Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الرسام مارك شاغال عثر في الكتب على فضاء فني جديد

معرضه الفرنسي الحالي يستكشف علاقته الحميمة بالأدب والأدباء

متحف شاغال في مدينة نيس الفرنسية (متحف شاغال)

نعرف الروسي مارك شاغال (1887 ــ 1985) واحداً من أكبر رسامي القرن العشرين، قاد تأملاً عميقاً في ماهية فن الرسم وقيمته من خلال تلك الشخصيات التي تماثل بها ومثّلها في لوحاته طائرةً، محلّقةً أو معلّقةً في الفضاء، يلّفها السكون والحلم والسعادة. لكن ما يجهله معظمنا هو علاقته الحميمة والثابتة بالنص المكتوب والكتّاب التي قادته إلى إنجاز أكثر من مئة كتاب مصوَّر بطبعات فريدة ومحدودة. من هنا أهمية المعرض الذي ينظّمه حالياً المتحف الذي يحمل اسمه في مدينة نيس الفرنسية، ويطمح إلى استكشاف تلك العلاقة وثمارها، عبر توقفه ملياً عند خيار واسع من هذه الكتب.

وتجدر الإشارة بدايةً إلى أن شاغال كان مولعاً بشعرية الكلمات بقدر ولعه بالمادة، خطوطاً وألواناً، وأن عمله على كتاب فني شكّل في كل مرة، بحثاً عن أفضل وسيلة لتجسيد فكرة تأملية مجرّدة في شيء مادي، أي مؤلَّف مطبوع وفريد. لكن تأمله المهم في العلاقة بين النص والصورة، لم يكن سوى المرحلة الأولى من عملية ابتكار حِرَفي جمعت وساءلت مختلف مهن الكتاب. يضاف إلى ذلك أن الرسام عثر في الكتاب على فضاء لتجديد فنه، حيث تخلق المفردات التشكيلية ولعبة الظلال والأنوار لغة بصرية أخرى تستثمر بشكل كامل الإمكانات التعبيرية لكل واحدة من طُرُق طباعة كتاب.

 

ومن هذا المنطلق، يشكّل معرضه الحالي فرصة لاكتشاف مختلف تقنيات الحفر والطباعة التي مارسها، وإنجازاته الكبرى في هذا الميدان، وكتبه الأقل شهرة وتلك ذات البعد السيرذاتي، مثل "قصائد" الذي زيّن فيه النصوص الشعرية التي خطّها بنفسه.

كتاب "حياتي"

وفعلاً، ينطلق المعرض مع كتاب شاغال الأول، "حياتي"، الذي أنجزه في برلين عام 1922، وهو عبارة عن سيرة ذاتية شعرية روى فيها سنوات طفولته في مدينة فيتيبسك (روسيا البيضاء) وزيّن نصّها بـ 26 محفورة تعزز الوجوه الأمامية فيها ورسمها المسطّح والطابع الاستيهامي لمشاهدها، كما القوة التعبيرية والطابع الخارق لهذه السردية التي تختلط فيها ذكريات حقيقية وأخرى محلومة. بعد ذلك، نشاهد رواية "أمومة" للكاتب مارسيل أرلان، التي تأثّر شاغال فيها بقصة بطلتها، الشابة الساذجة والرعناء هيلين التي تُتَّهم بقتل أطفالها وتُنبَذ من قريتها، فقرر عام 1924 تزيينها بخمس محفورات تتميّز باقتصاد في التفاصيل، وخط حيوي متواصل، وأسلوب لا يلبث أن يطوّره في كتب لاحقة.

 

وأولى هذه الكتب رواية غوغول، "النفوس الميتة" (1842) التي افتُتن الرسام فيها بوصف مواطنه الصائب للمجتمع الروسي الريفي قبل الثورة الصناعية، فأمضى ثلاث سنوات (1924 ــ 1927) يعمل على المحفورات الـ 107 التي رصدها لها. أعمال تجمع بين إتقان مدهش في الرسم بواسطة أداة الحفر على المعدن، وتنويعات مثيرة في الأسوَد والأبيض، تنقل مفاعيل اللون إلى داخل كل محفورة بعملية التظليل المتّبعة فيها. ولأن الرواية سردية هجائية يسخر صاحبها فيها من نظام القيصر الاستعبادي من خلال مغامرات شخصيتها الرئيسة، المحتال تشيشيكوف، يتجاوب شاغال برقّة وطرافة مع طبيعة هذا النص عبر وصفه في محفوراته البلدات والمناظر الطبيعية الروسية وإسقاطه داخلها بورتريهات مضحكة لفقراء وبورجوازيين بدقّة تفصيلية مدهشة.

أدباء فرنسيون

وبطرافة من نوعٍ أخر، زيّن شاغال عام 1926، بسبع محفورات، كتاب "الخطايا السبع المميتة" الذي يضم سبعة نصوص لجان جيرودو (الكبرياء)، وبول موران (البخل)، وبيار مارك أورلان (الفجور)، وأندريه سالمون (الحسد)، وماكس جاكوب (النهم)، وجاك دو لاكريتيل (الغضب) وجوزيف كيسيل (الكسل). محفورات تبنى الرسام فيها موفقاً أخلاقياً، عبر رسمه بوفرة من التفاصيل الهزلية، باقة من الشخصيات المنغمسة في عيوبها، وأبرزها المحفورة التي رصدها لمدخل الكتاب ومثّل فيها نفسه بوجه مزدوج تعلوه كل ذنوب البشرية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتحضر أيضاً في المعرض الرسوم المئة التي أنجزها شاغال بمادة الغواش لتزيين كتاب لافونتين الشهير "الحكايات"، ثم حفرها بنفسه، محققاً بذلك إنجازاً تقنياً وفنياً. فإضافةً إلى حدة رسمه ودقته، لجأ لإسقاط الأحجام والأشكال إلى تدرّجات مدهشة من الأسوَد والرمادي والأبيض، تمنح كل مشهد مرسوم ضوءه وعمقه. أما الشخصيات التي تقطن هذه المشاهد، فرسمها بأسلوب واقعي، لكن داخل مناخ أثيري استيهامي يعزز القوة الإيحائية لهذه الحكايات.

 

ومن كتاب لا فونتين، ننتقل في المعرض إلى نص التوراة الذي اعتبره شاغال "أعظم مصدر للشعر في كل الأزمنة"، وقبل أن ينطلق في مشروع تزيينه، سافر إلى فلسطين عام 1931 بغية "تلمّس أرضها والتحقق من مشاعري تجاهها". وفي الرسوم التي أنجزها بمادة الغواش لدى عودته، نقرأ قصة العبرانيين من خلال أحبارهم وملوكهم وأنبيائهم الذين يحضرون بوضعيات رصينة داخل ديكور متقشّف، ضمن تدرّجات متقنة من الأبيض والأسوَد، تجسّد بقوة الصراع بين النور والعتمة. أعمال استتبعها عام 1966 برسوم طباعية رصدها لكتاب "سفر الخروج" الذي صدر بالإنجليزية، ويؤدي اللون فيها دوراً مركزياً بتمدّده على شكل طبقات نيّرة تحيط بالنبي موسى ورفاق دربه. وبخلاف رسوم التوراة التي ركّز فيها على إنسانية كل شخصية مرسومة، اعتمد في هذا الكتاب مقاربة أكثر تشكيلية يحمل اللون فيها قيمة رمزية وسردية.

"عاصفة" شكسبير

 

ولأن لا مجال هنا للتوقف عند جميع الكتب التي زيّنها شاغال، وتحضر مع رسومها في معرضه الحالي، مثل "العاصفة" لشكسبير، و"الأوديسة" لهوميروس، و"على الأرض" لأندريه مالرو" و"رسائل شتوية" لليوبولد سنغور؛ نتناول كتابين أخيرَين له نظراً إلى قيمتهما التشكيلية. الأول، "على أرض الآلهة" (1967)، زيّن الفنان داخله بـ 12 مطبوعة حجرية، أبياتاً اختارها بنفسه لشعراء إغريق، مثل أريستوفان ولونغوس وميمنرموس وسافو وإسخيليوس وأناكريون وثيوقريتوس، واستثمر فيه بياض الصفحة لإبراز رسمه المنفّذ بلون أسؤَد، داخل إطار من الألوان الشفافة التي تجسّد حيوية الطبيعة المتوسطية ونضارتها. كتاب يعكس رؤية صاحبه الحُلُمية لليونان القديمة كعالم حسّي تتسلط عليه ملذات الحياة.

الكتاب الآخر يحمل عنوان "ذلك الذي يقول الأشياء من دون أن ينطق بكلمة" (1976)، ويتضمن نصوصاً شعرية للويس أراغون و25 محفورة لصديقه شاغال. كتاب ينغمس داخله الرسام والشاعر في لعبة تمرءِ تتحاور النصوص والصور فيها بتواطؤ شعري كبير. فبينما يتأمل أراغون في قصائده بموضوعات صديقه الكبرى (الزمن، الموت، الحب، أسرار النفْس البشرية...)، يقترح شاغال تناظُرات بصرية لهذه النصوص بأسلوب سوريالي فريد يتّسم بخط عصبي متعدد الحوافي، وبألوان تتمدد على شكل مسطحات للإحاطة بالرسم ومعانقته. أسلوب يميّز عمله الرسامي في نهاية حياته، ويعكس حيوية إبداعه في ميدان تزيين الكتب، وقدرته على رسم "تلك الخلفية التي تنير وجودنا وماهيّتنا"، على حد قول أراغون.

المزيد من ثقافة