Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

قوة الكلمة... حكاية عن الجموح والنصر والكارثة

سيرة النادل الأميركي الذي صار نائباً لرئيس التحرير تكشف قيام وانهيار دولة الصحافة

كثير مما في هذه السيرة يمنح القارئ صورة حية التفاصيل لعالم النخبة الإعلامية والفنية والأدبية في أميركا (أ ف ب)

في أبريل (نيسان) من عام 1994، بلغ دانا براون الحادية والعشرين من العمر، فوقع في حياته حدث يشبهه بحصول من يبلغون هذه السن في العصور الوسطى على مفاتيح بيوت ذويهم اعترافاً بأهليتهم لهذه المسؤولية. حصل براون على وظيفة في "فانيتي فير"، وهي مجلة أميركية شهرية متخصصة في الثقافة الشعبية والموضة والأحداث الجارية، تصدر عن مؤسسة "كوندي ناست" التي تمتلك عدداً من الإصدارات المهمة، ومنها مجلة "ذي نيويوركر" نفسها على سبيل المثال.

كان النادل دانا براون واقفاً وراء النضد في حانة، يخلط مكونات شراب ما، حينما التقطته عين غرايدن كارتر، رئيس تحرير "فانيتي فير" منذ 1992 وحتى 2017، ليتحول في غمضة عين من نادل إلى مساعد محرر.

قوة الكلمة وطاقة الحكي

في كتابه السيري "الهاوي: حكايات حقيقية عن الجموح والنصر والكارثة"، الصادر من دار "بالانتين بوكس" (Ballantine Books) في مئتين وثمان وثمانين صفحة، لا يحكي دانا براون قصته فحسب، وإن تكن قصة نجاح أو صعود أميركية مثالية (فقد انتهى إلى تولي منصب نائب رئيس تحرير "فانيتي فير")، ولكنه يتجاوزها إلى حكي ما يرقى إلى قصيدة رثاء طويلة لعصر كامل، بكل مآثره ومخازيه، أو لعلها، بما أننا استدعينا عالم الشعر، وقفة على ما بقي من أطلال عصر المجلات الذهبي.

يقول كيفين لوزانو في استعراضه للكتاب، "ذي نيشن" 12 يوليو (تموز)، إن من يقرؤه يرى "شخصاً يروي قصة هذه الفترة الذهبية، ويصعب عليه ألا يشعر بأنه يقرأ نعياً".

ويمضي كيفين لوزانو فيقول إن سيرة براون التي يسجلها في "الهاوي" لا تكاد تختلف في وقعها عن "تاريخ قيام وانهيار الإمبراطورية الرومانية" لولا أن "الهاوي" يصور قيام وانهيار محرري المجلات الأميركية الكبرى بكل ما كان لهم من سطوة، وبكل ما امتلأت به حياتهم من بريق.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

يقول براون في مقدمة سيرته، "هذا كتاب عن صعود وسقوط حضارة عظيمة. وعن قصة رحلتي الشخصية عبر خصوبة هذا المشهد أو المستنقع. هو جزئياً سيرة، وجزئياً تاريخ اجتماعي، وجزئياً استقصاء صحافي ونقد ثقافي. هو رثاء واحتفاء، سيرة ونعي، وشاهد قبر عصر كامل".

في مطلع حياته، كان براون يقيم في "إيست فيلدج" بحي منهاتن، بشقة وضيعة ينافس نحول جدرانها نحول "طرقات (البناية) التي يتسكع فيها المدمنون". كان آنذاك قد ترك الكلية من دون إكمال دراسته، وصار يعيش على خمسمئة دولار في الشهر. يقول "لم تكن لدي خطط للمستقبل، ولا كنت أفكر أدنى تفكير في الانتظام بوظيفة. ولم يكن العمل في مجلة بالأمر الذي أطمح إليه أو الذي كنت مجهزاً له".

ثم سنحت له فرصة العمل في "فانيتي فير"، يضيف براون "لم يكن بوسعي رفضها، فظننت أنني قد أتشبث بها لنحو سنتين إن أمكنني المضي حتى ذلك المدى، وأصبحت تلك في نهاية المطاف هي حياتي، وباتت قاعات بناية (كوندي ناست) القائمة بجادة ماديسن بداية رحلتي إلى الرشد، وبداية مسيرتي المهنية التي قدر لها أن تستمر لربع قرن. تعلمت كثيراً خلال تلك الفترة عن الكتابة والصحافة والثقافة والإعلام والبريق والحنين، ولعل أهم ما تعلمته هو ما تعلمته عن قوة الكلمات وأهمية الحكي".

تحت قدمي كارتر

بدأ براون العمل مساعداً شخصياً وأميناً موثوقاً لسر مكتشفه غرايدن كارتر سنة 1994، وفي الفترة الممتدة حتى فصله من العمل سنة 2018، انتقل إلى أن أصبح من فريق كبار محرري المجلة، وبات يعمل مع كبار الكتاب المتعاملين معها. ولا تتناول أغلبية الكتاب الساحقة سنوات براون الأخيرة نائباً لرئيس التحرير، وإنما بداياته العصيبة التي استطاع التغلب على مشاقها بالعمل بجدية فاقت أغلب زملائه. والحق أنه يبدو واضحاً منذ بداية الكتاب أن سر نجاح براون كان يكمن في ولائه لا في حرفته (فهو في النهاية "الهاوي")، فقد ظل دائماً تحت قدمي غرايدن كارتر، يلبي احتياجاته ويجل قدراته وينظر في انبهار إلى مواهبه. يقول براون "في اللحظة التي تولى فيها رئاسة تحرير (فانيتي فير) أصبح غرايدن أحد أهم المحررين في نيويورك وأميركا وأوسعهم نفوذاً، فهو صانع الملوك في صناعة النشر".

لكن كيف كانت البداية حقاً؟ وما الذي حول شاباً أميركياً غير متعلم تعليماً جامعياً من نادل إلى محرر؟ في الفصل الخامس من هذه السيرة يحكي براون ما قد يكون إجابة كافية. فيقول إن غرايدن كارتر قال له في مقابلة التوظيف، "السبب الذي جعلني راغباً في الحديث معك أنني انتبهت إليك في تلك الحفلات، طريقتك في التفاعل مع الناس، احترامك وتواضعك، جديتك في العمل، حملك رأساً جيداً على كتفيك، نباهتك، أنت أذكى مما تتصور عن نفسك، وسريع في التقاط ما حولك".

براون يضيف، "ذهلت، ليس فقط لأنه انتبه لي، بل لأن ذلك كان ألطف ما قاله لي شخص حتى ذلك الحين، بدا أنه أبصر في شخصي ما لم يبصره قبله شخص آخر".

 

 

قال كارتر إن "الموارد البشرية تظل تبعث لي مرشحين للعمل من خريجي هارفرد وبرينستن وكولمبيا، وهم دارسو صحافة، وقد عينت بعض هؤلاء الأولاد من قبل، ومؤكد أن بعضهم جيد للغاية. وبعضهم كان ممتازاً، لكنني طالما أحسست أنهم يرون الوظيفة أدنى منهم، وأنهم كانوا يتصورون أنهم أتوا ليكتبوا مواد صحافية، لا أن يحضروا لي القهوة ويكتبوا بالنيابة عني رسائل الشكر ويملأوا لي الاستمارات. لم تكن لديهم هذه المهارات التي رأيتها فيك خلال المرات القليلة التي احتككت فيها بك".

وختم كارتر، مخاطباً دانا، "(الصحافة) عمل عظيم، وإبداعي، وظريف، وبعيد كل البعد من الملل، وخدمة مهمة. ووعد مني، إذا عملت بجد وأخلصت في الانتباه يمكنك من خلال العمل معي سنوات قليلة أن تتعلم كل شيء يمكن أن تحتاج إليه يوماً ما. فما رأيك؟".

مؤكد أن "الهاوي" هو سيرة دانا براون الذاتية، لكن يبدو لي من المؤكد بالقدر نفسه أن الشخصية الأبرز والأكثر إثارة في نظر كثير من قراء هذا الكتاب لن تكون شخصيته هو، وإنما شخصية غرايدن كارتر الذي يظل قوة حاضرة في حياة براون، فهو الأب والمرشد والمعلم المبهر دائماً. ولا عجب أن يكتب براون في إهداء كتابه، "إلى آيمي وإيزي وأولي اللاتي علمنني الحب، وإلى غرايدن الذي علمني كل شيء سواه".

الرحلة إلى الهاوية

ارتقى براون من وظيفة المساعد الذي يرد على الهاتف ويرتب جدول مواعيد رئيسه، إلى محرر أخبار الغلاف الذي يعمل مباشرة مع نخبة النجوم الأميركيين ويجالسهم في حفلاتهم وسهراتهم، وهنا جانب مغر في "الهاوي" باعتباره رواية من قلب عالم النخبة الصحافية والفنية في أميركا، يلقي الضوء على نفوذ، بل سلطان، محرري المجلات في ذلك الزمن البعيد على قربه، "كان ذلك عصر المجلات المصقولة، ومحررو عالم المشاهير كانوا المتحكمين في الذوق، وناقلي الثقافة والأناقة إلى الجماهير المتعطشة إلى معرفة أحدث صرعات الثقافة والأناقة. هم الذين كانوا يحددون ما الجذاب (أو الكول بحسب التعبير المستعمل في الكتاب وفي بعض عامياتنا العربية على السواء) وما المهم، وما الضروري، وما يشق الطريق إلى صفحاتهم، وما الذي سيتكلم عنه الناس ويشاهدونه ويقرأونه ويرتدونه ويفكرون فيه".

قد يكون ذلك وقوعاً في فخ الإحساس بالأهمية الشخصية بحسب ما يقدر كيفين لوزانو، لكن الكتاب يبقى مهماً وممتعاً، لأن براون من موقع مساعد الملك، جالب القهوة لرئيسه، الواقف على الأبواب في الحفلات، الساهر في رعاية أبناء رئيس التحرير، يثبت أنه "مؤرخ قدير للبلاط" قادر على حكي القصة من زاوية لا ينتبه إليها متصدروها.

 

 

كثير مما في هذه السيرة يمنح القارئ صورة حية التفاصيل لعالم النخبة الإعلامية والفنية والأدبية في أميركا، نيويورك على وجه التحديد، وهي "قبلة الثقافة في العالم" بحسب تعبير براون، لكن تبين حيوية هذه الصورة يقتضي أيضاً إلماماً كبيراً بخلفيات تفاصيلها، وبخاصة لقارئ غير أميركي، وهو ما يجعل من "غوغل"، كعادته، خير رفيق لقارئ الكتاب، لكن حتى لمن لا يريد بذل هذا المجهود، يبقى أن الكتاب يقدم في عمومه، فضلاً عن قصة براون وشخصية كارتر، سرداً للحظات الأخيرة في حياة جانب من الصحافة بدا في عقود ذروته أنه قائم ليبقى براقاً إلى الأبد.

في استعراضه للكتاب بمجلة "فوربس"، 18 مايو (أيار) 2022، يكتب جون تامي أن أصعب فصول هذه السيرة على القارئ هي فصوله الختامية، ففيها يكتب براون ببراعة عن الجرف الشاهق الذي هوت من فوقه وسائل الإعلام التقليدية اعتباراً من عام 2011 حين تزايد استعمال "آيفون" و"فيسبوك" و"تويتر" تزايداً رهيباً.

ينقل تامي عن براون قوله إن مبيعات المجلات المماثلة لـ"فانيتي فير" في تسعينيات القرن الماضي كانت تتراوح بين ثلاثمئة وخمسين ألف نسخة وأربعمئة ألف، ثم استطاع "فيسبوك" أن يقدم للشركات خدمات إعلانية بتوجيه شديد الدقة إلى فئات معنية تماماً بالمنتجات، بل هو قادر أيضاً على أن يحدد للشركات هويات من يشاهدون إعلاناتها، في حين لم يكن العاملون في المجلات "من أهل البيانات" على حد تعبير براون.

نحو ديستوبيا افتراضية

بوسعنا أن نتصور تأثير هذه المنافسة غير المتكافئة. يقول براون "وبغتة صار من يبدعون المحتوى منا أقل أهمية من أولئك الذين تقوم وظيفتهم على العثور على جمهور لذلك المحتوى". يرى براون هذا التحول بوصفه مشكلة جيلية بقدر ما هي مشكلة اقتصادية، إذ اجتاحت مقر المجلة صفوف تلو صفوف من أولاد في العشرينيات من العمر، صامتين، على آذانهم السماعات، منكفئين على لوحات المفاتيح، وبات "مكان العمل الحديث ديستوبيا ديكنزية، أو دار حضانة للراشدين".

يكتب براون أن الصحافة الورقية كلها "كانت تأفل كنشاط اقتصادي قوي، وبات المستقبل للصحافة الرقمية". في عام 2017 قرر رئيس التحرير الأسطوري غرايدن كارتر أن يتقاعد، وإذا ببراون -مساعده الشخصي قديماً، ونادل الحانة قبل ذلك، والرجل الذي ظل لأكثر من عقدين يمارس العمل الصحافي بروح الهاوي أو الدخيل- يقرر أنه الشخص المناسب لخلافته. ولعل الحوار الذي دار بين الأستاذ والتلميذ حول الخلافة في آخر يوم عمل قبل تقاعد الأستاذ من أكثر ما يكشف عن شخصية كارتر المثيرة للإعجاب. قال الأخير "ستكون (الخلافة) معركة ضارية. وسوف يتحتم عليك، نوعاً ما، أن تدفعني أسفل الأتوبيس". ويكتب براون "كنت أعرف أنه محق، فقد كانوا (في كوندي ماست) يريدون الانتقال من عصر غرايدن كارتر. قلت له: أعلم ذلك".

كتب براون مذكرة عن مستقبل "فانيتي فير"، وعن ضرورة تقليص النفقات، وعن مزيد من الدمج بين فريقي التحرير الرقمي والورقي، وعن موارد جديدة للدخل، "وبحسب تعليماته، رميت غرايدن أسفل الأتوبيس، قلت إن المجلة فقدت اتصالها بالثقافة، وإن قراءها شاخوا، وإننا بحاجة إلى أن نصبح أكثر شباباً ومهارة رقمية"، لكن دونما جدوى.

 

 

فشل براون، ولم يتسن له الاحتفاظ بمكانه نائباً لرئيس التحرير، أو في أي منصب آخر داخل المجلة. يكتب "كنت أعرف أن ذلك قادم، ومع ذلك لم أكن مهيأ قط لأن أفقد وظيفتي. في لحظة تغير كل شيء. روتين الاستيقاظ، والاستحمام، وتمشية الكلب، واصطحاب الأولاد إلى المدرسة، والتقاط القهوة والجريدة، والقفز في المترو، والتوجه إلى المكتب، فجأة توقف. فماذا الآن؟".

ويضيف "في الخامسة والأربعين، كتبت سيرتي الذاتية للمرة الأولى، كان عليَّ أن أبحث في (غوغل) عن قالب للسيرة الذاتية. لم أدر ماذا أكتب تحت بند المهارات. لم يبد أن ثمة ما يغري في أن أكتب أنني جيد إلى حد ما في (ميكروسوفت) و(وورد 98)، أو أن ثمة طلباً على محرر في منتصف العمر بلا مهارات رقمية". ومع تهاوي ثقته في نفسه، تهاوت مدخراته أيضاً، ولم يبد صاعداً في حياته إلا شبح الاكتئاب.

حينما حول السيناريست المصري وحيد حامد بعض نمائم الوسطين الصحافي والفني في مصر إلى دراما تلفزيونية، كان من أبطاله في ذلك العمل أفاق عديم الموهبة الصحافية استطاع في غضون سنوات قليلة أن يصبح رئيس تحرير وصاحب "بيزنس" صحافي ناجح. كان على وحيد حامد أن يعنون مسلسله هذا بكليشيه "بدون ذكر أسماء"، لتبقى نمائم الوسط الصحافي نمائم في وسيطها الدرامي.

في المقابل، ها هو ذا أميركي بلا موهبة صحافية أو دراسة للصحافة يحكي قصة صعوده بنفسه، وبذكر الأسماء، سواء اسمه هو، أو اسم رئيس التحرير الأسطوري الذي ترعرع في ظله الكثيف إلى أن أصبح نائباً له. الحكاية هنا ليست نميمة، بل هي اعتراف مباشر من صاحبه، وكما أن للنميمة غوايتها المعروفة، فالاعتراف، مثلما يتبين من قراءة صفحات كتاب دان براون التي شارفت على الثلاثمئة، له هو الآخر غوايته وجاذبيته.

عنوان الكتاب: DILETTANTE: TRUE TALES OF EXCESS، TRIUMPH، AND DISASTER

تأليف: Dana Brown

الناشر: Ballantine Books

المزيد من كتب