Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

السياسة الخارجية الإيرانية بين الانحياز والواقعية (الجزء الثالث)

بين خيار التصعيد ودخول موسكو كوسيط

 أدت سياسة إيران إلى نقل الملف الإيراني من الترويكا الأوروبية إلى أروقة مجلس الأمن الدولي (أ ف ب)

بعد قرار استئناف أنشطة تخصيب اليورانيوم الذي أعلن عنه الرئيس المنتهية ولايته محمد خاتمي مطلع شهر أغسطس (آب) عام 2005، قبيل ساعات من تسليم عهدته الرئاسية إلى خلفه محمود أحمدي نجاد، يمكن القول إن مرحلة جديد في العلاقات الدبلوماسية والسياسات الخارجية لإيران قد بدأت، وهي سياسات تقوم على أسس ورؤية مختلفة، تبتعد عن مساعي الحد من تصاعد التوتر وترميم العلاقة مع المجتمعين الدولي والإقليمي.

هذا القرار نقل العلاقة مع إيران إلى مستويات جديدة من التوتر، وأسهمت سياسة أحمدي نجاد الاستفزازية، وسعيه لعرقلة التفاوض مع الترويكا الأوروبية ومفوض الاتحاد خافيير سولانا، والذي كان يقوده سكرتير المجلس الأعلى للأمن القومي حينها علي لاريجاني، الذي أزيح من منصبه لصالح تولي سعيد جليلي المحسوب على التيار الداعم لأحمدي نجاد، أو بتعبير المحافظين الجدد بزعامة روحية لرجل الدين المتشدد محمد تقي مصباح يزدي، الذي وصفه المرشد الأعلى بأنه "ثقته المطلقة".

وعلى الرغم من أن تولي جليلي لمهمة كبير المفاوضين، شهد أول تواصل مباشر بين الجانبين الإيراني والأميركي بعد مشاركة المبعوث الأميركي حينها للأزمة الإيرانية وليم بيرنز في إحدى جلسات التفاوض مع الترويكا الأوروبية، إلا أن هذه المرحلة فتحت الطريق على مسألتين أساسيتين ستطبعان المرحلة التالية بطابعها.

المراوغة

المسألة الاولى، ما أدت إليه سياسات النظام والأداء التصعيدي لحكومة أحمدي نجاد في السياسة الخارجية، والمراوغة التي اعتمدها المفاوض الإيراني مع المجتمع الدولي، من فتح الطريق لنقل الملف الإيراني من الترويكا الأوروبية إلى أروقة مجلس الأمن الدولي، الذي دخل على خط الأزمة نتيجة الإدانة التي صدرت عن مجلس حكام الوكالة الدولية للطاقة الذرية، نتيجة عدم تعاون إيران مع فرق التفيش وتطوير أنشطتها النووية، التي يشك أنها ذات طابع عسكري.

أما المسألة الثانية، ظهور صيغة السداسية الدولية أو مجموعة 5+1 المتشكلة من الدول دائمة العضوية في مجلس الأمن مع ألمانيا، بالإضافة إلى مشاركة الاتحاد الأوروبي، وهي الصيغة التي فتحت الطريق أمام الدور الروسي للبروز بفعالية في ملف التفاوض، انطلاقاً من رؤية بدأت تترسخ لدى قيادة النظام الإيراني، بإمكانية تشكيل محور جديد في مواجهة المحور الذي تشكل بين الترويكا الأوروبية والولايات المتحدة، وذلك بمشاركة الصين. ما قد يسمح للنظام بخلق توازن في الضغوط التي تمارس عليه من باب العقوبات الاقتصادية التي فرضت عليه. في حين أن الطرف الروسي والصيني معه لم يعترضا على أي من قرارات مجلس الأمن الأربعة التي فرضت عقوبات على إيران تحت البند السابع.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبموازاة المسار التفاوضي مع المجموعة الدولية، كان النظام الإيراني يشهد في داخله تحولاً مفصلياً ستظهر نتائجه لاحقاً، عندما لجأ إلى سياسة خارجية تغلب مصالح إيران في الإقليم على العمل الدبلوماسي، خصوصاً بعد حرب لبنان عام 2006، والتي انطلقت بعد جولة تفاوض فاشلة بين لاريجاني وسولانا في جنيف. وهي الحرب التي أدت مهمتها في إبعاد شبح أي ضربة عسكرية مباشرة لإيران وبرنامجها النووي والمراكز الحيوية، وأعادت ترتيب موزاين النفوذ والتدخل في إقليم الشرق الأوسط، وتحديداً في مواجهة إسرائيل وعلى حساب استقرار دول المنطقة وسيادتها. وقد برز دور الميدان وإقصاء الدبلوماسية الإيرانية عن تفاصيل وأبعاد وأهداف النظام وأذرعه الإقليمية، في الهفوة الاستراتيجية التي ارتكبها وزير الخارجية حينها منوشهر متكي، الذي أعلن من العاصمة اليمنية صنعاء أن "حزب الله" لن يوافق على قرار مجلس الأمن رقم 1701 بوقف العمليات الحربية مع إسرائيل، في وقت كان الأمين العام للحزب في لبنان يعلن قبول حزبه بهذا القرار والالتزام بتنفيذه، بغض النظر عن الآليات التي لجأ إليها لاحقاً لإفراغه من مضمونه وأهدافه.

التفاوض بعيداً من مؤسسة الدولة

بالإضافة إلى هذه الدوافع، فقد لعبت المزاجية التي مارسها أحمدي نجاد في إدارة الدبلوماسية الإيرانية، والتي اتسمت بالكيدية، وفتحت النقاش حول الصراع بينه وبين مكتب المرشد الذي يتفرد في الإمساك بهذا الملف وإدارته بعيداً من السلطة التنفيذية، فجاء قرار إقالة متكي خلال زيارة رسمية إلى نيجيريا، فضلاً عن محاولته الالتفاف على الإدارة الدبلوماسية عن طريق استحداث مواقع في رئاسة الجمهورية تتولى متابعة ملفات خارجية، من خلال تعيين مبعوثين خاصين له للعلاقات العربية والعلاقات الأوروبية.

ونتيجة هذا الصراع، تغلبت المؤسسة العسكرية على مؤسسة الدولة، ففرضت هيمنتها على دبلوماسية النظام، وبات قائد قوة القدس في حرس الثورة الشخصية الأكثر تأثيراً ودوراً في رسم سياسات النظام الإقليمية وحتى الدولة، مدعوماً بشكل مباشر من المرشد الأعلى وقيادة قوات حرس الثورة، التي وجدت في هذا التطور فرصة لتكريس نفوذها داخل مؤسسة الدولة، وتعزيز دورها في رسم السياسات العامة للبلاد، وصياغة علاقته الخارجية، إلى جانب ما حققته من مكاسب بالإمساك بالورقة الاقتصادية التي تنازل عنها أحمدي نجاد من أجل الحصول على دعمها وتأييدها.

وقد شكلت اندلاع الأزمة السورية، وبروز صراع خفي داخل أركان النظام، خصوصاً بين المرشد ورفسنجاني في النظرة الاستراتيجية من موقف طهران من هذه الأزمة، إلى تحويل أحمدي نجاد المغيب عن القرار الاستراتيجي والإدارة الدبلوماسية أو وزارة الخارجية، لمجرد منفذ مهمته متابعة الاستراتيجيات التي ترسمها دوائر القرار في مكتب المرشد، وينص مضمونها وأبعادها وأهدافها سليماني، الذي تحول إلى عنوان لسياسة إيران الإقليمية والدولية، والمخطط للدور والنفوذ والخطط الاستراتيجية للنظام. وقد شكلت المفاوضات التي أجراها علي أكبر صالحي في العاصمة العمانية مسقط مع الإدارة الأميركية منذ أواخر عام 2012، مؤشراً واضحاً على استفراد المرشد والحرس بقرار التفاوض بعيداً من مؤسسة الدولة ورئيسها أحمدي نجاد، وهي المفاوضات التي انتهت إلى التفاوض المباشر عام 2013 مع وصول حسن روحاني إلى رئاسة الجمهورية، وتولي محمد جواد ظريف رئاسة الإدارة الدبلوماسية.

المزيد من تحلیل