Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

كيف بدل شابلن مشروعه عن نابوليون إلى فيلم عن دكتاتورية هتلر؟

السينما تخذل الكورسيكي من تجديدات غانس إلى حلم كوبريك التاريخي وخيال الصعلوك

شارلي شابلن في "الدكتاتور الكبير" (1940) (موقع الفيلم)

كم يبلغ عدد الأفلام السينمائية ثم التلفزيونية بعد ذلك التي كرستها فنون الصورة للحديث عن نابوليون بونابرت؟ يصعب التحديد في الحقيقة وربما يمكن الحديث عن مئات الأفلام بين مشاريع تحققت وأخرى لم تتحقق. بين مشاريع جدية ضخمة ومشاريع أقل ضخامة. لكن الذي لا شك فيه هو أن عدداً كبيراً من المخرجين السينمائيين وبعد ذلك التلفزيونيين فكروا ذات لحظة وأكثر خلال مسارهم الإنتاجي بتحقيق عمل ما عن ذلك الجنرال الكورسيكي القصير الذي تمكن من أن يجعل من نفسه واحداً من الأساطير العسكرية في تاريخ العالم. ونعرف أنه منذ المشروع الأضخم والأغرب حول نابوليون في السينما الذي حققه السينمائي الفرنسي آبيل غانس ليعرض في عام 1929 ويثير من الدهشة والفضول أكثر كثيراً من إثارته الإعجاب والتحبيذ، بخاصة بسبب ضروب جرأته التقنية، وحتى فيلم "وداعاً بونابرت" للمخرج المصري الراحل يوسف شاهين، أواسط سنوات الثمانين سيبقى الأشهر بين المشاريع السينمائية المتحدثة عن نابوليون بونابرت، ذلك المشروع المدهش الذي... لم يحققه السينمائي الأميركي ستانلي كوبريك مع أنه كان طوال العقود الأخيرة من حياته، حلمه الأكبر.

كتاب عملاق عن فيلم موءود

طبعاً لسنا هنا في مجال الحديث عن الأسباب التي حالت دون تحوله من حلم إلى فيلم، فهي كثيرة وتحتاج مجلدات وساعات من الصبر والتأني، لكن ما يمكن قوله هنا هو أن ما يبقى من الفيلم كونه تجسد في نهاية الأمر في حلم لا يزال يداعب مخيلات كثيرة، ولكن أكثر من ذلك كونه بات يعيش داخل مجلد ضخم يصل عدد صفحاته إلى نحو ألف صفحة من الحجم الموسوعي أصدرته دار النشر الألمانية "طاشن" في ما لايقل عن أربع لغات ليبقى ذلك الحلم الكوبريكي حياً إلى الأبد بالطريقة التي اشتغل عليه بها مبدعه كوبريك طوال دزينة من السنوات، بحثاً وجمعاً وتحديداً للملابس وأماكن التصوير واختيارات للفصول التي يمكن لساعتين سينمائيتين أن ترويانها عن حياة تلك الشخصية الاستثنائية. ولعلنا لا نكون مغالين إن أشرنا إلى أن هذا المجلد يعد أضخم كتاب نشر عن السينما، أو على الأقل واحداً من تلك الكتب التي اعتادت الدار نفسها إصدارها عن الفن السابع. لكنه قد يكون أعظم كتاب في التاريخ صدر عن فيلم... لم ير النور. وربما لن يقيض له أن يراه أبداً. ومع ذلك ليس كتاب كوبريك عن مشروع نابوليون هو موضوعنا هنا. بل هو مجرد مدخل لموضوع قريب منه لكنه مختلف عنه. بل هو موضوع عن "حلم نابوليوني" آخر داعب يوماً مخيلة سينمائي كبير آخر، لكنه ظل حلماً كحال حلم كوبريك، تقريباً. فلماذ تقريباً؟ بالتحديد لأن هذا المشروع الآخر وجد لنفسه مصيراً آخرا يدعو إلى الدهشة والاستغراب بالتأكيد.

 

شابلن على الخط

السينمائي الكبير الآخر الذي نتحدث عنه هنا هو تشارلي شابلن. فهو بدوره وحتى قبل انغماس زميله كوبريك في حلمه النابوليوني الخاص بما يقرب من نصف قرن، حلم هو الآخر بتحقيق فيلم عن نابوليون يقوم هو فيه بدور القائد الفرنسي. لكن مشروع شابلن بدا أقل طموحاً بكثير وربما أكثر ارتباطاً بشخصيته "الصعلوك" منه بالتاريخ المعروف للقائد العسكري. بل لعل في إمكاننا أن نقول هنا إن ما كان شابلن يحاول أن يحققه لم يكن أكثر من فيلم بسيط، صامت بالطبع (فنحن كنا لا نزال في عام 1922 أي قبل ظهور السينما الصامتة بنصف دزينة من السنوات). كان مشروعاً يحاول فيه شابلن أن يغوص في موضوع تاريخي دون أن يتخلى عن شخصية الصعلوك التي كانت وراء شهرته ومجده في ذلك الحين. بل أكثر من ذلك، كان شابلن يتطلع لأن يعطي حيزاً في الفيلم لشخصية جوزفين يفوق ما يعطيه لشخصية نابوليونه. ففي ذلك الوقت كانت علاقته عميقة مع نجمة حياته وأفلامه إدنا بورفيانس. وربما يكون قد صاغ المشروع كله كي يجعل منها على الشاشة تلك المرأة التي اشتهرت بأنها قهرت القائد وهو في عز جبروته!

تأجيل منطقي ونتيجة غريبة

المهم أن شابلن من جراء انهماكه في تنفيذ مشاريع سينمائية أخرى له في ذلك الحين أجل البدء في تحقيق نابوليون سنوات قليلة بوغت بعدها بالحديث الصاخب عن مشروع الفرنسي غانس حول ذلك الموضوع. فعاد ونحاه جانباً سنوات عديدة أخرى. وتحديداً حتى  عام 1934 حين، على إثر الفشل الكبير تجارياً على الأقل، الذي كان من نصيب "نابوليون" غانس عاد محاولاً إحياء المشروع من جديد. ولكن الآن لم يعد هناك طغيان لجوزفين على الفيلم. فشابلن كان قد انفصل عن إدنا وبات من المنطقي أن يحول نجمته في تلك السنوات بوليت غودار إلى امرأة للقائد أقل حضوراً. ثم إن مشروعه عن نابوليون صار الآن أقل من مشروع سيرة سينمائية للقائد الفرنسي. صار فيلماً يدور من حول وجود نابوليون في جزيرة سانت هيلانة وعودته منها بتواطؤ أعاده إلى السلطة ولو لفترة يسيرة كما نعرف. وهكذا في عام 1937 صار هناك بين يدي شابلن سيناريو جديد كتبه مع آلستير كوك ثم دعا جون ستراتشي إلى إحداث تبديلات فيه بغية الانطلاق في تصويره بعنوان "عودة نابوليون من سانت هيلانة". والحقيقة أن السيناريو الجديد لم يعد فائق الاهتمام بما جرى لنابوليون أو بذلك الجزء الأخير من سيرته. كل ما في الأمر أن فنان السينما الكبير تخيل هذه المرة حكاية خيالية تماماً تتحدث عن تمكن نابوليون من الفرار من معتقله في الجزيرة التي كان نفي إليها بمساعدة صعلوك يشبهه تماماً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من الثوري إلى الدكتاتور

مهما يكن لا بد من الإشارة هنا إلى أن غاية شابلن من ذلك المشروع "النابوليوني" الجديد هذا لم تكن تاريخية بقدر ما كانت تستهدف الحديث مواربة، وسط الصعود القميء للنازية وهتلرها خلال تلك السنوات، عن أفكار تجابه الصعود النازي والنزعات غير الإنسانية لذلك الصعود وللدكتاتور السفاح الذ سيكون شابلن واحداً من أكبر مناوئيه في "هوليوود" وسيدفع ثمن ذلك ليمين أميركي كان يترصده للانقضاض عليه. بيد أن تلك الفرصة لم تسنح لذلك اليمين الفاشي الأميركي بسبب مشروع نابوليون وهروب هذا المتخيل بمعاونة شبيه له من سانت هيلانه، بل لأن شابلن في ذلك الحين بالذات وفيما كان يريد الشروع في تحقيق الفيلم سأل نفسه كما يبدو، لماذا المواربة؟ ولماذا نابوليون؟ لم لا نجابه المسألة من طريق صاحب العلاقة نفسه؟ وهكذا بدلاً من أن يجعل شابلن من مشروعه السابق عملاً محملاً بأفكار تدعو إلى الديمقراطية والتقدم من طريق السجال من حول المشاريع النابوليونية نفسها كما كان يريد أن يفعل أول الأمر، عكس الآية تماماً، جعل فيلماً جديداً له يحكي ما يماثل حكاية السيناريو السابق مركزاً على فكرة الشبيه التي كانت قد فتنته، ولكن مع إعطاء "البطولة" هذه المرة إلى هتلر بصورة تكاد تكون مباشرة. وعلى هذا النحو تحول المشروع إلى فيلم "الدكتاتور الكبير" الذي أنجزه شابلن ومثل فيه كما نعرف دور الدكتاتور ودور الحلاق اليهودي الشبيه في آن معاً بسرعة قياسية ليعرض في عام 1940. ويحقق النجاح المدوي الذي نعرف، ولكن ليتسبب في الوقت نفسه بتسهيل مهمة الفاشيين الذين تحججوا بالفيلم معتبرينه "تدخلاً في الشؤون الخارجية لدولة أجنبية" متسببين لاحقاً بالطلاق بين شابلن وأميركا. ولكن هذه حكاية أخرى بالطبع.

وتدور الدائرة!

حكايتنا هنا تكتفي بالحديث إذاً عن كيف حول شابلن نابوليونه إلى هتلر، وكيف ولد فيلمه البديع "الدكتاتور الكبير" على أنقاض ذلك المشروع، علماً بأنه لم يتبق في نهاية الأمر من بين كل متعلقات "عودة نابوليون من سانت هيلانة" سوى صورة وحيدة تمثل شابلن متنكراً في ثياب نابوليون اعتقد كثر أنها مأخوذة من حفلة تنكرية. أما الحكاية نفسها التي تخيلها شابلن ليبني عليها مشروعه المجهض فلسوف يستحوذ عليها لاحقاً الكاتب الفرنسي سيمون ليس وينشرها في عام 1986 كرواية بعنوان "موت نابوليون" ستتحول في عام 2002 إلى فيلم سينمائي بعنوان "ثياب الإمبراطور" مرت عروضه مرور الكرام دون أن يلفت الأنظار حقاً على الرغم من أن من لعب فيه دور الإمبراطور كان الممثل إيان هولم الذي كان كوبريك قد اختاره ليلعب الدور في فيلمه هو عن نابوليون!.

المزيد من ثقافة