Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إنجلترا حاولت قتل كرة قدم السيدات منذ أمد بعيد لكن اليوم هناك فرصة جديدة

على مدى 100 عام لم تكتف الجهات المسؤولة في كرة القدم الإنجليزية بعدم رعاية النساء في اللعبة بل حاولت بشكل فاعل أن تقمعهن

أكثر من 17 مليون مشاهد عبر التلفزيون و5.9 مليون مشاهد عبر الانترنت تابعوا النهائي الأوروبي (رويترز)
 

حمل رد الفعل بأن هذه هي اللحظة التي تغير فيها وجه لعبة كرة القدم النسائية للأبد، طابعاً إنجليزياً متوقعاً وشبه مريح.

منذ أشهر عدة تابع أكثر من 90 ألف مشاهد مباراة فريق برشلونة للسيدات وريال مدريد، لكن يستحسن بالإنجليز أن يبتعدوا من الاعتقاد بأن هذه المباراة الدولية التي سجلت نجاحاً باهراً وأحزر فيها الفوز في الوقت الإضافي، على يد إنجلترا وليس ألمانيا، تسجل بطريقة من الطرق بزوغ فجر جديد في تاريخ الرياضة نفسها، ومع أن المشاعر نبيلة والأغنية رائعة، فمن المؤكد بأن كرة القدم لم تعد إلى "موطنها" ليلة أمس في ملعب ويمبلي.

جسدت تلك الأغنية التي كتبت العام 1996 توقاً يائساً لفوز إنجلترا في مباراة مهمة على أرضها بعد فترة انتظار بدت أشبه بدهر، وعودة بعض المجد للبلاد التي لديها اعتقاد جدلي، إنما منطقي، بأنها اخترعت اللعبة.

لا نسيء إلى منتخب "اللبوات" الإنجليزي إن لفتنا النظر إلى أن "موطن" كرة القدم النسائية هو في أي بلد عدا هذا البلد، وقد يكون أقل الأمور ملاءمة أن شرف تقديم كأس أبطال أوروبا للعام 2022 منح ليلة أمس لرئيس الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم الأمير ويليام.

لا يقتصر الأمر على أنه منذ 100 عام عندما كان من المحتمل أن تؤول الأمور إلى مصير مختلف، فشلت الجهات المسؤولة في لعبة كرة القدم الإنجليزية في واجب رعاية ودعم اللعبة النسائية، بل تتخطى القصة ذلك، إذ تبلغ درجة تعمّد هذه الجهات قمع اللعبة. اكتسبت لعبة كرة القدم النسائية شعبية خلال الحرب العالمية الأولى، وجاء رد فعل الاتحاد الإنجليزي لكرة القدم عليها في العام 1921 على شكل الإعلان بأن اللعبة غير مناسبة للنساء "ويجب عدم التشجيع عليها".

غيّر الاتحاد موقفه منذ ذلك الوقت وأسس منشآت جيدة لمنتخب النساء، وأصبحت نتائج هذا الجهد واضحة للعيان، ولكنه تصرف متأخراً بهدف المشاركة في جهد انطلق من مكان آخر من الولايات المتحدة تحديداً، فهل تعتبر إنجلترا "الموطن" الروحي لكرة القدم النسائية؟

أبداً. وليس طرح هذه الفكرة، حتى بدوافع عاطفية، سوى نوع من الإساءة للمواهب التي أُهدرت قسراً عقداً تلو الآخر، ولكن لا يعني هذا كله أبداً بأن الأداء البطولي ليل الأحد والجمهور الضخم الذي تابعه على شاشات التلفزيون لا يمثل فرصاً هائلة، بل يمكن اعتبار فوز إنجلترا فرصة عظيمة وفريدة للعبة كرة القدم النسائية نفسها، نظراً إلى ثقافة ارتياد المباريات التي تتميز بها إنجلترا، كما هيكليتها الاحترافية وقربها المغري من الثروة الهائلة للدوري الإنجليزي الممتاز.

وليس من المفاجئ أن يبدأ الكلام عن ضرورة أن يكون لهذا الانتصار البراق إرث، ولكن مصطلح 'إرث' هو مصطلح غامض ولم يستخدم لكي تتنصل الجهات المسؤولة من مسؤولياتها وحسب، بل كي لا تتورط في هذه المسؤوليات أساساً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

كان من المفترض بدورة الألعاب الأولمبية في لندن أن تخلف "إرثاً" من تحسين المشاركة الرياضية، ولكنه لم يرقَ حتى إلى مستوى تحديد أي هدف واضح وقابل للقياس، وذلك عن سابق تصور وتصميم، إذ لم تحدد أي أهداف واضحة يجب بلوغها، وقد يخسر أحدهم وظيفته إن لم تتحقق، ولهذا فإنه من الضروري بداية تحديد معنى واضح لمصطلح "الإرث".

أهم ما بيّنه حدث ويمبلي يوم الأحد هو أنه قضى نهائياً على فكرة أن كرة القدم للفتيان وليست للفتيات، وكما قال [لاعب كرة القدم السابق] إيان رايت عبر "بي بي سي" بعد انتصار إنجلترا في نصف النهائي، "إن لم يسمح للفتيات أن يلعبن كرة القدم في حصة الرياضة مثل الفتيان فما معنى كل هذا؟"

الأرقام الحالية سيئة مع أنه من الصعب قياس النسبة المحددة، ولكن وفقاً لأفضل التقديرات، فـ 72 في المئة من المدارس الثانوية تقدم حصص كرة قدم للفتيان في مقابل 44 في المئة فقط تقدمها للفتيات، ويجب أن يتغير هذا الأمر ويجب تحديد موعد نهائي واضح لتنفيذ هذا التغيير.

من حسن حظ بلادنا حالياً أنه لدينا وزيرة دولة لشؤون الرياضة هي نادين دوريس، ولذلك لا سبب فعلياً كي نعتبر بأنه لا يمكن تحقيق التغيير بأسرع وقت ممكن.

من أوضح الأسباب التي تفسر هيمنة كرة القدم على الحياة الثقافية لهذا البلد وغيره من البلدان أن هذه اللعبة تمسك بمخالبها الحلوة والمرة جوانب كثيرة من رحلتنا في الحياة، ولكنها وحش استطاع اصطياد الفتيان بسهولة أكبر تاريخياً. 

يركل الأولاد الصغار الطابة في الحديقة ثم يركلونها في الملعب، وبعدها يختبر عدد كبير منهم طقس عبور كبير في مسيرتهم يمكن وصفه بلحظة السير بوبي روبسون [أسطورة كرة القدم الإنجليزية] "إنه الصبي الصغير الذي يتسلق درجات الملعب بصعوبة للمرة الأولى ممسكاً بيد أبيه بقوة، ويحدق بذهول في تلك المساحة العشبية المقدسة ويقع في العشق بلا حول منه ولا قوة".

تسلك فتيات صغيرات كثيرات هذا المسار كذلك، ولكن عند هذه النقطة يصلن إلى مفترق طرق، فلم يكن أمامهن دائماً قدوات عالمية جاهزة لكي يعتبرنها مثلاً أعلى ويحلمن بتقليدها، لكن من الممكن الإيمان بأن هذا الأمر قد تغير في هذا البلد بين ليلة وضحاها، وعلينا أن نأمل بأن ما حققه منتخب اللبوات هو أنهن أكملن عالم كرة القدم بالنسبة إلى الفتيات الصغيرات وللنساء اللواتي ستتحول هؤلاء الفتيات إليهن في المستقبل.

(وفي الواقع، أخبرني صديق في مجموعة دردشة على ’واتساب‘ أن أحد الفتيان الذين يلعبون كرة قدم في الحديقة المجاورة أعلن "أنا كلوي كيلي" [نجمة منتخب الإنجليزي للسيدات]. وهذه لحظة جوهرية).   

خلال الوقت الحالي في هذا البلد تتفرع كرة القدم النسائية من فرق كرة القدم للرجال، فلا يضم دوري السوبر النسائي أي فرق لا ترتبط بشكل أو بآخر بنادي كرة قدم للرجال، وتظهر الأسماء المعتادة، مانشستر سيتي وتشيلسي وليفربول ومانشستر يونايتد وغيرها، ولن يكون من السهل على هذه النوادي النسائية إجمالاً أن تحقق أرباحاً تشغيلية من دون ما يوفره لها ارتباطها بمنظمات كبيرة تمتلك كثيراً من المال.    

يجب أن ترى هذه النوادي فوز إنجلترا على ما هو فرصة هائلة، ولا شك في أن السوق موجودة، وما يتوقعه المرء أن الـ 17.5 مليون مشاهد عبر التلفزيون والـ 5.9 مليون مشاهد عبر الانترنت لم يمروا من دون أن تلاحظهم شركات الإعلام التي تدفع مبالغ طائلة لقاء حقوق بث مباريات كرة القدم، ومنذ سنوات عدة يساور مسؤولي القنوات التلفزيونية القلق في شأن احتمال تقلص متابعيها ببطء، كما احتمال تقلص فترات الانتباه المطلوبة لمتابعة عرض مباشر مدته ساعتان، وقد يجدون جزءاً من الحل على الأقل في سوق جديدة كلياً وضخمة، ففي أعقاب هذا التغيير الهائل سيحصد أول من يتحرك فوائد جمة، كما أن ميزة النجاح الرياضي هي أنه عندما يجربه أي بلد لا يرغب بالتخلي عنه.

مرت فترة طويلة جداً على قيام الساحة الرياضية البريطانية بإحداث ثورة في طريقة تمويل رياضة النخبة الأولمبية التي حققت تحولاً في حصيلة الميداليات التي أحرزها المنتخب البريطاني، وإن الحكومة التي تريد أن تسبب ضرراً لهذه الإنجازات لا بد من أن تكون جريئة، لا بل وذات ميول انتحارية.

الآن ستبدأ إنجلترا بوضع توقعات فعلاً، وللمرة الأولى منذ ما يبدو أنه الأزل، ليست هذه التوقعات غير عقلانية. "يعتقدون بأنها النهاية، لكنها ليست إلا البداية"، كما قالت غابي لوغن [معلقة رياضية] ليل أمس، وقد أصابت لوغن في قولها، ولكن هذا لن يتحقق من تلقاء نفسه.

لم تعد كرة القدم النسائية إلى موطنها إنما لا شك في أنها حطت في حديقة خلفية فيها كل ما تحتاجه، وطالما هي في هذه المرحلة الحيوية فلن يسمح لأي أحد بأن يتخلى عنها.

 نشر في اندبندنت بتاريخ 2 أغسطس 2022

© The Independent

المزيد من آراء