Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الكوكب يحترق و"أبطال الظل" يخوضون معركتهم الأخيرة

الطوارئ المناخية فتحت ملف قوات الإطفاء وسلطت الضوء على رجال يعملون في أكثر المهن المهددة للحياة

رجال المطافئ يعرضون حياتهم للمخاطر للسيطرة على حرائق الكوكب (أ ف ب)

حين يشتعل نار الحب في القلوب، فإن المأذون يطفئه، وحين تضطرم نيران الغيرة، فإن التعقل يهدئها، لكن حين تستعر النيران في غابة أو مصنع أو بيت أو مقهى أو محطة باص أو قطار أو برج سكني، وحين تتمدد ألسنة اللهب بسبب انفجار أو ارتطام أو اصطدام، فإن "أبطال الظل" أو "حراس النار" أو سمّهم بـ"أبطال الكوكب"، هم من يؤدون تلك المهمة الصعبة.

في تلك الآونة، يقولون إن الكوكب يحترق. ويبدو أن ذلك جارٍ على قدم وساق. عناوين الأخبار لا تخلو مما يلي: "قوات الإطفاء تقترب من السيطرة على حرائق الغابات في المغرب"، "قوات الإطفاء الألمانية تستعين بالجيش لإطفاء حريق نشب في غابة على أطراف برلين"، "الحرائق تلتهم عشرات البيوت في منتجع سكني في اليونان"، "حريق ضخم يدمر آلاف الأفدنة في يوتا الأميركية"، "إسبانيا تشهد 30 حريق غابات ناشطاً"، "حريق كبير يندلع في غابات البرتغال"، "حرائق الغابات تجتاح جنوب فرنسا"، "قوات الإطفاء في لندن تشهد أكثر الأيام انشغالاً منذ الحرب العالمية الثانية".

حرائق مستعرة

هذه الحرائق المستعرة في مشارق الكوكب ومغاربه دفعت الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إلى التحذير قبل أسابيع قليلة من أن "الإنسانية تواجه انتحاراً جماعياً"، وأنه "لن تكون هناك جولة بمنأى عن الكارثة"، وذلك في ضوء درجات الحرارة الآخذة في الارتفاع والحرائق الآخذة في التمدد في كل مكان، مع "متابعتنا إشباع إدماننا على الطاقة الأحفورية".

وإلى أن يحسم سكان الأرض موقفهم من إدمانهم، وخطواتهم في ما يختص بزيادة درجات حرارة الكوكب وتغيّر المناخ واندلاع الحرائق بشكل غير مسبوق، يستمر "أبطال الظل"، محاربو النيران، في ترسيخ أقدامهم ببؤرة ضوء الحرارة القائظة والحرائق المتفجرة.

بريطانيا مثلاً، التي كانت حتى وقت قريب مضى تفاخر بدرجات حرارة تقترب من الشتاء في عز الصيف، تخوض هذا العام أقسى صيف منذ عقود وربما قرون. قبل أيام، سجلت درجات حرارة تجاوزت الـ40 درجة مئوية، وهي درجة ترتبط في أذهان البريطانيين بمناطق أخرى من الكوكب أبعد ما تكون عن جزيرتهم.

عمدة لندن صادق خان قال في يوليو (تموز) الماضي إن قوات المطافئ في لندن شهدت أكثر الأيام عملاً وانشغالاً منذ الحرب العالمية الثانية، وذلك مع تواتر بلاغات نشوب الحرائق في أرجاء مختلفة بسبب هذا الارتفاع غير المسبوق في درجات الحرارة.

حرارة مرتفعة وموازنة منخفضة

ارتفاع درجات الحرارة يعني حرائق، يعني سارينات سيارات الإطفاء وعشرات وربما مئات من مقاتلي النيران في جهود مضنية للإطفاء والإنقاذ والسيطرة. ولأن الصيف في ذروته، وتغيّر المناخ في قمته، فإن الحرائق تتوالى هنا وهناك. ولأن رجال ونساء المطافئ من أكثر القوات أو إدارات الحماية المدنية المبخوس حقها في الشهرة والتبجيل والاحتفاء والتكريم، وذلك مقارنة بأفراد الإسعاف مثلاً، فإن حرائق الكوكب ومناخه العليل وعناد سكانه في اتخاذ إجراءات حاسمة للإنقاذ، تسلط الأضواء بشكل غير مسبوق هذا الصيف على عمل قوات الإطفاء.

الأمين العام لاتحاد قوات الإطفاء في بريطانيا لخص موقع قوات الإطفاء في الكوكب قبل أيام بقوله إن "فرق الإطفاء تأتي في طليعة حالة الطوارئ المناخية".

الطوارئ المناخية فتحت ملف قوات الإطفاء على مصراعيه. فبين دول مثل بريطانيا التي تعاني نقصاً في الإمدادات المالية بسبب الخفوضات الحكومية على مدار ما يزيد على عشرة أعوام، وإلغاء نحو 11 ألف وظيفة في قطاع الإطفاء على مدار عقد بدلاً من زيادتها، مع تقادم الأجهزة والأدوات المستخدمة وعدم تحديثها، إلى ألمانيا التي باغتها انفجار في غابة بعد انفجار مستودع ذخيرة، ما دفعها إلى الاستعانة بالجيش، إلى قوات الإطفاء الأسترالية التي حازت لقب "شخصية العام" في 2020 التي تمنحها مجلة "تايم" سنوياً، وذلك في أعقاب ما شهدته في ذلك العام من أشد حرائق الغابات، والمهمات البطولية التي لعبتها قوات الإطفاء على الرغم من أن 90 في المئة منهم من الرجال والنساء المتطوعين في هذا القطاع، وغيرها كثير من أمثلة "أبطال الظل" باتوا ملء السمع والبصر بفعل نيران الكوكب.

إعادة اكتشاف "أبطال الظل"

يقف هؤلاء اليوم وكأن العالم من حولهم يعيد اكتشافهم أو بالأحرى يكتشف وجودهم. يضحك العرب كثيراً كلما يشاهدون فيلم "إسماعيل ياسين في المطافي" (ضمن سلسلة قدمها الفنان الكوميدي الراحل عن التحاقه بقوات مدنية وعسكرية عدة)، ويتذكر الملايين في الغرب الشخصية الكرتونية الشهيرة رجل المطافئ "سام" وغيرهما لكن بقي رجل المطافئ في الظل عقوداً طويلة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وكان الاستثناء الكبير – أو بالأحرى الصحوة الكبرى – في 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001 والذي شهد اعتداءات إرهابية في الولايات المتحدة الأميركية، أسفرت عن مقتل نحو 2977 شخصاً، ناهيك عن مقتل وإصابة المئات من أفراد الإنقاذ والإغاثة. إدارة مطافئ نيويورك وحدها فقدت المئات من أفرادها في هذه الهجمات، ناهيك عن استمرار معاناة المئات من قوات المطافئ من الآثار الطويلة لإصابات عدة في ذلك اليوم غير المسبوق. وقبل أيام، توفي أربعة من قوات المطافئ التابعين لإدارة مطافئ نيويورك متأثرين بأمراض وإصابات ناجمة عن مشاركتهم في أعمال إطفاء حرائق ذلك اليوم.

وفي بيان صحافي، قالت إدارة مطافئ نيويورك إن أربعة من أفرادها ممن شاركوا في أعمال إغاثة 11 سبتمبر فقدوا حياتهم في أربعة أيام متتالية بسبب أمراض مرتبطة بهذا اليوم. وجاء في البيان إن الـ287 فرداً من مطافئ نيويورك الذين دفعوا حياتهم ثمناً لإنقاذ الآلاف في هذا اليوم يذكرون الجميع بالخسائر المأساوية التي تقدمها قوات الدفاع الوطني، والشجاعة غير العادية التي أظهروها في ذلك اليوم وفي جهود الإنقاذ والتعافي التي تبعته.

توابع الحرائق الكبرى

توابع الحرائق الكبرى ترسخ في الذاكرة. وليس أدل على ذلك من حريق برج غرينفيل الذي شهدته العاصمة البريطانية في صيف عام 2017 والذي راح ضحيته 58 شخصاً. وعلى الرغم من معرفة شبه يقينية لدى عشرات أفراد المطافئ الذين دخلوا المبنى وتسلقوه من الخارج في تلك الليلة أنهم على الأرجح لن يخرجوا منه أحياء، إلا أنهم أتموا مهمتهم، وخرجوا منها بكثير من الصدمات النفسية العنيفة التي ما زالوا يعالجون من آثارها.

آثار الحوادث والصدمات والكوارث تبقى محفورة في القلوب والعقول والذاكرة، لكن للحرائق نكهة خاصة ذات عمق وفداحة وقسوة تميزها عن غيرها. ضحايا التعرض لحرائق وذووهم يمرون بأوقات عصيبة، فيها كثير من الأزمات والصدمات التي تستغرق أعواماً للعلاج. ويكفي النظر إلى سواد مبنى احترق، أو أطلال أثاث بيت قضت عليه النيران، أو باب خشبي يتدلى من مبنى أو بقايا ملابس أتت عليها النيران لتكسر القلوب وتقسو على العيون.

أما من يخرجون من بيوتهم صباحاً أو مساء بحسب موعد الوردية وهم يعلمون أنهم لو لم يقتحموا حريقاً اليوم فسيقتحمونه غداً، وغاية أمنيتهم ألا يكون الحريق مدمراً جداً ويكفي أن يكون مخرباً بعض الشيء، فهذا يضعهم على رأس قوائم المهن بالغة الخطورة والمرهقة جسدياً ونفسياً.

عمل الشخص في مجال إطفاء الحرائق يعني أنه يعمل في أكثر المهن المهددة للحياة والمتسببة في الصدمات النفسية، وهي المهنة التي ترشح صاحبها لأعلى مستويات التوتر "الروتيني" والمعاناة من اضطرابات ما بعد الصدمات.

خوض الحرائق روتين

هؤلاء لا يخوضون فقط بصفة روتينية حرائق مدمرة، لكنهم يشهدون بصفة مستمرة أجساداً محترقة وأطفالاً يستغيثون وذكريات تأكلها النيران في لمح البصر. وتشير مؤسسة "بناء التعافي معاً" الأميركية التي تعمل في مجال تقديم العون في مجالات الإدمان والتعرض للصدمات إلى أن نقص الدعم والتعاطف من قبل المواطنين والهيئات الحكومية تجاه ما تتعرض له قوات المطافئ بشكل خاص، والتغطيات الإعلامية السلبية والمهاجمة تفاقم من حجم المعاناة وفداحة الصدمة لديهم.

وقبل أيام قليلة، فوجئ رجل إطفاء أميركي تم استدعاؤه ضمن وحدة إطفاء في ولاية بنسلفانيا بأن البيت المشتعل ومن قضوا فيه وهم ثلاثة أطفال وسبعة بالغين هو بيته وهم أفراد أسرته، ما أصابه بصدمة عنيفة.

الملاحظ أن هناك فجوة ثقافية كبيرة لدى الشعوب في ما يتعلق بعمل أفراد المطافئ. أطفال كثيرون في الغرب حين يسألون السؤال التقليدي: ماذا تريد أن تعمل حين تكبر؟ يردون من دون تفكير: محارب نيران، أو رجل أو امرأة مطافئ، لكن قلما يعبر طفل عربي عن رغبته في أن ينتمي لهؤلاء الأبطال. قد يتمنى أن يكون ضابط جيش أو شرطة أو طبيباً أو مهندساً أو محامياً أو فناناً، لكن أن يكون من "أبطال الظل"، فالمسألة غير مطروحة.

الأدهى من ذلك أن العمل في المطافئ يعتبر من المهن أو الأعمال التي لا تتيح تسلق الهرم الاجتماعي. طبيب مصري سأل طبيباً من أعلام الطب في اليابان حين زار مصر باعتباره خبيراً في مجال زراعة الكبد قبل أعوام عن ابنه الوحيد. ابتسم الطبيب الياباني بفخر شديد وقال: "ابني رجل مطافئ".

صدمة العمل في المطافئ تحتاج إلى مراجعة في جانب من الأرض. وعمل أفراد المطافئ يحتاج إلى قدر أممي من الاهتمام الذي تأخر كثيراً، لا سيما أن ما فعله سكان الأرض بالبيئة والمناخ سيضع "أبطال الظل" في بؤرة الاهتمام وقمة الأخبار في الفترة الحالية والمقبلة.

نساء في المطافئ

المقبلون على العمل في مجال الإطفاء يعتقدون أن المطلوب يتلخص في قوة بدنية هائلة، لكن واقع المهنة يشير إلى أن مواصفات مثل التعاطف مع الناس والقدرة على اتخاذ القرارات السريعة والصائبة في أوقات الأزمات، والقدرة على التواصل الكفء مع الزملاء في موقع الحدث على القدر ذاته من أهمية القوة البدنية والشجاعة والجرأة.

ولم تأتِ جرأة إدماج النساء في المطافئ من فراغ. ويعتقد أن أول امرأة تعمل في المطافئ هي الأفرو أميركية مولي ويليامز التي كانت "عبدة" في نيويورك عام 1815. حالياً، وبحسب إحصاءات "مؤسسة الحماية الوطنية من الحريق" (منظمة أميركية غير ربحية)، هناك نحو مليون و80 ألف محارب نيران في أميركا بين متفرغين ومتطوعين، ونسبة المتفرغين 33 في المئة والمتطوعين 67 في المئة. وعدد محاربات النيران المتفرغات من النساء هو 88 ألفاً بنسبة ثمانية في المئة، منهن 14 ألفاً و900 متفرغة و73 ألفاً و900 متطوعة.

وفي المملكة المتحدة، كانت "المراهقة" جوزفين رينولدز هي أول محاربة نيران تنضم إلى قوات الإطفاء البريطانية، وذلك عام 1982. وكانت حينئذ في الـ18 من عمرها. حالياً، تبلغ نسبة النساء في إدارة المطافئ البريطانية نحو 6.4 في المئة من مجموع قوات الإطفاء.

وفي الهند، تخرجت ابنة الـ26 سنة هارشيني كانهكار في كلية خدمة الإطفاء الوطنية عام 2006 لتكون أول محاربة نيران وهي مستمرة في عملها.

لكن يظل قطاع المطافئ بعيداً من النساء العربيات باستثناءات بسيطة. في السعودية، أصبحت السعوديتان جازية الدوسري وعبير الجبر أول امرأتين تدربهما شركة "أرامكو" على مهمات الإطفاء. وفي الإمارات العربية المتحدة، شكلت الإدارة العامة للدفاع المدني في دبي عام 2003 أول فرقة إطفاء نسائية مكونة من ست نساء متطوعات. وعام 2020، تم تكوين فريق إطفائي نسائي في مصر.

رجال ونساء وأبطال

وسواء كان مطفئ النيران ومقتحمها رجلاً أو امرأة، يبقى "أبطال الظل" نجوم الكوكب هذا الصيف وكل صيف في ضوء تطورات المناخ وارتفاع درجة حرارة الأرض المطّردة والممانعات المقنعة والمموهة لإنقاذ الأرض من حرائق هذا العام والأعوام المقبلة.

تاريخياً، يرجح أن يكون المخترع اليوناني كتيسبيوس الذي عاش في مدينة الإسكندرية بمصر أول من ابتكر مضخة ماء يدوية بغرض إخماد الحرائق، وذلك في القرن الثاني قبل الميلاد، لكن الابتكار لم يتطور حتى عام 1500 بعد الميلاد. كما يحسب لروما القديمة أنها أسست أحد أوائل قطاعات الإطفاء وتشكلت من نحو سبعة آلاف رجل. ولم تقتصر مهمتها على إطفاء الحرائق فقط، بل كانت تقوم بدوريات في الشوارع ولديها سلطة تنفيذ عقوبات على من يخرقون قواعد الوقاية من الحرائق.