Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"عقدة التمويل" تخنق الاقتصاد التونسي مع توسع مساحة الفقر

تفاقم الاضطراب المالي وصعود التضخم وتعثر الإصلاح ومحللون: البيروقراطية تعرقل جميع الخطط

واصلت نسبة التضخم صعودها خلال شهر يونيو 2022 لتبلغ مستوى 8.1 في المئة (أ ف ب)

يتصاعد عجز الميزان التجاري في تونس مع ارتفاع أسعار المواد الأولية بالأسواق العالمية والأغذية، فعلى الرغم من تحسن مؤشرات الصادرات من الصناعات المعملية والميكانيكية، تعمق عجز الميزان التجاري الغذائي ليصل في يونيو (حزيران) 2022 إلى 1.6 مليار دينار (516 مليون دولار) مقابل 806 ملايين دينار (260 مليون دولار) بحساب الانزلاق السنوي. وبذلك تراجعت نسبة التغطية إلى 67 في المئة مقابل 75.1 في المئة سنة 2021، وفق المرصد الوطني للفلاحة (حكومي).

وتسببت انعكاسات الحرب الأوكرانية في غلاء الأسعار واضطراب في الإمدادات وندرة بعض السلع، إذ تنامت قيمة واردات الحبوب بنسبة 48.6 في المئة، والسكر 141 في المئة، والزيوت النباتية 70 في المئة، وعجزت صادرات زيت الزيتون التي ارتفعت هذا الموسم بنسبة 34 في المئة عن تغطية هذه الزيادات، على الرغم من ارتفاع عائدات كميات زيت الزيتون المصدرة، خلال موسم 2021 - 2022، بنسبة 30.5 في المئة لتصل إلى 1.7 مليار دينار (548 مليون دولار).

وشهدت واردات الحبوب زيادة في الأسعار وصلت بالنسبة إلى القمح الصلب إلى 90 في المئة، والشعير 58.1 في المئة، والقمح اللين 55.1 في المئة، والذرة 44.3 في المئة، والسكر 47.3 في المئة، والزيوت النباتية 59.6 في المئة، مما كرس عجز الميزان التجاري لتونس مع نهاية السداسي الأول من السنة الراهنة، إذ زاد بنسبة 56.3 في المئة إلى 11.7 مليار دينار (3.77 مليار دولار) مقابل 7.5 مليار دينار (2.41 مليار دولار) سنة 2021.

وتراجعت قدرة تونس على تغطية وارداتها بالاعتماد على العملة الصعبة إلى 118 يوماً مقابل 138 يوماً خلال الفترة نفسها من 2021، على الرغم من ارتفاع قيمة الاحتياطيات إلى 23.7 مليار دينار (7.64 مليار دولار) وفق البنك المركزي.

وهبطت القدرة على التغطية بنحو 20 يوماً بحلول 15 يوليو (تموز) 2022، بعد أن بلغ سعر صرف الدولار الأميركي زهاء 3.18 دينار، بعد أن بلغ مستوى 2.8 دينار خلال الفترة نفسها من 2021. وفي المقابل تراجع سعر اليورو من 3.3 دينار في يوليو 2021 إلى 3.1 دينار. وناهز الحجم الإجمالي لإعادة التمويل زهاء 11.6 مليار دينار (3.7 مليار دولار).

ويواجه ميزان المدفوعات أزمة في ظل العجز عن العثور على تمويل لعجز ميزانية 2022 وقدره 9.2 مليار دينار (2.96 مليار دولار)، وعدم التمكن من تعبئة موارد خارجية بقيمة عشرة مليارات دينار (3.22 مليار دولار) لتسديد الديون التي حل أجلها هذه السنة.

في المقابل، تتزامن الصعوبات التي خلقتها الحرب الأوكرانية مع أزمة اقتصادية ومالية وسياسية خانقة، فقد أدت مستويات التضخم العالية ببلدان الاتحاد الأوروبي إلى تنامي التضخم لمستوى قياسي في تونس وصل إلى 8.1 في المئة، ما ينذر بضيق اجتماعي مع ارتفاع مساحة الفقر بالبلاد.

التضخم ومساحة الفقر

واصلت نسبة التضخم صعودها خلال شهر يونيو 2022 لتبلغ مستوى 8.1 في المئة بعد تسجيل نسبة 7.8 في المئة خلال مايو (أيار) و7.5 في المئة، أبريل (نيسان)، و7.2 في المئة، مارس (آذار)، بحسب المعهد الوطني للإحصاء (حكومي) بسبب تسارع نسق ارتفاع أسعار الأغذية والـتـجـهـيزات ومواد البناء والخدمات والمواد المصنعة والنسيج.

وتوقع البنك الدولي ازدياد نسبة الفقر في تونس إذا استمر ارتفاع الأسعار العالمية في الأشهر المتبقية من 2022 بالوتيرة نفسها، وفي حال استمر الدعم قائماً، فإن معدل الفقر سيزداد بمقدار 2.2 نقطة مئوية بالنظر إلى التقديرات التي تشير إلى أن زيادة الأسعار العالمية أدت إلى ارتفاع معدل الفقر في تونس بـ1.1 نقطة، وقد تم التخفيف من أثر ذلك على الأسر المعيشية من خلال دعم المواد الغذائية ومنتجات الطاقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرزح مليونان و500 ألف تونسي تحت خط الفقر. وأدت الأزمة الصحية إلى سقوط أكثر من 600 ألف آخرين تحت خط الفقر وفق البنك الدولي، وزاد الفقر بنسبة 21 في المئة من مجموع سكان تونس عام 2021 مقابل 15.5 في المئة سنة 2019. ومست الظاهرة المناطق الداخلية وبالتحديد الوسط والشمال الغربي الذي وعدت الحكومات السابقة بتطبيق التمييز الإيجابي به من دون تنفيذ ذلك. 

المانحون انتقدوا سياسة مكافحة الفقر ووصفوها بالعشوائية بسبب اعتماد توزيع المساعدات المالية الظرفية وعدم تكريس الإصلاحات اللازمة لتنمية المناطق الفقيرة. وأعلنت وزارة الشؤون الاجتماعية عن ارتفاع مستويات العوز الذي طاول ما بين 28 و30 في المئة من الأسر التونسية. بسبب تراجع مداخيل الأسر وارتفاع نسبة البطالة إلى 16.1 في المئة، وفق المعهد الوطني للإحصاء (حكومي).

الدعم ومعضلة الطاقة

تواصل تونس دعم جملة من المواد الاستهلاكية إضافة إلى الطاقة. وصرحت نائلة نويرة القنجي، وزيرة الصناعة والطاقة والمناجم، لـ"اندبندنت عربية"، قائلة إن حجم الدعم للمواد الطاقية في طريقه إلى تجاوز ستة مليارات دينار (1.93 مليار دولار)، والحال أن مقدار الدعم المحدد للطاقة بموازنة 2022 لا يتعدى 2.6 مليار دينار (838 مليون دولار)، بينما تبلغ قيمة الميزانية لمقدرة للمواد الطاقية 5.1 مليار دينار (1.64 مليار دولار)، مما يحتم دعم الانتقال الطاقي، والتسريع في إطلاق مشاريع المحطات الهوائية للتخفيف من عبء مصاريف المحروقات على الميزان التجاري وميزان المدفوعات، بالنظر إلى الارتفاع المسجل في أسعار الغاز والنفط.

 وكانت الحكومة التونسية وضعت الموازنة اعتماداً على سقف سعر النفط عند 75 دولاراً من نوع "برنت" ومعدل صرف دينار في حدود 2.92 دينار للدولار، في حين اندلعت الحرب لتشعل أسعار "برنت" التي تجاوزت 110 دولارات. وتدحرج سعر الدينار ليبلغ 3.18 مقابل الدولار.

يشار إلى أن الزيادة بقيمة عشرة ملليمات في صرف سعر الدولار تكلف زيادة بـ40 مليون دينار (12.9 مليون دولار) في هذه النفقات. وعجزت الحكومة عن مواصلة تقنية التعديل الشهري في سعر المحروقات وتوقفت عنه منذ ثلاثة أشهر بسبب تفاقم مستوى التضخم المرشح للزيادة في حال رفع سعر المواد الطاقية. والحال أنها انطلقت في مسار مراجعة الدعم والسير نحو بلوغ الأسعار الحقيقية للمحروقات، وهي من أهم النقاط التي تضمنتها ورقة برنامج الإصلاح الذي وجهته لصندوق النقد الدولي، في إشارة إلى تعثر الإصلاح بفعل تأثير الحرب.

وتظل نسبة دعم المحروقات في تونس من ضمن الأرفع في العالم العربي، ولا يتجاوز سعر لتر البنزين 0.768 دولار، وهو سعر متدنٍّ مقارنة ببلدان مجاورة.

تأخر التمويل

وتسعى تونس إلى توقيع اتفاقية جديدة مع صندوق النقد الدولي تتحصل بمقتضاها على أربعة مليارات دينار (1.29 مليار دولار) لسد العجز بالميزانية وتسديد الديون. وسجل انطلاق المفاوضات تأخيراً امتد من يونيو 2021 لتنطلق المحادثات التقنية في مارس 2022، والمفاوضات الرسمية في الشهر الحالي.

ووقعت تونس في 2013 و2016 اتفاقيتين مع الصندوق التي تحصلت بموجبهما على قرضين مقابل تنفيذ إصلاحات اقتصادية، لكنها لم تفِ بهذه الوعود، وامتنع الصندوق عن صرف الأقساط الأخيرة من هذه القروض.

وقدمت الحكومة الحالية برنامج إصلاح هيكلياً للاقتصاد التونسي يرتكز على مراجعة الدعم وتوجيهه لمستحقيه والتخفيض من كتلة الأجور في القطاع العام وكذلك عدد الموظفين وإصلاح الجباية وإنقاذ المؤسسات العمومية التي تشكو من المديونية، لكنه جُوبه بتحفظ الاتحاد العام التونسي للشغل على أغلب بنوده.

ويكرس التأخير المسجل في توقيع تمويل مع صندوق النقد الأزمة المالية التي زادها التصنيف الائتماني المتدني لتونس بعد أن صنفت بدرجةccc  من قبل وكالة "فيتش رايتنغ"، وcaa1 من قبل وكالة "موديز". فأصبح الخروج للاقتراض من السوق العالمية عسيراً بسبب ارتفاع نسب الفائدة إلى أكثر من 20 في المئة.

وقد اتجهت الحكومات التونسية المتعاقبة إلى الاقتراض من السوق المالية الداخلية ما تسبب في انتقادات، إذ تهافتت البنوك التونسية على اقتناء السندات التي تطرحها الخزانة، ما أحدث أزمة سيولة وعسر تمويل للمؤسسات الصغرى والمتوسطة التي يعول عليها الاقتصاد التونسي، وأدى ذلك إلى تعثر الإنتاج بالتالي تراجع الصادرات وموارد العملات ما ضرب العملة الوطنية في مقتل، وزاد من نسب التضخم والفقر في ظل مستوى مديونية قياسي قدر بـ86 في المئة من الناتج القومي الخام، و105.7 مليار دينار (34.09 مليار دولار) لقائم الدين.

واعتبر المحلل الاقتصادي، أنيس وهابي، أن جميع الإصلاحات المعلنة تبقى عقيمة في غياب منهج لتطبيقها على أرض الواقع، إذ يحتاج الاقتصاد التونسي لتسهيل تطبيق الخطط بحكم تفاقم البيروقراطية وعدم استعداد الإدارة التونسية لمراجعة الحوكمة. وتكررت الخطط نفسها مع الحكومات المتوالية من دون مراجعة هيكلية للاقتصاد التونسي الذي يشكو من منوال تنموي متهرم، إذ لا تحتاج بعض الإصلاحات موافقة الاتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية)، بل تستوجب العمل الجدي والتسريع في الإجراءات الإدارية وتخفيفها والرقمنة وعصرنة الإدارة. علاوة على استعادة نسق الإنتاج والنأي بالبلاد عن الاضطرابات الاجتماعية التي أدت إلى هذه الصعوبات المالية وتعطل الإنتاج، ما تسبب في فقدان ثقة المانحين والشروط المسبقة التي وضعها صندوق النقد الدولي لاستئناف المفاوضات مع تونس، وأهمها وضع قاعدة ملموسة للإصلاح والانطلاق الفعلي فيه.

يشار إلى أن خبراء صندوق النقد اختتموا زيارتهم إلى تونس منذ أربعة أيام. ووصف الصندوق، في بيان له، المناقشات بالمثمرة في ظل تقدم السلطات بجدول أعمالها الاقتصادي، في إشارة إلى المسار الإصلاحي، داعياً إلى ضرورة الإسراع بوتيرة تنفيذه.