المخرج بويل سيخدع الناس لو صنع فيلما من بطولة امرأة

صانع فيلم "أمس" عن فرقة البيتلز يتحدث عن رؤاه الإخراجية في فيلمه الجديد وأعماله الاخرى وعلاقة الشاشة مع المرأة

لو قُدّر للمخرج البريطاني أن يسرق فيلماً، لما كان خياره سوى "القيامة الآن" لأنه سيكون فائق الإخلاص لذلك العمل المذهل (موقع "آنديواير. كوم")

ثمة مشكلة بين صانعي سلسلة "جيمس بوند" وبين داني بويل، والأخير يسعده أن يحلّها. إنها المرة الأولى التي يدخل فيها المخرج البريطاني جولة من المقابلات الصحافية منذ انسحابه من فيلم "بوند 25" Bond 25 المنتظر بسبب "خلافات إبداعية" مع الشركة التي تملكها عائلة بروكولي المنتجة لأفلام "بوند". صحيح أنه كان يواجه يوماً صعباً في محاولته الرد على أسئلة بشأن تقارير مزعجة في ذلك الشأن، بيد أن ابتسامة الترحيب التي ارتسمت على مُحياه لم تترجم ذلك.

"كل ما في الأمر أننا تجادلنا بشأن صياغة النص"، أخبرني المخرج المولود في مانشستر في المملكة المتحدة، وهو يتناول قطعة من البطيخ في غرفة فندق في لندن. "أعتقد أن من الواضح أنهم (أي الجهة الإنتاجية، المنتجان جيمس ج. ولسون وباربرا بروكولي)، كعادتهم، يريدون إنجاز الأمور بطريقتهم، وعادة يقبل المخرج بذلك ويتماشى معه. لكنّ علاقتي مع الكاتب قوية جداً وتتسم بالعاطفة والولاء، وأنا لن أغيِّره، ذلك أني أعجبت بعمله حقاً. كانت فكرتنا جيدة، لكن رأيهم كان معاكساً".

يتحدث بويل عن كاتب السيناريو جون هودج، الآتي من غلاسكو، وقد تعاون معه ست مرات منذ انطلاقته في فيلم "شالو غريف" Shallow Grave(حرفيّاً "قبر فارغ" في عام 1994. يتجنّب المخرج التلميح إلى أن السيناريو الخاص بهما قد يُعاد تجهيزه لإعداد فيلم من سلسلة "بوند" مستقبلاً ("لا أعتقد ذلك" وفق كلماته، وقد بدا مهزوماً قليلاً)، لكنه يرفض الكشف عن السبب الذي جعل المسؤولين عن شركة "إي أو إن برودكشنز" يشعرون بانزعاج. في النهاية، هم يملكون نَصَّه و"لا يزال بإمكانهم استخدام بعضاً من الأفكار التي يتضمّنها" (تراوحت الإشاعات حول نقاط الحبكة التي أوردها بويل في نسخته، بين قصة تتطرق إلى "الحرب الباردة الجديدة" بين روسيا والغرب وبين مقتل بطل الفيلم دانييل كريغ).

لا ينكر أحد أن شخصية جيمس بوند كانت لتنضمّ إلى أبطال بويل (ثمة علامات استفهام تُطرح في هذا الشأن) من الرجال (نعم، أبطاله جميعهم من الرجال) الذين يتمتعون بالنزاهة. يعتقد بويل بأن أفلامه سواءً أكانت تصوِّر مدمني مخدرات في اسكتلندا (على غرار تريين سبوتينغ" Trainspotting) أو أطفال يرزحون تحت الفقر في مومباي ("مليونير متشرد"  (Slumdog Millionaire أو متسلقاً عالقاً "بين صخرة ومكان صلب" ("127 ساعة" Hours 127)، تتناول الأمر نفسه على الرغم من اختلاف أنواعها، إذ تُصوّر "أناس يشرعون في رحلة بطولية من أجل تذليل عقبات لا تقهر".

فيما لن يُضاف الجاسوس الذي ابتكره إيان فيلمنغ، الكاتب البريطاني الذي ألّف سلسة "جيمس بوند"، إلى تلك القائمة من أبطال بويل الرجال، فإن "جاك مالك" سيكون من ضمنها.

يشكّل "جاك مالك" الشخصية الرئيسة التي يجسدها الممثل هيميش باتيل (ولقد عُرف سابقاً باسم "تموار مسعود" في مسلسل "إيست إندر" EastEnder) في فيلم بويل الأخير ("أمس" Yesterday). مع نص بقلم البريطاني ريتشارد كورتيس، يأخذ الفيلم الجمهور إلى عالم تُمحى فيه فرقة "البيتلز" من ذاكرة الجميع تماماً، باستثناء مؤلف وكاتب أغانٍ طموح.

كما توقعنا، بويل أحد كبار عشاق "البيتلز" ويصف "أمس" بـ"الفيلم العملي واللائق الذي تتخلله أروع موسيقى في العالم". من ضمن 17 أغنية يتضمّنها العمل السينمائي، ثمة افتتاحية آلبوم "وايت آلبوم"White Album   وعنوانها "عندما كنا في الاتحاد السوفياتي" Back in the USSR، وأغنية جورج هاريسون "الآن تظهر الشمس"Here Comes the Sun، و"ساعدوا" Help بأدائها الرائع، وقد نالت الأغاني كافة موافقة العضوين في الفرقة بول مكارتني ورينغو ستار.

على عكس أفلام اخرى قدّمت مجموعة أغانٍ لفرقة "البيتلز" (شريطي Nowhere Boy وAcross the Universe) طلب "أمس" من عضوي الفرقة الباقيين على قيد الحياة الحدّ من كل غرور ربما كان متلبثاً لديهما بعد مرور أكثر من 50 عاماً على ظهور الفرقة.

يُخبِرْ بويل ضاحكاً إن "مكارتني وستار أعطيا موافقتهما على فيلم يتناول اختفاءهما، ما يؤكد حسهما الفكاهي! كان جون لينون ليُعجب بذلك".

في ما يتعلّق بعقدة الفيلم الرئيسة، هل من المستهجن أخلاقياً أن ينسب جاك أغاني "البيتلز" إلى نفسه، أم أن من واجبه الثقافي "إنقاذها"؟ يفكر بويل في الاحتمال الأخير، ويقول إنه شخصياً لن يجد مانعاً في ادعاء أن أفلام الآخرين تخصّه في حال اختفت من ذاكرة جمهوره بين عشية وضحاها.

"لن أتردد أبداً"، يوضح بويل مضيفاً أن الفيلم الذي كان لينسبه إلى نفسه هو "القيامة الآن" Apocalypse Now، مبرراً ذلك بـ"كنت لأصوره بكل إخلاص إن امتلكت الأموال الكافية، حتى لو لم تتوفّر لدي أعمال مرجعية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أتساءل عما إذا كان بإمكان بويل أن يكون عادلاً في حقّ أعماله. في مقابلات سابقة، غالباً ما شكّك المخرج البريطاني في أسلوبه التوجيهي الإخراجي بأكثر مما فعل النقاد أنفسهم. إنه مخرج سينمائي لا ريب، باستثناء عدد قليل من العثرات مثل A Life Less Ordinary، ولطالما لاقى تقييماً إيجابياً. سألته بطريقة مباشرة، ألا تعتقد أنك مخرج جيد؟

يجيب بالنفي، لكنه يشير إلى أنه في الوقت نفسه فخور جداً بإنجازاته، و"أنا لست أحمقاً، بل أعرف التمييز بين المخرج الجيد والفاشل". البريطاني الراحل نيكولاس روج والأميركي فرانسيس فورد كوبولا من بين المفضلين لديه، بحسب قوله.

ينظر إليّ عبر نظارتيه المستطيلتين. إنه إنسان بسيط وكثير الكلام، وتصدر منه غالباً ضحكات مكتومة عالية وكذلك، وفق ما تشير أفلامه، يحبّ الشتيمة.

لم تُظهر مسيرة بويل أي تقلّبات بعد الفيلمين الضاربي الشهرة "شالو غريف" و"تريين سبوتينغ" اللذان دفعا به والممثل إيوان ماكغريغور إلى مصاف أهم الأعمال في منتصف التسعينيات من القرن العشرين. في العقدين التاليين، أخرج فيلم زومبي الرعب ("بعد 28 يوماً" 28 Days Later في 2002) ويكشف أن ثمة جزءاً ثالثاً منه قيد التحضير مع الكاتب أليكس غارلاند، وكذلك صنع فيلم الخيال العلمي  "صن شاين"Sunshine  (2007)، وفاز بجائزة أوسكار لأفضل مخرج عن"المليونير المتشرد"Slumdog Millionaire  (2008)، وأطلق فيلم السرقة والتشويق "ذهول"Trance  (2013).

في عام 2015، أخرج السيرة الذاتية لستيف جوبز، من بطولة النجم الإيرلندي مايكل فاسبندر في دور المؤسس المشارك لشركة "آبل". على الرغم من التقييمات الجيدة التي حصل عليها الفيلم وترشيحه لجائزتي أوسكار، فإنه يُوصف بشكل غير مُنصف بأحد أكبر خيبات بويل في شباك التذاكر.

من بين تلك الأفلام كافة، تميَّز فيلم وحيد بتصدي امرأة للبطولة على قدم المساواة مع الرجل البطل (الممثلة الأميركية روزاريو داوسون في "ذهول"). هذه الحقيقة ليست غير ذات أهمية في مسيرة بويل. وعلى الرغم من أن ذلك ليس تقصيراً، فإن المخرج والكاتب البريطاني سيحقق المساواة بين الجنسين في عمل ما في وقت قريب.

متطرقاً إلى قلق يقضّ مضجعه، خصوصاً الآن وقد علت أصوات نجمات هوليوود من أجل تحقيق المساواة مع الرجال، يوضح دويل أن تلك المشكلة لا تنفك تتزايد حتى أصبحت مصدر قلق بالنسبة له. "لا أرغب في صناعة فيلم تلعب دور البطولة فيه امرأة لأني مخرج رجل. سأشعر بأني مخادع إن فعلت بذلك. أنا بالتأكيد أعارض ذلك الكلام. المسلسلان المفضلان لدي راهناً "جاك جنتلمان" و"فلي باغ" Fleabag وGentleman Jack. في حال لم تفز سورين جونز بكل الجوائز لمصلحة الفيلم الأخير، فلا أعرف ما سيكون رد فعلي"، وفق كلماته.

بالعودة إلى تلك النقطة موضوع النقاش. هل يواجه بويل الضغوط لإخراج فيلم تتولى بطولته الأولى امرأة؟ أنا متأكد من أن سورين جونز ستسعد بأداء دور البطولة في أحد أفلامه.

"ابنتاي فقط تلحّان عليّ بشأن ذلك"، وفق قوله. "لكني أخطط لفيلم آخر راهناً، يكون من بطولة رجلين هما الوحيدان في العمل. أعلم أنني أبتعد أكثر وأكثر عن فكرة تولي امرأة البطولة الأولى في أحد أفلامي"، بحسب كلماته.

لا يبدو أننا كنا سنرى شخصية بوند تؤديها امرأة تحت إشراف بويل أيضاً. فصلته الآن 10 أشهر عن تلك التجربة، ومن المثير للاهتمام أن نتساءل، في حال تنحى دانييل كريغ عن دور البطل في سلسلة "جيمس بوند" وطُلب إلى بويل اختيار أحد الأسماء، من سيتبادر إلى ذهنه فوراً؟

في هذا السياق، يذكر المخرج أنه "شاهد فيلم "هاي لايف" High Life الذي أدّته كلير دنيس، قبل أسبوعين، ورأيت أن الممثل البريطاني روبرت باتينسون بإمكانه تجسيد شخصية "بوند" بطريقة رائعة. لقد نضج. إنه رجل الآن. ثم عندما خرجت من السينما، علمت أنه أعلن أنه سيكون الرجل الوطواط الجديد".

كما هي الحال، كريغ مستمر بأداء شخصية بوند في الفيلم الذي سيصوره كاري جوجي فوكوناغا الذ أخرج فيلمي "ترو ديتكتف" True Detective  و"بيستس أوف نو نايشن" Beasts of No Nation، وكذلك بعض أفراد طاقم بويل الذين اُختيروا للمشاركة في فيلم "بوند 25".

يقول المخرج إنه تلقى "مكالمة هاتفية من كاري أخبرني فيها أنه أبقى على بعض من طاقم الفيلم، وهو أمر أسعدني جداً. تمنيت له التوفيق. هذا كل ما يمكنني أن أفعله".

بعد ذلك، وُضع فيلم بوند من إخراج بويل ضمن لائحة أفلام لن ترى النور يوماً ما (من بينها فيلم أورسن ويلز "قلب الظلام" Heart of Darkness، أو فيلم "فرانكنشتاين" لديفيد كروننبرغ أو فيلم "غلاديتور" Gladiator الذي كتبه نيك كايف). لا ريب أن ذلك أمر مؤسف. من "ترينسبوتينغ" إلى إخراج احتفال افتتاح الألعاب الأولمبية الصيفية في 2012 في لندن، أثبت بويل جدارته في صناعة التسلية والترفيه متمكناً من تعديل مزاج الجمهور وانطباعه.

على الرغم من أن الأمر قد يستغرق وقتاً إلى أن يتخطّى الجمهور التمني "ماذا لو" أخرج بويل "بوند 25"، فإن المخرج البريطاني تجاوز ذلك فعلاً.

يختم داني بويل أنه "في فيلم بهذا الحجم، عليك الابتعاد عندما تحدث خلافات. خلاف ذلك، سيكون العمل أشبه بدمار شامل. في النهاية، لم يكن من صعباً عليّ ترك تلك التجربة لأنني لا أتزحزح عن مبادئي قيد أنملة".

© The Independent

المزيد من سينما