Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فيليب فوكون مخرج فرنسي يتبنى قضية المهاجرين المغاربة

في فيلم "الحركى" يواجه الجزائريون الذين انضموا إلى جيش الاحتلال مصائر الخونة

مشهد من فيلم "فاطمة" الذي يدافع عن المهاجرين المغاربة (الخدمة الإعلامية)

بسبب الراوبط التاريخية العميقة والعلاقات المتداخلة وغيرها من المسائل السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي بين فرنسا والعالم العربي، والتي هي من إفرازات الاستعمار والانتداب، كانت السينما الفرنسية سباقة في الاهتمام بالعرب المقيمين في فرنسا وبلدانهم. لم يكُن الاهتمام دائماً كما ينبغي أن يكون، فالصورة المعكوسة عن العرب سينمائياً افتقرت إلى الدقة، وجاءت غير منصفة في حق هؤلاء، على الرغم من التطور الكبير الذي شهدته السينما الفرنسية على مدى العقود الأخيرة، خصوصاً على يد سينمائيين مهاجرين مثل عبداللطيف كشيش. هذا عدا عن أن العرب في غالبية الأوقات كانوا شخصيات هامشية غير فاعلة في الأدوار التي تُسند إليهم. إلى أن جاء فيليب فوكون، هذا الفرنسي الذي جعل من العرب الفرنسيين قضيته الأولى، لا بل الرئة التي تتنفس منها أفلامه، وهي أفلام أحدثت قطيعة شاملة مع الصورة النمطية التي ارتسمت عن العرب المهاجرين في وسائل الإعلام. تحدّث عن العرب طولاً وعرضاً، من دون أن يوظف هذه الفئة من المجتمع لدواعي الإثارة أو الفضيحة، بل من أجل الرغبة في الفهم وبناء شيء ما إيجابي وإياهم.

هوية متعددة

قبل النظر في أفلام هذا الذي يبلغ اليوم 64 سنة وقد عرض جديده، "الحركى"، في مهرجان كان الأخير، ينبغي معرفة ما الذي حضه على الاهتمام بالجالية العربية في فرنسا. لا يوجد أفضل من أن تأتي تلك الأسباب على لسانه هو. يقول: "ولدتُ ونشأتُ في وجدة المغربية، وهي مدينة حدودية مع الجزائر. وتزوجتُ من امرأة من أصل جزائري وهي شقيقة ثريا نيني التي كتبت رواية "سامية"، والتي سبق أن نقلتها إلى الشاشة. كان "سامية" فيلمي الروائي الطويل الأول وشاركت به في مهرجان البندقية عام 2000. أنجزتُ أيضاً "الخيانة" وفيه تناولتُ حرب الجزائر التي اندلعت في الحقبة الزمنية التي ولدتُ فيها، وأشعر تجاهها بعلاقة ما. الشخصيات التي تراها في أفلامي أعيش معها في حياتي اليومية. سؤال الهوية والهجرة بات ملحاً في المجتمع الفرنسي بل تحوّل إلى هاجس لدى السلطات في الفترة الأخيرة". 


مأخوذاً بروح النقد والتشكيك والرغبة في استدراج الفنان، أكرر السؤال عليه مجدداً لعله يخرج بشرح أعمق: “لماذا تتمحور مواضيع أفلامك دائماً حول العرب؟"، فيجيب ببعض النية في التوضيح: “لا تتمحور أفلامي دائماً حول العرب، بل تتمحور حولهم في غالبية الأحيان. لكوني ولدتُ في المغرب، وأمي جذورها جزائرية، وهي كانت كثيرة التعلق بوطنها الأم، ثم اقتراني بامرأة فرنسية جزائرية، أشعر أنني ضائع بين فرنسا والمغرب العربي، أي بين هاتين الثقافتين المختلفتين، شأني شأن كثيرين ممّن يولدون في البلاد التي هاجر إليها آباؤهم. أصبحتُ ضائع الهوية، وهذه هي حال كثيرين من الذين يولدون في فرنسا من أمهات جزائريات، فيعتبرون أنفسهم جزائريين أو فرنسيين، أو لا يعتبرون أنفسهم فرنسيين لأنهم لا يحظون بالمكانة ذاتها التي يتبوأها سائر الفرنسيين. في رأيي، تتوافر ثلاثة أنواع من المغتربين: من يحسب نفسه جزائرياً، ومن يحسب نفسه فرنسياً، ومن يحسب نفسه جزائرياً وفرنسياً في الوقت عينه. وهذا أمر معقد لكنه يمد المغتربين بكثير من الثقافات والهويات. تمكنتُ من إخراج أفلامي لأنني ابن بيئة فيها مختلف الهويات، ولكن في المقابل تسبّب هذا التعايش بعدد من المشكلات وأعمال العنف، وأفضت إلى صراعات. سيرتي الذاتية ملطخة بكثير من مظاهر العنف، ولكن في أفلامي أبحث عن حلول لهذه المشكلات التي واجهتها، ساعياً إلى سبر أغوار الأناس المختلفين عني، وطرح تساؤلات وكشف حقيقتهم، ومحاولة وضع نفسي في المواقف التي يواجهونها”. 

بعيداً عن الدعائية

هذا كله يخدم قضية سامية، لكن يجب أن نعلم أن أفلام فوكون عن المغاربة في فرنسا ليست دعاية مضادة، فالتنميط لا يواجه تنميطاً من نوع آخر. كل ما يظهره فوكون في نصوصه البصرية هو أن هؤلاء بشر كسائر البشر، يصيبون ويخطئون ويتأثرون بالمجتمع والظروف التي تحيط بهم. "وإن توافرت لهم الظروف والمناخ المناسب كانوا من العناصر الناجحة في المجتمع، وإن لم يتوافر ذلك فمثلهم مثل الفرنسيين التائهين، سيبحثون عن ذاتهم التي ربما يحققونها في الخروج عن القانون بل والدين نفسه"، كما يقول المصري المقيم في فرنسا والمتزوج من مغربية شريف الرملي في أحد نصوصه.

لهذا السبب ربما، وبحثاً عن توازن، أخرج فوكون فيلمه "الانسلاخ" عام 2011 الذي يتناول مسألة تلاعب بعض الراديكاليين بعقول الشباب العرب المهمشين في فرنسا، لجرهم إلى أقصى حدود الحقد والموت. هذا كله قبل أربعة أعوام على هجمات باريس، وكأن فوكون ودّ أن يدق ناقوس الخطر. عن هذا الفيلم الذي عُرض في البندقية، يقول فوكون موضحاً: "يجب أن تعلم أن هذا الفيلم اقتُرح عليّ ولستُ صاحب الفكرة. قبل أن أصل، كان هناك سيناريو لكن لم ينَل إعجاب المنتجين، فطلبوا مني إعادة كتابته من جديد. الموضوع يهمني لأنه يعكس هواجسي. كنتُ قرأتُ الكتاب حول زكريا الموسوي (المحكوم عليه بالسجن المؤبد بتهمة المشاركة في تفجيرات 11 سبتمبر/ أيلول) وكنتُ أحاول أن أفهم المسار الذي قطعه هذا الشاب. اليوم، نعرف أنه ذهب إلى بريطانيا بعدما خيبت فرنسا ظنّه. هناك صار بعيداً من عائلته، فبدأ يرتاد المسجد حيث بدأ بعض المتطرفين يبثون الأفكار الراديكالية في عقله. إذاً، كنتُ بدأت أهتم بهذه الحكاية، وأيضاً بحكايات آخرين لم يشكل أصحابها حالات شهرة مثلما هي الحال مع الموسوي، لكن قصصهم جميعاً تلتقي في مكان ما. المنتجون أرادوني أن أنجزه، لأنني كنتُ أنجزتُ أفلاماً كـ"الخيانة" و"سامية". قرأتُ السيناريو وأدركتُ بسرعة أنه موضوع حساس لا يسهل إنجازه، ففيه كثير من المطبات والفخاخ، منها مثلاً الوقوع في الكاريكاتير والتبسيط والكليشهات. وقلت، هذه شخصيات أعيش معها في حياتي، حتى لو لم تمر بما مرت به شخصيات الفيلم. لكل خصوصيته وتجربته. سمعتُ كثيراً من المهاجرين من حولي يشتكون من الخيبة التي أصابتهم جراء وجودهم المستمر أمام معوقات تمنعهم من الانشراح. هؤلاء استثمروا أنفسهم في المجتمع الفرنسي وذهبوا إلى المدارس وتعلموا، لكن لم يبادلهم المجتمع بالمثل. ولا عجب أن ترى أشخاصاً في هذا المحيط يتكلمون بعضهم مع بعض بالشماتة، إذ يقول الواحد للآخر: أنظر، راهنتَ على فرنسا، لكن كان رهاناً خاسراً. الشباب الذين يلعبون في الفيلم، مثل رشيد وكامل، هم أيضاً يستطيعون أن يكلموك عن شباب تربوا معهم، وفجأة وجدوهم تحولوا إلى التطرف واللاتسامح، جراء تهميشهم. وبعضهم ذهب إلى أفغانسان أو البوسنة ولم يعُد".

الهجرة والإندماج

“فاطمة” (2015) الذي فاز عنه فوكون بجائزة "سيزار" أفضل فيلم، هو أجمل أعماله وأكثرها نضجاً واكتمالاً، لدرجة يبدو أن كل ما أنجزه قبله محاولات للوصول إليه. “فاطمة” يحمل في داخله ذروة الصنعة الفوكونية، مع كل ما يجعل من هذا المخرج فناناً مرهفاً يشعر مع الآخرين، ويتعامل معهم بتعاطف لا بشفقة. جاء الفيلم في مرحلة دقيقة من تاريخ الهجرة والاندماج المغاربيين في فرنسا، لكنه لا يبالي بها كثيراً، بل يتبلور في طريق موازية، بعيداً من الهجمات الإرهابية التي ضربت العاصمة الفرنسية في نوفمبر (تشرين الثاني) من عام 2015، علماً أن الفيلم كان قد صُوّر قبل تلك الهجمات، لكن فوزه بـ"سيزار" حصل بعد مرور ثلاثة أشهر على الهجمات. قدّم فوكون نصاً غير آني، يصلح لأكثر من زمن، طارحاً الهموم المتعلقة بالجالية المغاربية، من دون أي مسعى لـ"تعليم شيء معين عن واقع نجهله”، فالفيلم بأكمله عبارة عن مواقف إنسانية بسيطة يبدأ وينتهي بها، ونادراً ما يسمّي الأشياء بمفرداتها الإعلامية المتكررة.

الفيلم، كما يشير إليه عنوانه، هو عن سيدة تُدعى فاطمة وهي في سن تخولها أن تكون والدة المراهقين في “الانسلاخ”. من خلالها، نرى النموذج الإيجابي الناجح لهذه البيئة، بعيداً من التطرف والتعصب. أبطال "الانسلاخ" كانوا مراهقين، علاقتهم مأزومة مع المجتمع. البطلة هنا سيدة في منتصف الأربعينيات، مطلقة ولديها ابنتان، فتضطر إلى تنظيف البيوت لإعالتهما. هي تخاطب ابنتيها بالعربية المغاربية، وهما تردّان عليها بالفرنسية. الثلاث لا يتكلمن اللغة ذاتها، لكن ثمة شيئاً من التواصل يبقى موجوداً بينهن. لهذا السبب يمكن اعتبار “فاطمة" فيلماً عن اللغة التي هي أحد أعمدة الحفاظ على الهوية عند المهاجرين، وعن الانقطاع الذي يحدث بين جيلين بسببها. انقطاع يقول فوكون عنه إنه ضروري للتقدم إلى الأمام والتحرر.

الإنغلاق والتهميش

 استلهم المخرج شخصية فاطمة من سيدة تدعى فاطمة الأيوبي وصلت إلى فرنسا في سنّ الـ32، ولم تكُن تتكلم آنذاك كلمة واحدة بالفرنسية، فكانت ضحية الرفض والانغلاق والتهميش. ما يقوله فوكون من خلال شخصية علاقتها باللغة الفرنسية غير سليمة، هو أن العلاقة المتينة بالهوية الفرنسية تمرّ عبر نسج حدّ أدنى من الروابط الثقافية بها، واللغة توفر هذه الروابط لا محالة. في المقابل، صحيح أن فاطمة لا تملك أي عدائية لوطنها الجديد، كحال بعض العرب الذين استعمرتهم فرنسا، إلا أن صلتها بالمجتمع الذي هاجرت إليه بحثاً عن النجاح مفقودة تماماً. بدءاً من الشقة التي تعيش فيها وصولاً إلى العمل الذي تمارسه، فهذه أشياء يمكن العثور على ما يشبهها في الجزائر، فما الذي تملكه في فرنسا لم تمتلكه في الجزائر، قد يسأل المشاهد. ربما فكرة الحرية أو الشعور بالطمأنينة على مستقبل سيكون أكثر أماناً في ظل دولة حريصة على المقيمين في ربوعها. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

في مايو (أيار ) الماضي، جاءنا فوكون بفيلمه الأحدث، “الحركى”، الذي ينطوي على مشاهد صادمة ومؤلمة ودموية تظهر مدى بشاعة حرب الجزائر. عُرض الفيلم في قسم "أسبوعا المخرجين" داخل مهرجان كان، وهو عن تاريخ الثورة الجزائرية من خلال من أُطلقت عليهم تسمية "الحركى"، فئة من الجزائريين الذين تم تجنيدهم في صفوف الجيش الفرنسي أو الذين انضموا إليه طواعية إبان الثورة الجزائرية، من أجل قمع المناضلين الجزائريين والتجسس عليهم. كانوا زمرة شباب دفعتهم ظروف معيشية مختلفة إلى الوقوف في صف المستعمر ضد أبناء جلدتهم. يجري الفيلم زمنياً في نهاية الخمسينيات وبداية الستينيات. الشخصيات: صلاح وقدور وغيرهما من الشباب الجزائري الذي لا يملك أي مصدر دخل، ينضمون إلى الجيش الفرنسي، تحديداً إلى كتبية 534 الناشطة في الجبال، بقيادة الملازم باسكال. لكن بعد مفاوضات فرنسا مع “جبهة التحرير الوطني” واقتراب موعد انسحابها من الجزائر، بات مصير الحركى على كف عفريت ووجدوا أنفسهم في دائرة الخطر. فعارض باسكال مَن هم أعلى منه رتبة للحصول على إذن يتيح له إعادة جميع رجال كتيبته إلى فرنسا، بهدف إنقاذهم من غضب بل وانتقام الأهالي الذين يعتبرون هؤلاء خونة باعوا ذممهم للمستعمر.

مع هذا الفيلم، وجّه فوكون ركلة جديدة إلى "وكر دبابير"، فهذا الموضوع له حساسيته الخاصة سواء في الجزائر أو فرنسا. إنه جرح كبير لم يندمل بعد، ومادة سجالية حتى بعد ستين سنة على استقلال الجزائر عن فرنسا. لكن حرب الجزائر لا تزال عالقة في ضمير هذا الفنان الذي جاء إلى الحياة في تلك الفترة، وهي حقبة سبق أن تناولها في فيلمه “الخيانة". لكن، كما أوضح في كان، لم يتسنَّ له توظيف كل ما جمعه من معطيات، في حين بقي "حركى" دائماً في داخله، منتظراً الفرصة ليبصر النور. 

المزيد من سينما