Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

لبنان يتأرجح بين إنجاز الترسيم البحري والمواجهة مع إسرائيل

هوكستين يتصرف بسرعة لنزع فتيل الحرب واستئناف التفاوض في الناقورة مؤشر للتقدم

ستبقى الأعصاب مشدودة إلى ما ستؤول إليه المفاوضات المكوكية التي يتولاها هوكستين حتى مطلع سبتمبر (أ ف ب)

 

يتأرجح لبنان بين هبة ساخنة وأخرى باردة في شأن ما ستؤول إليه مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بينه وبين إسرائيل، بوساطة أميركية. فالوسيط الأميركي آموس هوكستين أعلن، في الأول من أغسطس (آب)، بعد جولة محادثات مع المسؤولين اللبنانيين المعنيين بهذا الملف توَّجها بلقائه رؤساء الجمهورية ميشال عون والبرلمان نبيه بري والحكومة نجيب ميقاتي، أنه "متفائل جداً" بالتوصل إلى اتفاق في شأن الترسيم في الأسابيع المقبلة عند عودته إلى بيروت لاستكمال المفاوضات.

لا تقاسم بلوكات أو أرباح

وأبدى هوكستين امتنانه لعون لجمعه مع الرؤساء الثلاثة، "وسأعود خلال أسابيع قليلة من أجل محادثات نهائية". وقال نائب رئيس البرلمان إلياس بوصعب، الذي حضر الاجتماع، إن "الفجوة ضاقت" (بين لبنان وإسرائيل) والفترة التي تفصلنا عن عودة هوكستين مع جواب، ستكون قصيرة. كما نفى بوصعب ما يتردد منذ أسابيع عن عروض بتولي شركات توزيع أرباح بين لبنان وإسرائيل في الحقول الغازية المتنازع عليها. وقال، "لم يطلب منا أحد قضم البلوكات وتمديد الأنابيب، ولبنان طالب ببلوكاته كاملة وهوكستين لم يعرض علينا أبداً أي تقاسم للثروة أو البلوكات أو الأرباح"، وأعلن المدير العام للأمن العام اللواء عباس إبراهيم الذي شارك في الاجتماع أيضاً أن "كل شيء مليح".

وكان هوكستين التقى اللواء إبراهيم فور وصوله إلى بيروت في اليوم السابق لاجتماعه مع الرؤساء الثلاثة، ويتولى اللواء إبراهيم عادة صلة الوصل بين الوسيط الأميركي و"حزب الله" في شأن التفاوض على الحدود البحرية، لا سيما بعد التهديدات التي أطلقها الحزب ضد حقول الطاقة الإسرائيلية، منذ الثاني من يوليو (تموز) الماضي، بإطلاقه مسيرات فوق حقل "كاريش" الإسرائيلي للغاز.

صياغة أميركية لاقتراحات لبنان

وكشف وزير الخارجية اللبناني عبد الله بو حبيب، الذي ختم هوكستين لقاءاته معه، عن أن عضوين في الوفد المرافق لهوكستين لم يحضرا الاجتماع لأنهما قاما بصياغة الاقتراحات اللبنانية من أجل حملها إلى إسرائيل في اليوم نفسه والحصول على تعليق مسؤوليها. ورأى بوحبيب أن هناك تقدماً هائلاً في المفاوضات التي لم تنته بل هي متواصلة.

والمعروف أن العرض اللبناني يقوم على التمسك بالخط البحري 23 على أن يكون متعرجاً على شكل نصف دائرة داخل المنطقة الإسرائيلية ليشمل الجزء المتبقي من حقل "قانا" الواقع في المنطقة اللبنانية بمعظمه ونحو 30 في المئة منه في المنطقة الإسرائيلية بحيث يحصل عليه لبنان كاملاً.

الأعصاب المشدودة حتى مطلع سبتمبر

وفي وقت ساد التكتم حول ما حمله هوكستين من إسرائيل رداً على العرض الذي قدمه له لبنان في 14 يونيو (حزيران) الماضي، والجواب اللبناني على الرد، بث بعض وسائل الإعلام المحلية معطيات تفيد بأن الجانب الإسرائيلي طالب بالحصول، مقابل الجزء الذي سيتخلى عنه من حقل "قانا"، في عمق البحر، بحيث يقضم جزءاً من البلوك رقم 8 العائد للبنان. إلا أن الوزير بوحبيب الذي رفض مناقشة تفاصيل التفاوض قال إنه لو كان ما ينشر صحيحاً لما كنا تحدثنا عن تقدم وإيجابية.

وستبقى الأعصاب مشدودة إلى ما ستؤول إليه هذه المفاوضات المكوكية التي يتولاها هوكستين حتى مطلع سبتمبر حين يبدأ الجانب الإسرائيلي باستخراج الغاز من حقل "كاريش" كما سبق أن سربت المصادر الإسرائيلية، في وقت كان "حزب الله" هدد باستهداف هذا الحقل وغيره في حال لم يحصل لبنان على حقوقه في التفاوض، وعلى ضمانات بأن تبدأ الشركات الملتزمة التنقيب في البلوك رقم 9 الواقع جنوباً ولا سيما شركة "توتال" الفرنسية المتحالفة في هذا الشأن مع شركتي "إيني" الإيطالية، و"نوفاتيك" الروسية.

رسالة الحزب يوم وصول هوكستين

وبقيت المخاوف قائمة من مواجهة عسكرية بين إسرائيل و"حزب الله" على الرغم من المفاوضات التي أجراها هوكستين في بيروت والأجواء الإيجابية التي أشاعتها زيارته، واحتمال العودة إلى صيغة التفاوض الرسمية غير المباشرة بين البلدين في مركز قوات الأمم المتحدة العاملة في الجنوب في بلدة الناقورة الحدودية، والتي كانت تجمدت منذ مايو (أيار) 2021 .

وعلى الرغم من أن الرئيس بري كان استبق وصول هوكستين إلى بيروت بيوم واحد بالإعلان "أننا ذاهبون إلى الناقورة وسنعود إلى اتفاق الإطار (الذي توصل إليه في 2020) وليس أي شيء آخر"، فإن "حزب الله" استقبل الوسيط الأميركي صباح 31 يوليو بنشر فيديو باسم "الإعلام الحربي" التابع له، يظهر إحداثيات منصات استخراج الغاز الإسرائيلية وطائرة مسيرة مسلحة ترصد مواقع إسرائيلية في البحر، وظهرت فيه رسالة نصت على التالي، "في المرمى... اللعب بالوقت غير مفيد". فالوسط السياسي اللبناني فهم من قول بري "وليس أي شيء آخر" أنه يقصد استبعاد الحرب، باعتبار أن استئناف صيغة الناقورة المجمدة منذ مايو 2021 تغني عن احتمال المواجهة العسكرية التي هدد بها الأمين العام للحزب حسن نصر الله، وجاء بث الفيديو ليبقي على هذا الاحتمال قائماً.

استئناف مفاوضات الناقورة مؤشر

ومع أن زيارة هوكستين لم تنته إلى إعلان العودة إلى مفاوضات الناقورة، قال مصدر قريب من أحد الرؤساء الثلاثة لـ"اندبندنت عربية" في هذا الشأن إن "التحضير لذلك جارٍ على قدم وساق". وكان مصدر وثيق الصلة بالمفاوضات أوضح أنه بمجرد الدعوة إلى جلسات التفاوض غير المباشر في الناقورة، فهذا يعني أن هوكستين حصل على موقف إيجابي من الجانب الإسرائيلي، إلا أن وزير الخارجية بوحبيب قال في حديث تلفزيوني إن "فيديو المسيرات الذي نشره حزب الله لا يمثل موقف الدولة اللبنانية، وإن القرار حول الترسيم للحكومة اللبنانية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ونقل عن هوكستين تعليقه في أحد لقاءاته على نشر الفيديو بأنه "لا يفيد ولا يساعد في المفاوضات وأن هناك انتخابات في إسرائيل وهذا سيجعلها أكثر تشدداً في مثل هذه الحال".

التأرجح بين تصعيد التهديدات العسكرية ولغة التفاوض تواصل أثناء وجود الوسيط الأميركي. وأوضح نصر الله بعد ساعات على تسريب فيديو المسيرة أنه في ضوء نتائج المفاوضات نحدد كيف سنتصرف في الآونة المقبلة. وأكد "لسنا طرفاً في التفاوض ولم نكلف أحداً للتفاوض عنا كحزب، والمفاوضات مسؤولية الدولة وفي مقدمتهم رئيس الجمهورية".

أهداف "الحزب"

وبدا نصر الله بهذا أنه يوجه كلامه للداخل اللبناني إضافة إلى تهديده إسرائيل، فهو رد في مناسبة دينية على انتقادات معارضيه من اللبنانيين الذين سأل بعضهم من كلف الحزب بأن يدافع عن حقوق لبنان في البحر؟ بالقول، "حل عني، أنا الله مكلفني". وهو ما جعل خصوم الحزب يعتبرون أن هدف تهديداته الأخيرة، حتى لو أدت إلى الحرب مع إسرائيل بحجة ضمان حقوق لبنان باستغلال ثروته الغازية والنفطية في البحر، توجيه رسالة إلى الولايات المتحدة بأن الضغوط عليه وعلى إيران قد تقود إلى الحرب، التي لا تريدها واشنطن لأن أولويتها استبدال الغاز من حقول الشرق الأوسط لأوروبا بالغاز الروسي من جهة، وأنه في حال قبول الجانبين الأميركي والإسرائيلي بالمطالب اللبنانية يكون الحزب حقق انتصاراً سياسياً من جهة ثانية، فيبرهن للبنانيين أن سلاحه الذي يطالب معارضوه بنزعه أو بإخضاعه للسلطة الشرعية نجح في تحصيل حقوق لبنان، بفعل مخاوف أميركا من وقوع الحرب. وكانت حجة الإسرائيليين إزاء ضغوط واشنطن ليقدموا تنازلات في المفاوضات أن هذا سيكون انتصاراً للحزب، لكن الجانب الأميركي رأى أن المهم تجنب أي مواجهة عسكرية لضمان إمداد أوروبا بالغاز، ولأن حاجة إسرائيل إلى استخراج الغاز أهم من أي انطباع بأن الحزب يحقق انتصاراً.

تساوي الاحتمالات و"سرعة" هوكستين

نصر الله في شرحه لاتخاذ حزبه القرار بالتصدي لاستخراج إسرائيل الغاز إذا كان لبنان غير قادر على ذلك بسبب استمرار الخلاف على الحدود، قال إنه "على ضوء مجيء سفينة الاستخراج (اليونانية) إلى حقل كاريش ناقشت قيادة حزب الله الخيارات، وكانت نسبة 50 في المئة التوصل إلى حل و50 في المئة أن تتدحرج الأمور نحو الحرب، أما اليوم، فطبعاً النسبة تغيرت"، ولم يوضح ما يقصده بتغير النسبة، لكنه أضاف، "نحن لا نلعب بمصداقيتنا التي بنيناها طوال 40 عاماً".

وسواء كانت أهداف "حزب الله" من وراء تهديداته بالمواجهة العسكرية إقليمية أم لبنانية، فإن هوكستين اعتبر في حديث تلفزيوني قبل مغادرته بيروت أنه "بحسب تجربتي في الشرق الأوسط عموماً وفي البحر الأبيض المتوسط، هناك دائماً أزمة سياسية تلوح في الأفق، وأعتقد أنه يجب أن نأخذ المخاوف على محمل الجد والتصرف بسرعة".

بهذا الكلام يلخص الوسيط الأميركي أسباب سعيه لنزع فتيل المواجهة العسكرية وذرائعها مشدداً على الوسائل الدبلوماسية.

المزيد من تحلیل