Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صندوق النقد: مزيد من رفع الفائدة لاحتواء موجة التضخم

أكد أن التوترات قد تُبقي المعدلات مرتفعة لسنوات على الرغم من بوادر التحسن

يشير تقرير صندوق النقد الدولي إلى احتمال أن تصبح معدلات التضخم خارج السيطرة (رويترز)

تواجه البنوك المركزية حول العالم، والجهات المسؤولة عن وضع السياسات النقدية في الاقتصادات الرئيسة، معضلة أساسية في مواجهة ارتفاع معدلات التضخم التي وصلت إلى مستويات غير مسبوقة. ويشير تقرير لصندوق النقد الدولي، نشر الإثنين الأول من أغسطس (آب)، إلى أنه كما لم توفق البنوك المركزية في توقعاتها سابقاً بشأن التضخم، يمكن ألا تؤدي سياسة التشديد النقدي (رفع أسعار الفائدة وسحب السيولة من السوق) الحالية إلى خفض معدلات التضخم إلى المستويات المستهدفة.

وبعد تحليل لأسعار الفائدة الحقيقية (أي بعد حسابها استناداً إلى معدلات التضخم) التي يرى واضعو التقرير أنها ما زالت سلبية في منطقة اليورو، وبالكاد إيجابية في الولايات المتحدة وغيرها، يخلص هؤلاء إلى أن السيطرة على التضخم قد تتطلب مزيداً من التشديد النقدي على الرغم مما يبدو من تأثير ذلك السلبي على النمو الاقتصادي وارتفاع كلفة خدمة الدين الحكومي.

ويحذر تقرير الصندوق من أن التضخم أصبح أوسع نطاقاً، وليس بسبب ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء فحسب، إنما امتد إلى قطاع العقارات وقطاعات الخدمات المختلفة من إيجارات المنازل إلى الخدمات الشخصية التي ترتفع أسعارها. ويمكن لذلك أن يجعل خفض معدلات التضخم إلى النسب المستهدفة من قبل البنوك المركزية، أي عند نسبة 2 في المئة، أمراً صعب التحقيق في خلال العام المقبل أو الأعوام التالية.

خطأ التوقعات

ويشير التقرير إلى احتمال أن تصبح معدلات التضخم خارج السيطرة، على الرغم مما يبدو الآن من مؤشرات على هدوء ارتفاع الأسعار نتيجة رفع أسعار الفائدة في الاقتصادات الرئيسة أكثر من مرة منذ نهاية العام الماضي. ويدعو التقرير المسؤولين عن السياسة النقدية إلى تعلم الدروس من الأخطاء السابقة كي لا يضطروا إلى اتخاذ إجراءات صارمة وأكثر ضرراً في المستقبل.

ففي بداية ارتفاع معدلات التضخم إثر تخفيف قيود الإغلاقات في الاقتصاد بسبب أزمة وباء كورونا، كانت توقعات البنوك المركزية أن موجة التضخم مرحلية ومؤقتة. بالتالي، استمرت البنوك المركزية في إبقاء أسعار الفائدة عند الصفر أو سلبية، وواصلت ضخ السيولة في الاقتصاد عبر برامج التيسير الكمي (شراء سندات الدين الحكومية وسندات دين الشركات).

ومع استمرار ارتفاع نسبة التضخم، وعدم تراجعها كما كان متوقعاً، اضطرت البنوك المركزية إلى البدء في رفع أسعار الفائدة وتوالت الرسائل منها للسوق بأنها ستواصل رفع سعر الفائدة أكثر. هذا ما فعله الاحتياطي الفيدرالي الأميركي (البنك المركزي)، وبنك كندا (المركزي)، وبنك إنجلترا (المركزي البريطاني)، وحتى البنك المركزي الأوروبي (الذي يضع السياسة النقدية لدول منطقة اليورو)، إذ رفع سعر الفائدة للمرة الأولى منذ نحو 10 سنوات في يوليو (تموز) الماضي.

ويرى معدو التقرير أن نسب الفائدة الحقيقية في المدى القصير تظل سلبية، وإن أصبح منحنى سعر الفائدة المستقبلي في الولايات المتحدة ما بين 0.5 في المئة و1 في المئة. ويقيس المنحنى توقعات سعر الفائدة للسنة في المتوسط لعشر سنوات مقبلة على أساس أسعار الفائدة الحقيقية (المعدلة بحسب نسبة التضخم).

وبحسب تقرير توقعات الاحتياطي الفيدرالي ربع السنوية الصادر منتصف يونيو (حزيران)، فإن الاقتصاد سينمو بمعدل معقول بنسبة 1.7 في المئة لكل من العامين.

بوادر تحسن

وبحسب تقديرات البنوك المركزية وحتى الأسواق، فإن رفع سعر الفائدة بالوتيرة الحالية والمعلن عنها للمستقبل القريب، يمكن أن يجعل معدلات التضخم تنخفض إلى قرب المستويات المستهدفة من قبل واضعي السياسات النقدية. وعلى الرغم من أن رفع سعر الفائدة زاد بشدة من كلفة خدمة الديون الحكومية، وأدى إلى هبوط مؤشرات الأسواق، فإن ذلك قد يسهم في تراجع الطلب بشكل عام. ما يجعل التضخم ينخفض.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وعلى جانب العرض في الاقتصاد، فإن تحسن مشاكل سلاسل التوريد والاختناقات التي شهدناها في فترة أزمة وباء كورونا يمكنا أن يجعلا معادلة العرض والطلب تميل نحو زيادة المعروض فتنخفض الأسعار. حتى التباطؤ في الاقتصاد بشكل عام كفيل بخفض الطلب على الطاقة والغذاء والخدمات بما يجعل أسعارها تنخفض في حال استقرار العرض أو زيادته.

وبدأت بعض الأسعار في التراجع، أو على الأقل توقفت عن الزيادة، كما نشهد في أسواق الطاقة والحبوب والمنتجات الغذائية عموماً. لكن ذلك لا ينفي استمرار المخاطر بشأن الاضطرابات الجيوسياسية حول العالم، من الحرب في أوكرانيا إلى التوتر مع الصين، والتي يمكن أن تضر مجدداً بطاقة الإنتاج، وبالتالي تقليص العرض، فتعاود الأسعار الارتفاع.

هذه المخاطر جعلت نتائج استطلاعات الرأي والمسوح التي تجريها شركات الاستشارات في اقتصادات رئيسة، مثل الولايات المتحدة وألمانيا، تميل إلى تشكك المستهلكين في عودة معدلات التضخم إلى النسبة المستهدفة العام المقبل. بل إن في كثير من تلك الدراسات يرى الجمهور والمتعاملون في السوق أن أقصى انخفاض قد تصل إليه معدلات التضخم هو نسبة 3 في المئة، ربما بمدة 4 سنوات مقبلة (وليس نسبة 2 في المئة المستهدفة).

مزيد من التشديد

بل إن المخاطر بشأن ارتفاع الأسعار تظل قائمة على الرغم من بوادر التحسن وتأثير رفع أسعار الفائدة، خصوصاً إذا ما أدت التوترات الجيوسياسية إلى عودة اختناقات سلاسل التوريد واضطراب الإنتاج في الطاقة والغذاء. وفي هذه الحالة لن يكون التشديد الحالي في السياسة النقدية كافياً لوقف ارتفاع معدلات التضخم.

ومن توصيات التقرير أنه ربما يكون على البنوك المركزية رفع نسب الفائدة بشكل أكبر وأسرع لتفادي تأثير احتمالات تلك المخاطر. فهناك احتمال ارتفاع الأجور في الاقتصادات التي يعد سوق العمل فيها قوية بأسرع مما يمكن للشركات أن تستوعبه. بالتالي، ستزيد كلفة وحدة العمل التي سيتم تحميلها على أسعار المنتجات من سلع وخدمات. ما يعني ارتفاع الأسعار للمستهلكين وصعود معدلات التضخم أكثر.

ويحذر التقرير من تكرار ما حدث في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي حين تباطأت البنوك المركزية في مواجهة التضخم، ما إضطرها فيما بعد إلى اتخاذ إجراءات رفع أسعار الفائدة بقوة وسرعة والتشديد النقدي القوي المفاجئ الذي أضر بفرص النمو لفترة طويلة.