Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الجزائرية ربيعة جلطي تحاكم الراهن على ضوء التاريخ

رواية "جلجامش" تستعيد الأسطورة السومرية لتحكي صراع الحضارات

منحوتة تمثل جلجامش (موقع "حضارات قديمة")

هل كوكب الأرض معرض للكارثة والدمار حقاً، كما تتوقع الشاعرة والروائية الجزائرية ربيعة جلطي في روايتها "جلجامش والراقصة" (منشورات ضفاف/ والاختلاف، بيروت والجزائر)؟ سؤال هو أول ما يخطر لقارئ الرواية عندما ينتهي من أسطرها الخمسة الأخيرة، على الرغم من أنه سؤال سيطرأ للقارئ ويتكرر في ثنايا الرواية، ومع انهيار حضارات ونشوء أخرى، ومع الحروب المدمرة الكثيرة التي يخوضها البشر بعضهم ضد بعض، وخصوصاً مع تطوير أسلحة خارقة وحارقة في الحربين العالميتين وما بعدهما، فضلاً عن أسلحة بيولوجية وجرثومية (فيروسات وأوبئة) في مختبرات الدول الكبرى!

وهل يعد صراع الرجل الذكر/ المرأة الأنثى صراعاً وجودياً لا نهاية له؟ سؤال آخر من أسئلة الرواية، ومحور أساسي من محاورها الكثيرة، الأسئلة والمحاور التي تتوالد بين يدي روائية شاعرة، أو شاعرة تكتب الرواية، وتمتلك الأدوات القادرة على نسج العالمين برؤية ثاقبة، ولغة حاذقة، وقدرة على خلق عوالم سحرية مدهشة وجذابة، عوالم تتوالد فيها الشخوص والحوادث والأمكنة، بقدر عالٍ من السيطرة على الصناعة الإبداعية الناضجة، بلا أي اصطناع أو افتعال، على الرغم من أن الرواية قائمة على "اختلاق" عمل خارق، يتمثل في تخليد جلجامش بعد ابتلاعه عشبة الخلود، لتخالف الرواية بذلك سرقة الأفعى للعشبة، وكذلك بعودة أنكيدو من الموت ليجمع جلجامش بمعشوقته وعاشقته عشتار، وغير ذلك مما عرفناه في الأسطورة/ الملحمة.

تأخذ ربيعة جلطي قارئها إلى عوالم من الخرافة، بل ما يقارب الأسطورة الخاصة بها، حيث تجمع بين زمانين، لتحاكم زماناً هو الراهن، بزمان قديم، محاكمة تشمل جوانب عدة من الحياة، بكل ما تشتمل عليه الحضارة من عناصر ومكونات فهي تأتي بالبطل جلجامش، ثلثاه من الآلهة نسبة إلى أمه الإلهة "ننسون"، وثلثه بشري نسبة إلى والده الملك لوغالباندا ثالث ملوك السومريين، بحسب الرواية، ومنذ السطر الأول نتعرف إلى "البطل" من المقولة الخالدة والإشاعة "هو الذي رأى كل شيء". بهذه العبارة، التي نعثر عليها في كثير من النصوص الأدبية والفلسفية القديمة والمعاصرة، تبدأ الروائية- الساردة تقديم شخصية جلجامش بلسانه هو، وتشدنا هذه الشخصية التي تجمع صفات من الألواح الملحمية الشهيرة، وصفات أخرى يكتسبها البطل من "خلوده" وطوافه في أرجاء العالم.

استعادة جلجامش

تبدأ الرواية بتقديم جلجامش وهو يوقع "أسفله" كتاب اعترافه بأنه "ملك أوروك العظيم. أنا ابن الملك لوغالباندا ثالث ملوك السومريين وابن الإلهة ننسون، أنا من شقت سمعته قبة آفاق الزمان والمكان، وما تزال، وستبقى... لا شيء غلبني سوى سلطة القلب... أبحث منذ آلاف السنين عن عشتار. إنها عاشقتي وعدوتي". وعلى الرغم من كونه أول من أرسى ديمقراطية في التاريخ، فإنه، كما يعترف، الملك الذي سن قوانين ظالمة أبرزها أنه فرض على كل عروس أن يفض بكارتها قبل عريسها. يقول إن تصرفه هذا "كان أول موقف سخيف في التاريخ لرجل تجاه امرأة، أو قل: لذكر تجاه أنثى"، وهذه واحدة من أبرز وأهم رسائل الرواية التي ستتعمق في مواقف وصور عدة.

ويتساءل المتلقي لرواية ربيعة، وهو مأخوذ بالدهشة والرغبة في متابعة ومعرفة ما تريد الروائية من روايتها، وتقديمها شخصية جلجامش الأسطورية التي أشبعها الباحثون بحثاً، والمبدعون تأثراً واستلهاماً، وتكون الخطوة الثانية هي تقديم صورة جلجامش معشوق عشتار، وعدوها الباحث عنها ليعتذر لها عن رفضه طلبها الزواج منه، فيطوف الدنيا، وتجعله الروائية يستقر، بناءً على توصية أمه ننسون، في مدينة تدعى "ولهانة"، وهي كما يمكن للقارئ أن يقدر مدينة في الجزائر. مدينة هادئة، لم تصل إليها "حضارة" الحروب والقتل والصراعات الدموية.

في هذه المدينة سيتخذ جلجامش اسم يوسف لأسباب عدة، فعدا كونه يمتلك جمال النبي يوسف وقوته، فهو يريد التخفي كي لا يقع ضحية اسمه وتساؤلات الناس عنه، كما حدث له في إحدى الدول، حيث أعلن أنه ملك أوروك، فجرى اعتقاله تحت مسمى مجنون، فكان اسم يوسف لائقاً به، حتى إن أحد شخصيات الرواية في مدينة ولهانة يربط بين جماله وجمال النبي يوسف، في ما يخص النساء اللاتي سيقطعن أصابعهن لشدة انبهارهن بجماله. وهنا، في هذه المدينة المسحورة به، يوكل إليه أحد الشخصيات تدريس ابنته موسيقى البيانو، فهو معروف بكونه ضليعاً فيها، ويروي كيف تعلمها على أصابع تشايكوفيسكي، وبالفعل ينجح نجاحاً باهراً في تدريس الفتاة، المراهقة المهووسة بشخصيته ورجولته، ويوصلها إلى مسابقة عالمية تجعل المدينة مركز اهتمام الإعلام العالمي، وعليه فإنه يتم اقتراح ترشيحه لرئاسة الدولة من قبل كبار وجهاء مجلس المدينة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

مثل هذا المشهد "الأسطوري" يتكرر في صور مختلفة تصنعها الروائية، لتصنع، أو لتعزز صناعة شخصيتها، بطل روايتها، فهو شخصية الملك السابق، لكنه الوحيد الخالد الذي يجذب الانتباه والاهتمام، خصوصاً للنساء، ويتعايش مع ظروفه الاضطرارية في انتظار عشتار التي سيلتقيها هنا، في هذه المدينة، حيث سيجدها وقد حلت في إحدى أجمل الجميلات، وهو ما سيحدث في نهاية الرواية، إذ سيكتشف أنها هي الراقصة الفاتنة "عيشات"، التي تعيش في الطابق الثالث من البناية التي يسكن هو في الطابق الثاني منها. وسيكون لقاؤه بها عاصفاً، بعد قرون من البحث عنها في كل امرأة يلتقيها، وسيكون اللقاء هو نهاية الإقامة على كوكب الأرض، والبحث عن مجرة أكثر أمناً وسلاماً.

تحمل رواية ربيعة جلطي هذه مجموعة من الرسائل والحكم الموجهة للإنسان، واضعة نصب اهتمامها القيم الإنسانية الرفيعة، في زمن غابت عنه هذه القيم. وحتى استحضارها شخصية ملحمية أسطورية، لتعيش بين البشر العاديين، فهي لكي تدفعه إلى الاعتراف بجرائمه حين كان حاكماً ظالماً وديكتاتوراً سخيفاً، كما يعترف هو ذاته.

المزيد من ثقافة