجن لم يكن التعرف إليه أمراً سهلاً، ولكنه سرعان ما وجد مأواه الذي يتناسب معه. لقد تم الترحيب به مرة أخرى في عالم الجريمة في لندن بأذرع مفتوحة، واستأنف سعيه إلى الإطاحة بالنظام. ولقد كانت لديه بوصلة أخلاقية توجهه. إذ يُعد دائماً إلحاق الضرر بالرجال والنساء والأطفال في الشوارع من المحرمات وأمراً غير قابل للتفاوض، ولكن الشرطيين والسياسيين والمصرفيين والشركات الكبرى كانوا صيداً مباحاً.

في عام 2005، بعد مرور يوم واحد على عودته من رحلة إلى إسبانيا، وبعد أقل من عامين من إطلاق سراحه للمرة الأولى، تم القبض عليه في سيدكب هاي ستريت، وبعد إجراء تحقيق مطول، تم تجريمه بتهمة التآمر لارتكاب واقعة سرقة، وكذلك حيازة أسلحة نارية بنية ارتكاب الجريمة. يقول ماكافوي إنه التقى بكيفن براون، أحد أصدقاء بيلي توبين، في ذلك اليوم الذي تم القبض عليه، وهو أحد أفراد عصابة "انتاتشابلز" الإجرامية، الذي نجح في إقناعه بمساعدته للقيام بعملية سرقة كبرى. ولقد أخبرني ماكافوي بأنه رفض التعاون معه في البداية، ولكن كيفن تمكن من إقناعه. ولم يمضِ وقتٌ طويلٌ بعد ذلك حتى نصبت الشرطة كميناً للاثنين، واحتجزتهما في مركز الشرطة لمدة ثلاثة أيام قبل إرسالهما إلى بلمارش بطائرة هليكوبتر.

يتذكر ماكافوي الآن أنه عندما صدر ضده حكمان بالسجن المؤبد وأعلن سجيناً من الفئة (أ)، أي الأخطر على الإطلاق، كان في حالة من اللامبالاة، وكانت غطرسته كما يقول تمنعه من إدراك أن مستقبله وراء القضبان. ويقول إنه كان يشعر بكثير من الكراهية حيال النظام القضائي والقضاة والسلطة. ورفض أن يصدق أنه كان بإمكانهم الإطاحة به. وبلا شك أنه، مثله مثل غيره في هذا الموقف، لم يعط الأولوية سوى للتخطيط للهرب. وأبسط ما يمكن أن يقال في هذا أن الظروف كانت في غير مصلحته.

من المعروف أن جدران بلمارش لا يمكن اختراقها. وفي أوائل الألفية الثالثة، كان يستخدم هذا السجن في اعتقال الأفراد إلى أجل غير مسمى ومن دون تهمة بموجب أحكام قانون مكافحة الإرهاب. ما أكسبه شهرة وذاع سيطه مثل غوانتانامو. وعلى الرغم من أن جيفري آرتشر ربما كان أشهر نزلاء بلمارش، إلا أن إيان هانتلي، قاتل الأطفال، كان موجوداً هناك أيضاً. وقد تم التحفظ على ماكافوي في المكان نفسه والظروف ذاتها كأحد أطراف الجماعات الإسلامية المتطرفة أبو حمزة المصري والأفراد المتورطين في مؤامرة لتفجير رحلات عبر المحيط الأطلسي بقنابل تم اخفاؤها بعبوات مشروبات. ولم يكن ماكافوي قاتلاً أو مغتصباً، ولكن نظراً لصلاته الواسعة داخل عالم الجرائم الجنائية في بريطانيا، تم اعتباره بصورة استثنائية من المجرمين الفارين من العدالة، وأنه يمثل خطراً على جهاز الشرطة والمواطنين. وكانت فرصة تبديله، كما قال الحراس، تكاد تكون معدومة.

وبعد مرور عامين في الدائرة الأمنية الأعلى داخل سجن بلمارش، تم نقل ماكافوي إلى سجن آخر، حيث تم منحه قدراً أكبر من الحرية. وواصل التخطيط للهرب، ولكن في عام 2009 قتل أحد أقرب أصدقاء ماكافوي خلال محاولة سرقة في هولندا. وتأثر ماكافوي لفقده، وأصبح مدركاً حقيقة أنه لا يريد أن يسير على خطى صديقه. ويقول إنه شعر بضآلة الحياة، وكان ذلك محفزاً قوياً للتغيير. وتحول سلوكه بين عشية وضحاها. لقد أدرك حقيقة وجود بديل للجريمة. وبدأ يبتعد من رفاقه في السجن، وعزل نفسه عنهم، وبدأ يركز على الفرص الأكاديمية المتاحة له وراء القضبان. لكن الأمر لم يكن سهلاً، إذ شبّه تجربته بأنها مثل "المدمن العالق في وكر اللصوص". وكان أقرانه يناقشون الجرائم التي سيرتكبونها فور خروجهم من السجن، ولكن على الجانب الآخر، كان ماكافوي لا يشغله سوى التغيير.

وكشاب في مقتبل عمره، لم يكن ماكافوي رياضياً، على الرغم من أنه حين كان في المدرسة أبدى شغفاً بكرة القدم، إلا أنه يعترف بأنه كان يعاني زيادة في الوزن إلى حدٍ ما وكان آخر من يتم اختياره في الفريق. وذلك ربما يجعل الأمر أكثر دهشة حينما حصل للمرة الأولى على مجداف، وكان إيقاعه بطيئاً في الحركة. ما أثار شيئاً بداخله. وذلك خلال بضعة أيام من خبر وفاة صديقه. وكان الذهاب إلى صالة الألعاب الرياضية في السجن محاولة للهرب من الواقع. فحينما بدأ التجديف، كما يصف، شعر على الفور بحالة من الإدراك المتأخر تقرب إلى التأمل. كان يهيم في عالم آخر بعيداً من جدران السجن. ما كان يعنيه هو بناء عضلاته ودفع وسحب أنفاسه، وإشعال الطاقة في بدنه. وفي اليوم الأول، نجح في التجديف لمسافة 32 كيلومتراً. وقد ملأته الحماسة. 

وهناك دليل كافٍ على أهمية الرياضة وآثارها الإيجابية على صحة الإنسان العقلية. وفي سبتمبر (أيلول) 2018، توصلت دراسة سويدية إلى أن ممارسة الرياضة، لاسيما اليوغا، يمكن أن تقلل إلى حد كبير مستويات التوتر العصبي لدى السجناء، بالتالي فإنها تحد من سلوكيات الوسواس القهري والتفكير المتأثر بجنون العظمة، ما يقلل من خطر الانخراط في عالم الجريمة مرة أخرى. ولكن ماكافوي عندما استخدم المجداف للمرة الأولى لم يكن مدركاً ما ضخّه المخداف في شريان الحياة. وعلى الرغم من أنه كان غافلاً عن هذه القيم العلمية، إلا أن ارتفاع هرمون الاندورفين داخل جسمه نتيجة المجهود البدني الذي يبذله قد أدى إلى استقرار حالته النفسية. ولاحقاً، بعد مرور أشهر من التدريب حينما أدرك أن لديه الاستعداد الفسيولوجي للتجديف لمسافات طويلة بشكل استثنائي وتحمل درجات كبيرة من الجهد البدني على مدى فترات طويلة بصرف النظر عن كسر حدة الملل، تأكد أن تحديد الأهداف والسعي إلى الوصول إليها كان دافعاً أكبر من مجرد البقاء على قيد الحياة. 

وخلال الشهر الأول من ممارسة التجديف، استطاع ماكافوي اجتياز ملايين الأمتار. وبعد مرور أربعة أشهر، كان بإمكانه التجديف لمسافة توازي مسافة المحيط الأطلسي. وكان يجمع التبرعات لمصلحة الجمعيات الخيرية المعنية بالأطفال. كما أن حياته خارج صالة الألعاب في السجن قد اختلفت. وقد نما لديه شغفٌ لدراسة علم وظائف الأعضاء وقوة جسم الإنسان. وجمع الكتب والمذكرات الخاصة بالرياضيين الاستثنائيين لقراءتها. ويقول إن السيرة الذاتية للانس أرمسترونغ كان لها تأثير كبير عليه: "لقد أدركت العديد من صفاتي وسماتي الشخصية من خلال أناس مثل لانس أرمسترونغ. قراءة مسيرته جعلتني أدرك أنه لم يكن علي استغلال هذه السمات الشخصية في عالم الجريمة. وحينئذ أدركت أنني أريد أن أصبح رياضياً".

وقد اتى هذا الإصرار وهذه العزيمة بثماريهما، إذ نجح ماكافوي في غضون 16 شهراً من رياضة التجديف في تحطيم ثلاثة أرقام قياسية عالمية وثمانية أرقام قياسية على مستوى بريطانيا. وقد حطم الرقم القياسي لسباق الماراثون الأسرع في التجديف الداخلي بسبع دقائق. وحطم الرقم القياسي لأطول تجديف متواصل لمدة 45 ساعة، وأبعد مسافة تجديف تخطت 24 ساعة في مدتها بواقع 265 كيلو متراً. ومازال يحمل العديد من الألقاب في تحطيم الأرقام القياسية على مستوى بريطانيا.

وفي الوقت الذي نظر فيه مجلس الإفراج المشروط في طلبه بالافراج عنه في عام 2010، كان ماكافوي مقتنعاً بأن رياضات التحمل هي الأنسب لمستقبله وأنه سيصبح رياضياً محترفاً. وفي بداية الأمر، واجه هذا الطموح حجر عثرة؛ إذ أفاد الطبيب النفسي في السجن أن طموحه "لم يتم تشكيله على أرض الواقع بعد" ورفض طلبه، ولكنه تم نقله إلى سجن مفتوح، وكانت لديه فرصة الخروج خلال النهار والحصول على وظيفة والبدء في التأقلم مع الحياة خارج السجن تدريجاً. 

ومن خلال برنامج إعادة التأهيل، نجح ماكافوي في الحصول على وظيفة مدرب شخصي في صالة ألعاب "فيتنس فريست" الرياضية في دربيشاير، على مقربة من سجن سودبيري، حيث كان يمضي مدة عقوبته.

وكان ماكافوي يترك السجن نهاراً ويذهب إلى المكتبة المحلية لمدة نصف ساعة يقرأ فيها المدونات والكتب ومواقع الإنترنت الخاصة بأبطال رياضات التحمل والتغذية السليمة والمعافاة وإعادة التأهيل قبل الذهاب إلى صالة الألعاب التي يقوم فيها بتدريب العملاء. وخلال تلك الفترة، التقى تيري ويليامسون، وهو متخصص في علم النفس الرياضي وعاشق لليوغا، وهو الآن يعمل عن قرب مع ماكافوي كأحد أفراد فريق التدريب الخاص به. 

وعلى الرغم من أن ماكافوي كان حذراً في الاستفادة من الحرية التي مُنحت اليه، إلا أن تعطشه للتحديات البدنية أصبح شرساً. وبينما كان في سجن سودبيري، حصل على إذن المشاركة في ماراثون من لندن إلى برايتون- بنحو 60 ميلًا. وليس هناك ما يثير الدهشة، فإنه نجح في مواصلة السباق، ولاسيما برؤية شخص لديه مثل هذه العزيمة. وبالرغم من ضآلة معرفته عن تحمل الجري لمسافات طويلة. بل مع ذلك، اعترف بأنه كان عليه الرجوع إلى الخلف في ساوث داونز. وتذكر بمرارة أنه الأمر الذي لم تساعده عضلات الفخذ ببساطة على تحقيقه.

وفي عام 2012، بعد مضي نحو 10 سنوات خلف القضبان، تم إطلاق سراحه. وفي اليوم التالي، توجه إلى نادي "بوتني تاون" لرياضة التجديف في جنوب غرب لندن. وكان لهذا النادي سجل حافل بتدريب بعض الرياضيين الواعدين في المملكة المتحدة، وعلى الرغم من ذلك، كانت فترة تدريب ماكافوي جديرة بالثناء. وعلى امتداد 2000 متر، كما يروي، حقق أفضل أداء له بسرعة تفوق سرعة تأهل المنتخب البريطاني بواقع 14 ثانية. وحقق سرعة تفوقها بواقع 30 ثانية لمسافة تفوق 5000 متر. ولكن الأمر كان مختلفاً بالنسبة لماكافوي، وسرعان ما أصبح واضحاً أن العمر والتقنية لم يكونا في مصلحته، وأنه إذا أراد أن يعزز من مهنته كرياضي، عليه أن يكون استراتيجياً. وقد وضع نصب عينه رياضة الترياتلون، مستنداً إلى حقيقة أنه لم يتمكن من ركوب الدراجة ونادراً ما كان يمارس رياضة الجري لأكثرمن 10 كيلومترات، وكان ذلك فوق آلة في صالة ألعاب السجن. وفي سن الثلاثين، اشترى دراجته الأولى عبر موقع "إي باي" وتعلم قيادتها. وقد تعلم السباحة بمساعدة "يوتيوب". وكان يشعر بالحرج بعض الشيء، ولكن هذا الحرج كان ممتزجاً بالفخر والاعترف بأنه في أيامه الأولى على الدراجة، إذ كان ينزل التلال أبطأ من تسلقها خلال معسكرات التدريب، خوفاً من التصادم.

وفي أوائل عام 2013، قدم ماكافوي العرض الأول في سباقات الترياتلون، "ايرون مان" بالمملكة المتحدة. وسبح لمسافة 2.4 ميلاً، وقاد الدراجة لمسافة 112 ميلاً، وركض لمسافة 26.2 ميلاً في 11 ساعة و49 دقيقة، ليحتل بذلك المركز 287 من أصل أكثر من 1300 لاعباً. وفي حلول عام 2016 في فرانكفورت، حلق ماكافوي عالياً لنحو ساعتين وكان على وشك تحطيم الرقم القياسي  لسباق الماراثون، الذي امتد على مدار ثلاث ساعات. وفي العام 2017، حصل ماكافوي من جديد على المرتبة 36 من بين أكثر من 1700 لاعباً في سباقات الترياتلون ايرون مان في المملكة المتحدة. وقد نجح في الحصول على عقد رعاية شركة "نايكي" نظراً لظهوره التدريجي والملحوظ في وسائل الإعلام وتسليط الضوء على حياته المهنية. وبموجب هذا التعاقد يسافر ماكافوي حول العالم لإلقاء الخطب واستضافة الورش كونه اللاعب الوحيد الحائز رعاية "نايكي" لسباقات الترياتلون ايرون مان على مستوى العالم. ومن المضحك حقاً مجرد التفكير في أنه مازال مطلوباً من ماكافوي الحصول على إذن من مسؤول الإفراج المشروط للسماح له بمغادرة البلاد في كل مرة يسافر في رحلة دولية. ومن الصعب تصديق أنه مازال يمضي عقوبة السجن المؤبد.

وعلى الرغم من أن ماكافوي قد تغلب على أشد المواقف، إلا أن حياته بعد مغادرة السجن لم تكن بدون تحديات. ففي عام 2014، أصبح ضحية لانضباطه عندما تعرض لإرهاق شديد بسبب الإفراط في التدريب. تم نقله إلى المستشفى وتم تشخيص حالته بالإعياء الشديد. ويقول إن التجربة كانت مهينة ومحزنة، لكنه أعاد بناء قوة بدنه ببطء. فتعاون مع مدرب، واعتمد منذ ذلك الحين منهجاً أكثر وعياً لإجراء التدريبات، على الرغم من أنه مازال يقود دراجته ويمارس المشي لمئات الكيلومترات أسبوعياً. وفي العام 2017، كما يقول، توقف عن التدريب لمدة 12 يوماً. ويضيف أنه في هذه الأيام، قد يمارس الجري في بعض الأيام لمسافة 10 كيلومترات.

وبعيداً عن المسارات والطرق والماء، فهو فخور بشكل خاص بالعمل الذي أنجزه في حملات الإصلاح في السجون. إنه متحدث لبق، وقد ألقى كلمة أخيراً في مجلس العموم، كما أنه يزور السجون والإصلاحيات بانتظام. وقال لي إنه بسبب ماضيه، لا يعتبره المتهمون رمزاً للسلطة، وغالباً ما يتحدثون معه بصراحة. ويسترسل قائلاً إن ذلك أتاح له التقرب منهم، وذلك يساعده في بعض الأحيان على إرشادهم إلى كيفية تغيير مسارات حيواتهم. وعندما سألته عن أفضل تجاربه حتى الآن، قال إنها لا حصر لها. وأن الأطفال الذين يعمل معهم "رائعون".

أخيراً، سألت ماكافوي السؤال الذي لطالما أردت الحصول على إجابته. هل ندم على الجرائم التي ارتكبها في شبابه؟ في بداية الأمر، قد يبدو هذا السؤال غريباً: من الواضح أن لدى الرياضي الملتزم الذي يجلس أمامي القدرة على إدراك أن ما فعله في السابق كان خطأ. ولكن من غير المحتمل أيضاً أن يصل إلى ما وصل إليه الآن إذا لم يكن مجرماً. إذاً، لو عاد به الزمن إلى الخلف، هل سيفعل ذلك؟ وعلى نحو مميز أجاب بإيجاز إنه ليس نادمًاً على شيء.

وأوضح أنها "كلها تجارب، ونحن نتعلم منها". "لا أؤمن بالفشل طالما أنت مستمر في عملك، فإنك ستربح أو تتعلم الدرس".

لم يترك ماكافوي مجالاً للشك بأنه فعل كثيراً من هذا القبيل. وبنهوضه للاستعداد لحلقة التدريب المقبلة، تأكدت أن السنوات القليلة المقبلة ستشهد كثيراً عنه، سواء أكان هناك شخص شجاع أم أحمق جاء ليتحدى جون ماكافوي. 

© The Independent

المزيد من رياضة