Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نخبة صنع القرار الإيراني بين البراغماتية والأيديولوجيا

المرشد الأعلى يتولى تحديد التوجهات الأساس للسياسة الخارجية

الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي يلقي كلمة أمام البرلمان   (أ ف ب)

عمل النظام الإيراني منذ تأسيسه بعد الثورة عام 1979 على إبراز ديمقراطيته، بالتأكيد على استمرار الاستحقاقات الانتخابية، ومن جهة أخرى لا يزال النظام يثير الجدل في شأن تأثير الأيديولوجيا أو المصالح والبراغماتية في قراراته وسلوكه، ولتناول هاتين النقطتين سنبدأ أولاً بتوضيح أهم مؤسسات صنع القرار الإيراني، ومن ثم يمكن تقسيم أهم مؤسسات صنع القرار في السياسة الخارجية على النحو الآتي:

1-   نخبة دائرة المرشد الأعلى الإيراني

وتشمل كلا من شخص المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني، وبخصوص المرشد الأعلى فهذا المنصب استحدثه مؤسس الجمهورية الإيرانية آية الله روح الله الخميني، انطلاقاً من نظريته للحكومة الإسلامية وحاجة الأمة لولي فقيه في زمن غيبة الإمام الغائب، على أن تكون لهذا الولي السلطة السياسية والدينية معاً، وقد شغله الإمام آية اللـه روح اللـه الخميني منذ العام 1979 وحتى العام 1989، ثم تولاه الإمام آية اللـه خامنئي منذ وفاة الإمام الخميني وحتى الآن.

ووفقاً للدستور فسلطة المرشد الأعلى بعيدة المدى وتمتد لكل مستوى تقريباً في مستويات عملية صنع القرار ومؤسساته، وتحدد المادة (110) مسؤوليات وصلاحيات المرشد الأعلى التي تتمثل في تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من فقهاء مجلس صيانة الدستور ورئيس السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في إيران ورئيس أركان القيادة المشترك والقائد العام لقوات حرس الثورة الإيرانية والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث والمصادقة على تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب، وتحديد السياسات العامة للنظام الإيراني بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، والإشراف على تنفيذ السياسات العامة وتعيين ستة أعضاء من مجلس خبراء القيادة المكون من 12 شخصاً، وإصدار الأمر بالاستفتاء العام وقيادة القوات المسلحة وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وعزل رئيس الجمهورية والعفو العام وإلغاء عقوبات الإعدام.

ويتولى المرشد الأعلى اتخاذ القرارات النهائية في شأن التوجهات الأساس للسياسة للخارجية الإيرانية وقضاياها الرئيسة، مثل العلاقات مع الولايات المتحدة وموقف إيران من الصراع العربي الإسرائيلي والملف النووي، ومع ذلك تعد عملية صنع القرار معقدة لتفاعل عدد من العوامل ومنها التنافس بين الفصائل المختلفة، إذ تحاول كل قوى وجهات النظر التأثير في المرشد الأعلى، كما أن الأوضاع المتغيرة تتطلب إعادة تقويم دوري للسياسات حتى في النظام السياسي الأيديولوجي مثل إيران، ويفضل المرشد إرساء قراراته على درجة من الإجماع مما يجعل في التحليل الأخير أن التفضيلات النهائية تعكس حقيقة أن الاختلافات داخل النظام لا تنتج فقط من العوامل الأيديولوجية، ولكنها تعكس أيضاً المنافع الاقتصادية وغيرها من المصالح المتباينة داخل النظام.

ويرى بعضهم أنه نظراً إلى افتقار المرشد الثاني آية اللـه علي خامنئي للشخصية الكاريزمية لسلفه الخميني وشعبيته، فضلاً عن تدني رتبته الدينية بين كبار رجال الدين، فقد قام بتوطيد مركزه وسلطته كزعيم للبلاد عبر إنشاء شبكة من العلاقات الشخصية، فنجح خامنئي في إنشاء شبكة من الأتباع المخلصين والممثلين له في كل فرع من فروع الحكومة، وجعل دوائر السلطة المرتبطة به أكثر قوة، مما جعله يمتلك السيطرة على كل قضية يتدخل فيها، إذ أسس قاعدة دعم مستقلة وشبكة شخصية وممثلين له تتمركز في آلاف الوظائف الاستراتيجية في كل وزارة ومؤسسة حكومية مهمة، بما في ذلك المؤسسة الدينية والجيش، وهي اليوم تشكل شبكة مصالح مكرسة لإنفاذ سلطة خامنئي، وهي أكثر قوة من الموظفين الحكوميين الآخرين لأن لديهم سلطة التدخل في أي قضية.

كما تمتد سيطرة خامنئي إلى ثاني أقوى مؤسسة في إيران، وهي مجلس صيانة الدستور، وهي هيئة مكونة من 12 ﻋﻀﻮاً، يعين المرشد الأعلى نصف أعضائها فيما يعين رئيس السلطة القضائية نصفها الآخر، علماً أن رئيس السلطة القضائية يرشحه رئيس الجمهورية ويصادق على تعيينه المرشد الأعلى، ومنوط بهذه الهيئة سلطة فحص وتقويم المرشحين لانتخابات البرلمان والرئاسة، وأيضاً نقض القرارات البرلمانية.

بُعد آخر تتجلى فيه قوة خامنئي وسلطته وهي سيطرته على مفاتيح الاقتصاد غير الرسمي الذي تسيطر عليه الدولة الإيرانية والمؤسسات القريبة من خامنئي، ويخضع الاقتصاد الإيراني لسيطرة الدولة إلى حد كبير، ولدى خامنئي صلاحيات تحديد كيفية إنفاق عائدات النفط، كما أن لديه سلطة على الـ "بونياد" في البلاد، وهي المؤسسات الخيرية التي تتمتع بأصول تقدر قيمتها بمليارات الدولارات، إضافة إلى ملايين أخرى يتلقاها مكتبه تتعلق بالتبرعات الخيرية المقدمة إلى الأماكن المقدسة في إيران.

أهمية هذه الجزئية في التحليل أنها تلقي الضوء على العلاقة الوطيدة بين خامنئي وقادة الحرس الثوري ذوي النفوذ الاقتصادي ورجال الدين المتشددين، ومن ثم دلالات ذلك على التنافس الفئوي بين التيارين المتشدد والمعتدل، هذا من جهة، ومن جهة أخرى ستتضح دلالات تلك العلاقة عند عملية اختيار المرشد المقبل الثالث للجمهورية الإيرانية بعد غياب خامنئي.

وبناء على ما تقدم فإن الدائرة الأولى في النخبة الحاكمة تتمثل في المرشد الإيراني علي خامنئي وقائد الحرس الثوري الحالي اللواء حسين سلامي الذي تولى منصبه في الـ 21 من أبريل (نيسان) 2019.

أما الحرس الثوري الإيراني فقد حددت المادة (150) من الدستور الإيراني واجبات الحرس الثوري بأنها حراسة الثورة ومنجزاتها، ويمكن أن نجد أن ثمة غموضاً يكتنف هذه المادة التي لم تفسر حدود سلطات الحرس الثوري، وهو الأكثر تأثيراً سياسياً من الجيش النظامي، ويعد المرشد القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني ويعين قائده، مما يبسط سلطته على قيادة الحرس الثوري لتقييد أي محاولات للتصرف وفق أجندة تختلف عن توجهات المرشد الأعلى.

ويرجع تعاظم نفوذ الحرس الثوري سياسياً إلى اعتماد النظام عليه لقمع المعارضة منذ بدايات تأسيس النظام السياسي، وقد تطور دور الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) إلى ما هو أبعد من دوره الأصلي كحارس أيديولوجي للنظام الثوري الوليد، فحضوره قوي في النظام السياسي الفصائلي، وبشكل عام يؤيد التيار المتشدد، كما يأتي العديد من الشخصيات البارزة من بين صفوفه، وقد امتد نفوذ الحرس الثوري في مجال السياسة الخارجية من خلال قوة القدس، إذ يقوم بممارسة التأثير في جميع أنحاء المنطقة من خلال دعم الحركات والقيادات المؤيدة لإيران، ويصل قوام قوة القدس تقريباً إلى 15 ألف فرد يقدمون المشورة والدعم وتوصيل شحنات الأسلحة للفصائل المؤيدة لإيران أو لبعض الشخصيات في لبنان والعراق وسوريا وغزة  والضفة الغربية وأفغانستان وآسيا الوسطى.

ويشار إلى أن قائد فيلق القدس سابقاً اللواء قاسم سليماني لديه أداة اتصال مباشرة ومستقلة مع المرشد الإيراني علي خامنئي، وكان قائد فيلق القدس سابقاً خلال الفترة 1988-1995 هو العميد أحمد وحيدي الذي شغل منصب وزير الدفاع بين الأعوام من 2009 وحتى 2013، وقيل إنه قاد فيلق القدس عندما زعم أنه ساعد "حزب الله" في تنفيذ تفجيرين ضد أهداف إسرائيلية ويهودية في بوينس آيرس (1992–1994).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ومنذ العام 2007 يملك قائد الحرس الثوري تأثيراً سياسياً، فالقائد الأسبق محمد علي جعفري، وهو متشدد ضد المعارضة السياسية وحليف مقرب من المرشد الأعلى، سبق أن انتقد روحاني في أعقاب مكالمة هاتفية من الرئيس الأميركي باراك أوباما في الـ 27 من سبتمبر (أيلول) 2013، واستمر في معارضة تقديم تنازلات كجزء من التسوية النووية مع الغرب.

وفي نوفمبر (تشرين الثاني) 2009 أعطى النظام الإيراني وحدات الاستخبارات التابعة للحرس الثوري مزيداً من القوة التي تجاوزت تلك التابعة لوزارة الاستخبارات، وذلك لرصد المعارضة. كما يلعب سلاح البحرية التابع للحرس دوراً في الدوريات التي تتم في مضيق هرمز، ويتجاوز نفوذ الحرس مجال السياسة الداخلية والخارجية إلى النشاط الاقتصادي، إذ يشارك بشكل متزايد في الاقتصاد، ويعمل من خلال شبكة من التعاقدات في أعمال المقاولات والموانئ والاتصالات والطاقة عبر شركة خاتم الأنبياء، وبحسب ما ورد فإن قادة كباراً في الحرس الثوري الإيراني يخدمون في مجلس إدارة الشركة، كما شغل رئيسها في بين الأعوام 2011 وحتى 2013 منصب وزير النفط.

2-   النخبة التنفيذية

وتشمل رئيس الجمهورية ووزير الخارجية، وبالنسبة إلى رئيس الجمهورية الإيرانية فينتخب مباشرة من الشعب، ويعمل في ظل قيادة المرشد الأعلى، وقد حاول كل رئيس توسيع سلطته النسبية إلى المرشد الأعلى، لا سيما في شؤون الأمن القومي لكن باءت المحاولات بالفشل، فغالباً ما يعوقها رجال دين وحلفاء الحرس الثوري الإسلامي وغيرها من المؤسسات القوية، ووفقاً لمواد الدستور فإن صلاحيات رئيس الجمهورية هي رئاسة السلطة التنفيذية، وهذا يعني أنه يقوم مقام منصب رئيس الوزراء، وتم حصر صلاحيات السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية فقط، وهي تتمثل في التوقيع على المعاهدات والعقود والاتفاقات والمواثيق بعد موافقة مجلس شورى النواب، وتولي مسؤولية أمور التخطيط والموازنة والأمور الإدارية للبلاد وتعيين الوزراء ومنح الأوسمة وتعيين السياسة العامة لعمل الدولة ونهجها وتنفيذ القوانين وقيادة مجلس الأمن القومي، وقد تولى رئاسة الجمهورية ثلاثة أشخاص هم الرئيس محمد خاتمي (1997-2005) والرئيس أحمدي نجاد (2005-2013) والرئيس حسن روحاني (2013- 2021) ثم إبراهيم رئيسي من 2021 وحتى الآن. وقد شهدت فترتا ولاية الرئيس محمد خاتمي تحسن علاقات إيران مع الغرب، وفي عهده تم الغزو الأميركي للعراق عام 2003، وقد نادى بجعل عام 2001 لحوار الحضارات في الجمعية العامة للأمم المتحدة.

أما الرئيس أحمدي نجاد فعرف بخطابه المتشدد تجاه إسرائيل والولايات المتحدة، وتم خلال ولايته الكشف عن المشروع النووي الإيراني، وبدأت القضية تحتل اهتمام المجتمع الدولي، وخلال انتخابه لولاية ثانية وقعت احتجاجات شديدة في أرجاء إيران متهمة النظام بتزوير نتيجة الانتخابات عام 2009.

أما الرئيس حسن روحاني فتولى عام 2003 منصب كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين، وبعد وصوله للرئاسة كانت أجندته السياسية تقوم على تخفيف الضغط عن إيران عبر إتمام المفاوضات النووية مع الغرب، وتم إنجاز اتفاق خطة العمل الشاملة المشتركة مع مجموعة دول (5+1) في عهد إدارة الرئيس الأميركي باراك أوباما إلى أن جاءت إدارة خلفه دونالد ترمب وأعلنت الانسحاب الأميركي من الاتفاق وإعادة فرض العقوبات على إيران، مما أدى إلى تأزم الوضع الاقتصادي الإيراني واندلاع تظاهرات واحتجاجات في البلاد من وقت لآخر.

ويعاون رئيس الجمهورية في إدارة الشؤون الخارجية وزير الخارجية، إذ يقتصر دور وزارة الشؤون الخارجية على إدارة السياسة الخارجية الإيرانية وتنفيذ القرارات التي تم التوصل إليها من قبل كبار المسؤولين، لا سيما المرشد الأعلى، لكنها بصفة عامة لا تلعب دوراً في مرحلة صنع السياسات والاستراتيجيات، ويعتبر بعضهم أنه بذلك ينحصر دورها في كونها المروج الرئيس لمصالح إيران العلمانية غير المتربطة بالأيديولوجية، بينما يمثل التيار المتشدد الدعاة الرئيسين للقضايا الدينية، واستخدام تعبيرات التضامن الإسلامي مع الأديان الأخرى خارج إيران، لذا فكثيراً ما يهاجم هؤلاء المتشددون سياسات وزارة الخارجية. وتولى وزارة الخارجية كل من كمال خرازي ومنوشهر متقي وعلي أكبر صالحي ثم محمد جواد ظريف وبعدهم حسين أمير عبداللهيان.

3- المجلس الأعلى للأمن القومي

وهو الجهة المنوط بها عملية تنسيق وتيسير عملية صنع القرارات في شأن الأمن والسياسة الخارجية وفقاً للدستور، إذ يمثل المجلس تطويراً لمجلس الدفاع الأعلى الوطني في دستور 1979، وبعد تعديل الدستور عام 1989 نصت المادة (176) منه على صلاحيات المجلس الأعلى للأمن القومي وهي:

أولاً: تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد.

ثانياً: تنسيق برامج الدولة في المجالات المتعلقة بالسياسة وجمع تقارير الاستخبارات وتطوير الأنشطة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية ذات العلاقة بالخطط الدفاعية والأمنية العامة.

ثالثاً: الاستفادة من الموارد المالية والفكرية لإيران لمواجهة التهديدات.

ويتولى رئيس الجمهورية رئاسة المجلس الأعلى للأمن القومي وتتألف عضويته رؤساء السلطات الثلاث، رئيس هيئة أركان القيادة العامة للقوات المسلحة، مسؤول شؤون التخطيط والموازنة، ممثلان عن المرشد الأعلى، وزراء الخارجية والأمن والداخلية، والوزير المتخصص في القضية محل النقاش، وأعلى مسؤولين في الجيش وحرس الثورة.

وبعد هذا العرض لمكونات النخب الإيرانية ينبغي التأكيد على ثلاث ملاحظات، فالأولى أنه بمراجعة ديناميكيات التفاعل بين المؤسسات السياسية ووفقاً للدستور نجد أن المرشد الأعلى آية الله علي خامنئي لديه القول الفصل في جميع قرارات السياسة الخارجية الرئيسة، وإحدى مهمات المرشد وفقاً للمادة (110) من الدستور هي "تعيين السياسات العامة للنظام الإيراني بعد التشاور مع مجلس تشخيص مصلحة النظام"، كما تنص المادة (176) على ألا تعتبر قرارات المجلس الأمن القومي الأعلى نافذة إلا بعد مصادقة القائد الأعلى عليها، وفي الوقت ذاته ينص الدستور في الفصل التاسع باب السلطة التنفيذية المادة (113) على أن "رئيس الجمهورية يترأس السلطة التنفيذية إلا في المجالات التي ترتبط مباشرة بالقيادة العليا"، وهو ما يفسر كيف أن رئيس الجمهورية لا يمكنه أن يتبع سياسة خارجية لا تتفق وإرادة المرشد الأعلى للجمهورية حتى ولو كان يتمتع بتأييد شعبي واسع، فلا يمكن تبنيه السياسات التي يعارضها القائد أو العناصر الأخرى ذات النفوذ في النظام، فقد تم اختزال صلاحيات الرئيس إلى منصب سكرتير تنفيذي، إلا إذا كان يتمتع بدعم العناصر القوية للنظام، لا سيما الحرس الثوري.

ويرجع ذلك إلى خصائص النظام منذ البداية التي أدت إلى نظام داخلي يتسم بالصراع والتنافس، مما يجعل من الصعب اتخاذ القرارات في شأن قضايا السياسة الخارجية الرئيسة، لذا غالباً ما تبدو السياسة الخارجية الإيرانية وكأنها تعكس توجهات ووجهات نظر مختلفة في ما بينها لمجموعة من اللاعبين وأصحاب المصالح المختلفين، لكن كل هذه التفاعلات تتم بما لا يخالف مصلحة النظام القائم.

ويحتفظ المرشد بقدر كبير من السيطرة على جميع المؤسسات والأفراد، وقد بدأت قوة المرشد الأعلى حينما أقر الخميني بولاية الفقيه، ثم نجح خامنئي في إنشاء شبكة من الأتباع المخلصين في كل فرع من فروع الحكومة واختيار قادة الحرس الثوري والجيش والشرطة ووسائل الإعلام الرسمية والمؤسسة الدينية، فضلاً عن تعيين جميع أعضاء مجلس تشخيص مصلحة النظام ونصف أعضاء مجلس صيانة الدستور المنوط به تقويم وفحص المرشحين للرئاسة ومجلس الشورى الإسلامي، ومجلس خبراء القيادة الذي يعد الجهة الوحيدة التي لديها صلاحية عزل المرشد الأعلى للبلاد، أي أن ما يؤسسه النظام الإيراني باعتباره كوابح لتقييد سلطة المرشد العام وإضفاء صفة ديمقراطية على النظام، يتم تقييدها بصلاحيات أخرى ممنوحة للمرشد بواقع الدستور.

والملاحظة الثانية أنه على الرغم مما يتردد حول انقسام النخبة الإيرانية ما بين تيار متشدد وآخر إصلاحي، فإنه خلف هذا التنوع الظاهري ثوابت ومبادئ أيديولوجية لا يخرج عنها، كما أن ما يرجح كفة التيارات المتنافسة هو المرشد الأعلى مثلما رجح كفة أحمدي نجاد عقب إعادة انتخابه في الولاية الثانية، وترجيح كفة ودعم حسن روحاني لإتمام المفاوضات النووية مع الغرب، ويعمق ذلك استمرار جدلية هل السياسة الخارجية الإيرانية أيديولوجية أم براغماتية؟

وظلت الأدبيات والدراسات المهتمة بالشأن الإيراني تدور حول فكرة ازدواجية الثورة في مقابل الدولة أو الأيديولوجية في مقابل البراغماتية، وتثار تلك الجدلية نظراً إلى قيام النظام الإيراني بكفاءة وفاعلية على توظيف آليتين بالتزامن معاً، هما أنه على الرغم من كون المرشد الأعلى خامنئي لديه نظام من المستشارين والمجالس والأفراد الذين يساعدون في صياغة وتنفيذ سياسة إيران الخارجية، ولديه سلطة فرض (فيتو) على أي سياسة، كما أن خطابه دائماً ما يعظم الاسترشاد في المقام الأول بالاعتبارات الأيديولوجية، إلا أنه في الوقت ذاته يسمح لخطابات رؤساء الجمهورية ووزراء الخارجية أن يكون لها التأثير في التصورات الخارجية والمحلية تجاه سياسة إيران الداخلية والخارجية، فعلى سبيل المثال يتمتع الرئيس الإيراني حسن روحاني بتصدير صورة تتسم بالتعاونية والانفتاحية والواقعية للمجتمع الدولي، ويسانده في ذلك وزير الخارجية جواد ظريف.

إن إيران لا تعاني من ازدواجية الثورة - الدولة أو الأيديولوجية - البراغماتية، إنما توظف الأيديولوجية لتحقيق مصالح الدولة.

أما الملاحظة الثالثة فتتعلق بطبيعة النخب الحاكمة، فارتباطاً بديناميكيات النخب الحاكمة التي تميز النظم السلطوية، هناك نوعان من دوائر النخب المغلقة، إحداهما تتعلق باستمرار تداول النخبة نفسها من وظيفة واحدة إلى أخرى، والثانية الحفاظ على أفراد النخبة أنفسهم في الوظائف ذاتها، كما أن طبيعة النظم السياسية للدول وأجهزة صنع القرار الخاصة بها تؤثر بدرجة كبيرة في سلوكهم الخارجي، ففي الأنظمة السياسية السلطوية حيث تكون السلطة مركزية سواء في يد فرد أو مؤسسة واحدة، يعكس سلوك الدولة حاجات ومصالح وتفضيلات، إما للشخص الحاكم أو المؤسسة المهيمنة، ومن ثم فإنه يتم اتخاذ قرارات السياسة الخارجية الرئيسة من قبل القائد أو من قبل المؤسسة المهيمنة، وينطبق ذلك على النظام الإيراني، ولذا تعد قدرات وأهداف هؤلاء القادة ضرورية لفهم سياسات الدولة وإمكاناتها واستراتيجيتها، كما أن معتقدات هؤلاء القادة تؤثر في استقبالهم للمعلومات التي تصل من البيئة المحيطة.

وتنطبق هذه المقولة على النظام السياسي الإيراني الذي تنحصر الوظائف السياسية فيه حول عدد من الشخصيات ذات الأهمية في حقبة ما بعد انتصار الثورة الإسلامية، وقد تداولت النخبة ذاتها المناصب التنفيذية والتشريعية والقضائية.

وبشكل عام لا يمكن إنكار أن الأيديولوجيا منتشرة في كثير من الخطب السياسية للمرشد الإيراني السابق والحالي، كما أن نقاش الأيديولوجيا - البراغماتية في نهج السياسة الخارجية مبين في الدستور الإيراني، وخصوصاً المادة (154) التي تدعم تصدير الثورة الإسلامية.

وعلى الرغم من أن صياغة الدستور تدعي أن إيران لن تتدخل، إلا أنه من السهل التوصل إلى العكس، فقد تدخلت في الشؤون الداخلية لدول أخرى في كثير من الحالات، كما يتضح من الدعم العسكري لـ "حزب الله" في لبنان و"حماس" في غزة وتوريد الأسلحة للحوثيين في اليمن وزيادة الاستثمارات في أفغانستان والدعم الممتد لبشار الأسد في سوريا، وجميعها جهود تستهدف زيادة نفوذ إيران الإقليمي.

المزيد من تحلیل