"الحروب السيبرانية"... هل اختارت واشنطن "الشبكة العنكبوتية" لوقف الاستفزازات الإيرانية؟

مدير تحليل الاستخبارات في شركة "فايرآي": الجانبان يائسان لمعرفة ما يفكر فيه الطرف الآخر... يمكنك توقع استعانة كل منهما بكافة الأدوات المتوفرة

وحدة الأمن السيبراني التابعة للجيش الأميركي (وزارة الدفاع الأميركية)

فيما لا تنقطع رحى الحرب الكلامية والتهديدات المتبادلة بشن أعمال عسكرية، الممزوجة بالضغط للتفاوض بين واشنطن وطهران، على وقع الاستفزازات الإيرانية المتواصلة في مياه الخليج العربي، يدور خلف الكواليس نوع آخر من الحروب، عماده "الفضاء الإلكتروني". فخلال الأيام الأخيرة تبادل الطرفان الحديث عن تصاعد الهجمات الإلكترونية ضد أهداف ومصالح حيوية، محملا كل طرف الآخر المسؤولية عن تلك التطورات.

وبحسب ما كشفته شركات متخصصة في الأمن المعلوماتي، تصاعدت الهجمات الإلكترونية على الحكومة الأميركية والبنية التحتية الحيوية في الولايات المتحدة، من قبل قراصنة مدعومين من إيران. جاء ذللك في وقت ذكرت وسائل إعلام أميركية أن واشنطن شنت هذا الأسبوع هجمات إلكترونية، استهدفت أنظمة كمبيوتر تستخدم لإطلاق الصواريخ، وشبكة تجسس إيرانية. لتصبح الهجمات الإلكترونية أحدث فصول المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران، مع تزايد التوترات بين البلدين.

إيران تستهدف مصالح أميركية

وفق ما نقلته شبكة "إي بي سي" الأميركية، عن شركات أمن معلومات متخصصة، قبل أيام، فقد استهدف القراصنة الذين يعتقد أنهم تابعون لطهران، الوكالات الحكومية الأميركية وكذلك قطاعات الاقتصاد، بما في ذلك النفط والغاز.

وبحسب ما ذكرت شركتا "فايرآي" و"كراودسترايك"، العاملتان في مجال الأمن الإلكتروني للشبكة الأميركية، فإن القراصنة الموالين لطهران بعثوا رسائل بريد إلكتروني مقرصنة إلى أهداف حيوية أميركية، فيما لم يتضح بعد ما إذا كان المتسللون نجحوا في مسعاهم باستخراج معلومات من المصادر المستهدفة، أو تعطيل عملها.

وتأتي أنباء الاختراقات ومحاولات القرصنة الإلكترونية، وسط توترات متصاعدة بين واشنطن وطهران في الأسابيع الأخيرة، التي وصلت إلى ذروتها عندما أسقطت إيران طائرة أميركية دون طيار قرب مضيق هرمز، فيما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه أعاد النظر في ضربات انتقامية ضد مواقع إيرانية "في اللحظة الأخيرة".

وقال مدير تحليل الاستخبارات في "فايرآي"، جون هولكويست لشبكة "إي بي سي"، إن "الجانبين يائسان لمعرفة ما يفكر فيه الطرف الآخر. يمكنك أن تتوقع تماما أن يستعين كل منهما بكافة الأدوات المتوفرة لديهما".

وفي السياق ذاته، نشر موقع "كراودسترايك" صورا لرسائل بريد إلكتروني مقرصنة، وفقا لـ"أ.ب."، قائلا إنه يبدو أن إحداها صدرت من المكتب التنفيذي للرئيس الإيراني، حسن روحاني، في إطار محاولات لتنفيذ هجمات إلكترونية ضد أهداف أميركية.

كما نقلت صحيفة "ذا هيل" الأميركية عن خبراء من الأمن المعلوماتي تأكيدهم أن المخترقين الإيرانيين استهدفوا أجهزة حكومية، وكذلك قطاعات الاقتصاد والنفط والغاز الطبيعي بسلسلة من رسائل الاحتيال عبر البريد الإلكتروني.

وقالت وكالة الأمن القومي الأميركية، في بيان سابق، إنه "كانت هناك مشاكل خطيرة مع الإجراءات الإلكترونية الإيرانية الضارة في الماضي. في هذه الأوقات التي تزداد فيها التوترات، من المناسب للجميع أن يكونوا متنبهين للعدوان الإيراني في الفضاء الإلكتروني وأن يتأكدوا من وجود دفاعات مناسبة".

كما قال كريس كريبس، مدير وكالة الأمن الإلكتروني التابعة لوزارة الأمن الداخلي، عبر "تويتر"، إن المسؤولين اكتشفوا زيادة في "النشاط الإلكتروني الخبيث" الموجه إلى الولايات المتحدة من قبل أشخاص مرتبطين بالحكومة الإيرانية.

ولطالما كان قطاعا النفط والغاز في الولايات المتحدة هدفا للقراصنة الإيرانيين، لكن تلك الأعمال تراجعت بشكل ملحوظ بعد توقيع الاتفاق النووي في عام 2015. إلا أن مساعي الهجمات تجددت بعد انسحاب ترمب من الاتفاق في مايو (أيار) 2018، وفقا لخبراء الإنترنت.

واشنطن ترد

بعد الأنباء عن هجمات إلكترونية إيرانية ضد مصالح أميركية، كشفت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية، أن الولايات المتحدة شنت، هذا الأسبوع، هجمات إلكترونية استهدفت أنظمة حاسوبية إيرانية تستخدم لإطلاق الصواريخ، وشبكة تجسس إيرانية، وذلك بعد تراجع الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن قرار شن ضربات جوية على مواقع إيرانية إثر إسقاط طهران طائرة أميركية مسيّرة ليل الأربعاء الخميس الماضي.

وبحسب الصحيفة الأميركية، أدى الهجوم الإلكتروني إلى تعطيل نظم لتوجيه وإطلاق الصواريخ، فيما قالت صحيفة "نيويورك تايمز" إن الهجوم مصمم من أجل تعطيل هذه النظم لفترة محددة.

وبحسب "واشنطن بوست"، فإن الرئيس ترمب صدّق بنفسه على تنفيذ القيادة "السيبرانية"، التابعة لوزارة الدفاع (البنتاغون)، هجمات إلكترونية ضد أنظمة إلكترونية إيرانية، إثر مسؤولية طهران عن هجوم استهدف ناقلتي نفط بخليج عمان، في 13 يونيو (حزيران) الحالي.

ونقلت الصحيفة عن مصدرين في القيادة السيبرانية الأميركية، رفضا الإفصاح عن هويتهما، أن وزارة الدفاع اقترحت تنفيذ تلك الهجمات، ردا على اعتداء إيران على ناقلتي النفط.

ولم تعلّق "البنتاغون" ولا القيادة السيبرانية الأميركية على ما نشرته "وانشطن بوست" وصحف أميركية أخرى بشأن تلك الهجمات. ويأتي الحديث عن هجمات إلكترونية أميركية في وقت يقول فيه ترمب إنه لا يفضّل الخيار العسكري للرد على "الاستفزازات الإيرانية".

وأعلن ترمب، الجمعة الماضية، أنه تراجع عن قرار توجيه ضربات إلى إيران، مساء الخميس، قبل تنفيذها بـ10 دقائق، حفاظا على أرواح المدنيين. حيث تشهد المنطقة توترا متصاعدا بين الولايات المتحدة ودول خليجية من جهة، وإيران من جهة أخرى؛ إثر تخفيض طهران بعض التزاماتها بموجب الاتفاق النووي متعدد الأطراف، المبرم في 2015. كما تتهم دول خليجية، في مقدمها السعودية والإمارات، إيران باستهداف سفن ومنشآت نفطية خليجية.

هل أثرت "الحرب السيبرانية"؟

في الوقت الذى ذكرت فيه تقارير أميركية عدم إلحاق الهجمات الإلكترونية الإيرانية على الأهداف الأميركية نتائجها المرجوة، أعلنت إيران، اليوم الاثنين، أن الهجمات الأميركية على جيشها فشلت، ملمحة في الوقت ذاته إلى انفتاحها على فكرة تقديم تنازلات جديدة مع واشنطن إذا رفعت الولايات المتحدة العقوبات عنها وقدمت حوافز جديدة.

وقال وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات الإيراني، محمد جواد آذري جهرمي، في تغريدة على تويتر "إنهم يحاولون بقوة، لكنهم لم ينفذوا أي هجوم ناجح"، وأضاف "تساءلت وسائل الإعلام عما إذا كانت الهجمات الإلكترونية المزعومة ضد إيران صحيحة... في العام الماضي حيدنا 33 مليون هجوم".

وخلال التصعيد أبدى كل من الطرفين استعدادا لإجراء محادثات على أن يتحرك الطرف الآخر أولا. وفي أحدث تعليق من طهران، كرر حسام الدين آشنا، مستشار الرئيس حسن روحاني، مطلبا طالما ذكرته إيران برفع واشنطن للعقوبات تماشيا مع الاتفاق. وكتب آشنا على "تويتر" عبارة حملت تلميحا نادرا باستعداد إيران لمناقشة تنازلات جديدة إذا أبدت واشنطن استعدادا لطرح حوافز جديدة على الطاولة تتخطى ما جاء في الاتفاق. وقال "إذا أرادوا شيئا يتجاوز خطة العمل الشاملة المشتركة (الاتفاق النووي)، فعليهم تقديم شيء يتجاوزها، مع وجود ضمانات دولية".

ونقلت وكالة الطلبة للأنباء عن عباس موسوي، المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، قوله اليوم الاثنين إن طهران "لا تريد زيادة في التوترات وتبعاتها"، وذلك بعد تكرير ترمب أمس الأحد أنه لا يريد الحرب مع إيران ومستعد للوصول إلى اتفاق.

تاريخ من القرصنة

وكان أهم صور بروز دور الفضاء الإلكتروني، كمجال جديد في العمليات العدائية المتبادلة، في عام 2010، عندما سبق لإيران أن اتهمت كلا من الولايات المتحدة وإسرائيل، في غمرة الأزمة حول الملف النووي الإيراني، بأنهما خلقتا فيروسا إلكترونيا قويا للغاية أطلق عليه اسم "ستانكست"، وقد أصاب يومها الآلاف من الحواسيب الإيرانية، وعطّل عمل أجهزة الطرد المركزي التي تستخدمها طهران في تخصيب اليورانيوم.

وفي الوقت نفسه، يعتقد أن قراصنة إيرانيين نفذوا هجمات سيبرانية على أهداف أميركية في منطقة الخليج عام 2012، أسفرت عن فقدان الآلاف من أجهزة الكمبيوتر لبياناتها، وفق مجلة "فورين بوليسي" الأميركية.

المزيد من دوليات