السودان... تحالفات جديدة تعيد التوازن إلى المشهد السياسي

الصادق المهدي يدعو إلى "بروسترويكا" في القوى السياسية التاريخية والعقائدية

يعيش السودان واقعاً جديداً وتغييراً في المشهد السياسي بظهور قوى سياسية وتحالفات جديدة، بعد عزل الرئيس عمر البشير في أبريل (نيسان) الماضي، ما يرجح تغييراً في الخريطة السياسية في الانتخابات المقبلة.

عبثية المشهد

يميل المشهد السياسي في السودان إلى العبثية. فالقوى السياسية التي تملك ثقلاً جماهيرياً وفق أوزانها التاريخية، صارت تيارات متنافرة بعدما تشظت وتشققت وتراجع دورها وتأثيرها.

ونظرة إلى القوى التي حصدت أكبر عدد من المقاعد في آخر انتخابات جرت في العهد الديمقراطي في عام 1986 تختزل المشهد. فحزب الأمة، بزعامة الصادق المهدي الذي نال أكبر كتلة برلمانية آنذاك، صار اليوم ستة تيارات. ومثله غريمه الحزب الاتحادي الديمقراطي والتيار الإسلامي على الرغم من صعوده إلى الحكم قبل أن تزيحه الثورة عن السلطة في أبريل الماضي.

أما الحركات المسلحة، فقد ضربت الرقم القياسي في التشظي والتشرذم، الذي هزها بقوة خلال 13 عاماً، فتحولت من حركتين إلى 50 حركة، 38 منها اختارت الحوار الوطني وتحالفت مع نظام البشير، فيما لا تزال 12 ترفض التقارب مع الحكومة.

ومن خلال استعراض أسماء هذه الحركات، يتبين أن عشراً منها انشقت من "حركة تحرير السودان"، فيما انفصل 14 تياراً عن "حركة العدل والمساواة"، وهي أرقام توضح حجم الأزمة التي تعيشها البلاد.

ويبلغ عدد الأحزاب والحركات المسلحة في البلاد 152 تنظيماً سياسياً ومسلحاً، رقمٌ يتجاوز عدد الأحزاب في بلدان الاتحاد الأوروبي مجتمعة.

مخاطر الانقسامات

ظاهرة الانقسامات ليست جديدة. فالحركة الوطنية منذ نشأتها الأولى شهدت انقسامات وخلافات داخل الأحزاب السياسية الشمالية والجنوبية، وسببها سياسة "فرق تسد" التي اتبعها الحكم الاستعماري البريطاني.

وحديثاً، كانت للانشطارات الحزبية آثار مدمرة في مسيرة الحياة الديمقراطية، إذ أسهمت في إطاحة ثلاث تجارب تعددية سياسية، وأضعفت النسيج القومي والبناء الوطني وشلت الحركة السياسية، ما أحدث فراغاً عريضاً تلعب في مسرحه القبلية والجهوية ومجموعات متطرفة تحاول التمدد في غياب الآخرين وانشغالهم بمعارك صغيرة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويعتقد باحثون أن أخطر ما يشهده المسرح السياسي هو تنامي النزاعات الجهوية داخل الأحزاب على حساب الانتماء الحزبي والالتزام السياسي القومي، ما أدى إلى أن تصبح هذه التكتلات الحزبية كأنها منابر مستقلة داخل الأحزاب، ونشوء أحزاب وتنظيمات ذات خلفيات جهوية ومناطقية وعائلية تدار على طريقة شيخ الطريقة أو زعيم العشيرة.

 المحلل السياسي عثمان سالم رأى أن ما يتطلب دراسة ومراجعات من مراكز البحث والتفكير هو عزوف الشباب عن النشاط السياسي واعتزال الأحزاب، إذ إن من يشاركون في انتخابات اتحادات الطلاب في الجامعات الكبيرة في البلاد لم يتجاوزوا 10 في المئة. كما أن تحليل الانتخابات البرلمانية التي جرت عام 2015، يشير إلى أن غالبية المقترعين يحددون خياراتهم وفقاً للشخص المرشح، وليس برنامج حزبه أو مواقفه السياسية.

ودعا القوى السياسية، خصوصاً ذات الإرث والأثر الأكبر في الساحة، إلى مراجعة دورها وترتيب أوراقها لتقديم نفسها بطريقة تحقق إصلاحاً. فالتحول الديمقراطي لا يتم من فراغ وبقوى ضعيفة بائسة بلا كوادر أو قاعدة شعبية.

تحالفات جديدة

شهدت الساحة السياسية خلال الشهرين الماضيين ظهور تحالفات ونشوء قوى جديدة. فبعدما كانت قوى الحرية والتغيير التي تضم خمسة تكتلات ومكونات مدنية ومجتمعية ممثلة للحراك، تهيمن على المشهد، ظهرت تحالفات جديدة من قوى سياسية أبرزها تحالف القوى الوطنية الذي يضم سبع كتل سياسية بداخلها 21 حزباً، وتحالف نهضة السودان الذي يضم قوى إقليمية كبيرة، وتحالف السلام والعدالة المتحدة الذي يضم أحزاباً عديدة لم تكن مشاركة في الحكومات السابقة. 

في هذا السياق، اعتبر الباحث السياسي عوض بابكر أن ظهور كتل جديدة سيؤثر في المشهد بصورة كبيرة، كما سيسهم في خلق توازن سياسي، ويوجه رسائل إلى المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير بأن هنالك قوى سياسية أخرى لديها تجربة كبيرة، ويساعد في تهيئة البيئة السياسية ورسم المشهد بشكل أفضل مما كان عليه في السابق.  

في المقابل، رأى مراقبون أن اتساع الخلاف بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير، أسهم بصورة كبيرة في إنتاج حالة فراغ أدت إلى بروز تحالفات جديدة. فيما أعرب آخرون عن اعتقادهم بأن التحالفات الجديدة اقتضتها ضرورات المرحلة التي تحتم دخول القوى السياسية في تجمعات وتحالفات، خصوصاً أنه ما من حزب الآن يستطيع أن يهيمن على الساحة بمفرده.

وكان زعيم حزب الأمة الصادق المهدي دعا في وقت سابق الى "بروسترويكا" في القوى السياسية التاريخية والعقائدية وإعادة هيكلة نفسها، واقترح دمجها في ثلاث تيارات تطرح نفسها على الشعب بشكل جديد: الأول تأصيلي (اليمين) والثاني تحديثي (اليسار) والآخر يُعنى بالتأصيل والتحديث (الوسط).