Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الهاربون من الحروب والأوبئة... رحلة النجاة نحو الموت

100 مليون في حالة لجوء أو هروب أو نزوح داخلي أو خارجي والبحر المتوسط ابتلع وحده 24 ألفاً و184 مهاجراً منذ عام 2014

البحر المتوسط ابتلع وحده 24 ألفاً و184 مهاجراً منذ عام 2014 (أ ف ب)

عامان من القلاقل الصحية والأوضاع الوبائية أضيفت لهما أشهر من حرب روسيا في أوكرانيا أزاحت مراكب الهجرة وحمولتها من بؤرة الضوء، لتحل محلها آثار الوباء الاقتصادية متوسطة وطويلة المدى وشبح المجاعة والركود والتضخم الذي يلوح في الأفق.

لكن الإزاحة لا تعني الإلغاء أو الحسم، هي فقط تعني الانشغال بقضايا وملفات أخرى، كما أنها لا تعني علاج الظاهرة أو حماية الأرواح التي تلقى حتفها، فقط تعني التأجيل وربما إلغاء التعامل مع الملف وترك الأرواح لأقدارها على الحدود وفي البحار.

سيد بحار الهجرة

والبحر المتوسط هو سيد بحار المهاجرين غير الشرعيين أو غير الموثقين أو غير النظاميين، في عام 2020 وحده وصل إلى إيطاليا 34 ألفاً و154 مهاجراً عبر البحر المتوسط، وهو ضعف العدد الموثق في عام 2019. وفي العام نفسه، شهدت "الرحلات البحرية" المغادرة الشواطئ الليبية زيادة بنسبة 58 في المئة مقارنة بعام 2019، وشهدت الرحلات المغادرة الشواطئ الجزائرية زيادة بنسبة 209 في المئة، كما شهدت الشواطئ التونسية زيادة في الرحلات المغادرة بنسبة 310 في المئة.

كما يعتقد أن 1825 شخصاً لقوا حتفهم في عام 2020 أثناء محاولة اجتياز الصحاري من شرق أفريقيا وغربها للوصول إلى مصر وليبيا، وفي نوفمبر (تشرين الثاني) وديسمبر (كانون الأول) عام 2020 فر نحو 55 ألف إثيوبي إلى السودان هرباً من الاشتباكات في منطقة تيغراي.

هذه الأرقام الصادمة وغيرها كثير توفرها المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في ما يختص بملف الهجرة غير الشرعية عبر الطرق المؤدية إلى غرب ووسط البحر المتوسط فقط، لكن طرق الهجرة عديدة والمسارات كثيرة، والأعداد تقدر بالملايين، وخلف كل خانة من خانات الأرقام قصة بائسة إن لم تكن شديدة البؤس.

بؤس النازحين

بؤس النازحين من أوكرانيا هو البؤس الأحدث، الذي كان يحظى بالقدر الأكبر من الاهتمام. حرب روسيا في أوكرانيا أدت إلى دفع 5 ملايين أوكراني ومقيم بحسب تقديرات الأمم المتحدة، إلى دول مجاورة أبرزها روسيا وبولندا ومولدوفا ورومانيا وسلوفاكيا وبيلاروس، وهناك نحو 7 ملايين آخرين نزحوا داخلياً بسبب الحرب.

نازحون داخلياً ومهجرون قسرياً ولاجئون وآخرون في وضعية اللجوء أو في انتظار قبول أو رفض طلبات اللجوء، ومهاجرون غير شرعيين ومهاجرون لأسباب اقتصادية، ونازحون لعوامل بيئية، ومهاجرون تقطعت بهم السبل، وأطفال غير مصحوبين وآخرون مصحوبون بذويهم، وأشخاص متاجر بهم بشرياً، وعصابات اتجار في البشر، ومهاجرون محتجزون ومهاجرون عابرون وآخرون ينتظرون إعادة التوطين، ودول هشة مصدرة للهاربين من جحيم الصراعات والحروب، ودول منشأ نشأ فيها المهاجر أو اللاجئ أو الهارب، ودول مقصد، ومجتمعات مضيفة، وممرات هجرة وقائمة طويلة من مفردات الهجرة واللجوء والنزوح تنضح بها أرجاء المعمورة في موجات هجرة ولجوء ونزوح تشهد نقصاً حيناً وزيادة أحياناً، لكنها في حالة حراك مستمر لا يشهد هبوطاً أو يعرف هدوءاً على مدار العقد الماضي.

"الوكالة الأوروبية لحرس الحدود والسواحل" (فرونتكس) قالت في أبريل (نيسان) الماضي إن عدد "المهاجرين" الذين حاولوا العبور إلى دول الاتحاد الأوروبي البالغ عددها 27 دولة بطرق غير نظامية خلال الربع الأول من العام الحالي ارتفع إلى أعلى معدل منذ عام 2016، بما يزيد على 403 آلاف عملية عبور غير نظامي شهدتها دول الاتحاد في ثلاثة أشهر فقط، أغلبها لسوريين وعراقيين وأفغان، وذلك بزيادة 57 في المئة مقارنة بالفترة نفسها من عام 2021. هذه الأعداد لا تشمل الأوكرانيين الذين لا يتم إدماجهم في إحصاءات العبور غير النظامي!

الأعداد تتضاعف

أما من حاولوا عبور "بحر المانش" من فرنسا صوب بريطانيا فقد تضاعف عددهم ثلاث مرات تقريباً في الأشهر الثلاثة الأولى من العام الحالي، إذ بلغ عدد حالات العبور 8900 حالة، ومنعت السلطات البريطانية عبور نصفهم تقريباً.

السلطات البريطانية وجدت في ترحيل طالبي اللجوء إليها إلى رواندا في أفريقيا مخرجاً من أزمة قبول مزيد من المهاجرين واللاجئين بطرق غير شرعية. حالة الجدل الشديد والشد والجذب في بريطانيا بين مؤيد على استحياء ومعارض من منطلق حقوقي لترحيل طالبي اللجوء خارج بريطانيا، ووضعية الكر الحقوقي والفر الجدلي بين المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي حظرت هذا القرار، ووزراء بريطانيين يحاولون الالتفاف "القانوني" على الحظر لتيسير المضي قدماً فيه، جميعها يشير إلى أزمة كبرى في منظومة اللجوء والهجرة.

قبل أيام قليلة، قالت "المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين" إن مستويات النزوح في العالم تسجل رقماً قياسياً ومتوجهة اتجاهاً تصاعدياً استمر لعقد كامل. وارتفع عدد الأشخاص المجبرين على الفرار من بيوتهم كل عام على مدار العقد الماضي، ليبلغ أعلى مستوى له منذ بدء العمل بالسجلات، وهو منحى لا يمكن عكس اتجاهه إلا بتحقيق السلام وتقليص الحروب والصراعات.

عنف واضطهاد وموت عطشاً

عدد المهجرين جراء الحروب والعنف والاضطهاد وانتهاكات حقوق الإنسان في نهاية العام الماضي نحو 89.3 مليون شخص، بزيادة 8 في المئة عن عام 2020، وهو أكثر من ضعف الرقم الذي كان عليه قبل عقد. الأعداد المليونية لم تتوقف، وعداد الهجرة واللجوء لم يهدأ، فقد أدت حرب روسيا في أوكرانيا إلى أكبر أزمة نزوح قسري منذ الحرب العالمية الثانية بحسب المفوضية، مضاف إليها حالات الطوارئ بين حين وآخر التي تدفع ببضعة آلاف كل أسبوع أو أسبوعين من أفريقيا أو أفغانستان أو غيرهما.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبذلك ينتصف العام الحالي و100 مليون شخص على ظهر المعمورة في حالة لجوء أو هروب أو نزوح داخلي أو خارجي. ولم لا؟ و23 دولة تعداد سكانها 850 مليون شخص تعاني صراعات شديدة أو متوسطة، وندرة الغذاء تلوح في الأفق، ومجاعات دقت أبواب ودخلت بالفعل في دول مثل الصومال، وأزمة المناخ تتربص بالجميع، والتضخم في أغلب دول العالم، ومن ثم معاناة أكبر وضغوط أعمق وموجات هجرة ونزوج ولجوء لا يتوقع لها أن تهدأ.

قبل نحو سبعة أعوام، أكد بحث أجرته "جامعة أمستردام الحرة" أن معظم المهاجرين الذين لقوا حتفهم أثناء سعيهم لحياة أفضل في القارة الأوروبية على مدار ربع قرن اختفوا دون أن يتركوا أثراً يدل عليهم، ولم تستدل على جثامينهم.

لكن قبل أيام قليلة، عثرت فرق الإسعاف في مدينة الكفرة الليبية على جثامين 20 شخصاً في الصحراء أغلبهم مهاجرون لم ينجوا في رحلة البحث عن مهرب، الجثامين عثر عليها في داخل شاحنة صغيرة، ويبدو أنهم لقوا حفتهم عطشاً بعد أن تعطلت السيارة في عرض الصحراء.

"جيو بارنتس"

المؤكد أن ليبيا أصبحت على مدار سنوات الخلل الأمني التي يزيد على عقد كامل، ونقطة انطلاق لآلاف المهاجرين الراغبين في عبور المتوسط شمالاً. في أبريل الماضي، قالت "منظمة الهجرة الدولية" إن ما لا يقل عن 485 مهاجراً فقدوا حياتهم خلال محاولات عبور المتوسط من ليبيا. ولا يكاد يمر يوم أو يومان دون إعلان غرق مركب بحمولته البشرية من المهاجرين، أو فقدان العشرات في عرض الصحراء أو في عرض البحر. وقبل أيام قليلة، شهد فريق البحث والإنقاذ على متن "جيو بارنتس" (سفينة إنقاذ تابعة للمنظمة وترسو في البحر المتوسط) مأساة في عرض المتوسط بعد فقدان 22 مهاجراً كانوا على ظهر قارب مطاطي في عرض المتوسط، وتوفيت سيدة حامل بعد فشل جهود إنقاذها. وعلى الرغم من أن فرقاً من "أطباء بلا حدود" الموجودة على ظهر "جيو بارنتس" نجحت في إنقاذ 71 شخصاً آخرين، إلا أن قائد فريق البحث والإنقاذ على متن سفينة "جيو بارنتس" ريكاردو غاتي قال "كنا شهوداً على أسوأ كوابيسنا التي تتحول واقعاً أمام أعيننا. تسربت المياه إلى القارب وحاصرت عشرات الأشخاص".

وقالت قائدة الفريق الطبي في "أطباء بلا حدود" ستيفاني هوفستيتر "إن الناجين منهكون، ابتلع كثيرون كميات كبيرة من مياه البحر وعانى عديد من الأشخاص انخفاض حرارة الجسم بعد قضاء ساعات طويلة في الماء، كذلك يعاني ما لا يقل عن عشرة أشخاص معظمهم من النساء حروقاً متوسطة وشديدة سببها الوقود".

البحر المتوسط أصبح أحد أخطر طرق الهجرة في العالم، ويكفي أنه – بحسب أرقام "أطباء بلا حدود" - ابتلع 24 ألفاً و184 مهاجراً منذ عام 2014، والعداد مستمر.

وعلى الرغم من استمرار مسار خط الهجرة واللجوء من وعبر المغرب صوب إسبانيا منذ عقود، إلا أن الأضواء مسلطة عليه هذه الآونة بعد أن فقدت عشرات الأرواح قبل أيام أثناء محاولات عبور السياج الحدودي بين الناظور في المغرب ومليلية في إسبانيا.

قاعدة آخذة في التوسع

وتتمدد قاعد الهجرة غير الشرعية ويقع مئات الضحايا في أماكن عدة، من الولايات المتحدة الأميركية حيث قضى 46 مهاجراً بسبب العطش والجفاف في حافلة أغلقت عليهم في تكساس، إلى المئات الذين غرقوا في أثناء محاولة عبور بحر المانش باتجاه بريطانيا، إلى المئات الذين يلقون حفتهم برداً بين الحدود الأوروبية في الشتاء، لكن تظل المنطقة العربية بؤرة منشأ وعبور ومقصد للهجرة الدولية والنزوح القسري.

في عام 2020 وحده، استضافت دول عربية نحو 41.1 مليون مهاجر، وكانت منشأً لـ32.8 مليون مهاجر منها. وبحسب "تقرير حالة الهجرة الدولية" لعام 2021 والصادر عن عدد من المنظمات التابعة للأمم المتحدة، فإن ثلث المهاجرين في المنطقة العربية في عام 2020 كانوا نساء، وأكثر من ثلثي المهاجرين في المنطقة في سن العمل.

الهجرة واللجوء والنزوح والهروب العربي، ومن ثم الغرق في عرض البحر والموت عطشاً في وسط الصحراء والوقوع فريسة لعصابات الاتجار في البشر والمتاجرة بحلم النجاة من صراع أو البحث عن حياة أفضل، وربما البحث عن حياة أصلاً، تظل أحداثاً وشؤوناً لصيقة بالمنطقة العربية. لماذا؟ لأن أسباب الهجرة ودوافع اللجوء ومحركات الهروب تظل موجودة.

تقول الباحثة يارا عاصي في ورقة عنوانها "الصدع الذي لا يمكن علاجه في المنفى: محنة اللاجئين العرب" إن غالبية اللاجئين من الدول العربية لم يغادروا ديارهم بسبب المخاوف الاقتصادية أو الكوارث الطبيعية، لكنهم فروا بدلاً من ذلك لأسباب سياسية، لا سيما هشاشة الدولة والصراع. وتشير إلى أن نسبة كبيرة من اللاجئين الذين تم تقييم أوضاعهم في الدراسة يقولون إنه لا يوجد وطن بالمعنى المعروف يمكنهم العودة إليه، كما لا يوجد اقتصاد فعال يضمن حياة معقولة، ولا ضمان للسلامة الجسدية.

استمرار الصراعات والقلاقل في عدد من الدول العربية مثل العراق وسوريا واليمن وليبيا، يعني استمرار محاولات الهجرة بغض النظر عن تسمياتها المختلفة، ودون النظر إلى احتمالات الموت أو النجاح التي تكاد تكون متساوية. كما أن الأوضاع الاقتصادية الآخذة في التأزم، سواء بسبب الصراعات وعدم الاستقرار أو الفساد في بعض الدول، والوباء وحرب روسيا في أوكرانيا وتقطع السبل بكثيرين تشير إلى تزايد أعداد الباحثين عن حياة أفضل اقتصادياً.

استمرار الصراع

من جهة أخرى، فإن استمرار الصراع في الدول لا يعني توقف النزوح والهجرة واللجوء منها، يعني فقط توقف تسليط الضوء عليها، وليس أدل على ذلك من مأساة سوريا والسوريين، فبعد مرور 11 عاماً على اندلاع الصراع السوري، ما زال ملايين النازحين واللاجئين السوريين يعانون بشدة داخل سوريا وخارجها.

المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين لفتت الانتباه هذا العام لحقيقة أن الغالبية المطلقة من اللاجئين السوريين في المنطقة العربية تعيش في فقر، وأن الآفاق المستقبلية لا تدعو إلى التفاؤل لا سيما للأكثر ضعفاً، مثل الأمهات غير المتزوجات والأطفال من دون ذويهم وذوي الإعاقة. وفي لبنان، فإن أوضاعهم بالغة الصعوبة، إذ ما يزيد على 90 في المئة من السوريين يعيشون في فقر مدقع، ويضطر الأطفال إلى الخروج من المدرسة للعمل، كما أن نسبة الزواج المبكر آخذة في الزيادة.

ولا تزال سوريا أضخم أزمة نزوح في العالم، حيث ما يزيد على 13 مليون سوري إما فروا خارج البلاد أو نزحوا من مكان إلى آخر في داخل سوريا.

كون الصراع سمة المنطقة وعدم الاستقرار لصيقاً بها والأوضاع الاقتصادية صعبة ومتذبذبة، مع شبح الأزمات المناخية يلوح في الأفق، يعني أن كثيرين في المنطقة العربية يجدون أنفسهم إما مضطرين للجوء والنزوح أو يفكرون في الهروب، وهم يعلمون أنهم ربما يهربون من مقلاة الخطر والفقر إلى نيران الغرق أو العطش أو النقل إلى رواندا أو الترحيل إلى المقلاة مجدداً.