Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مصايف مصر... مد ديني وجزر ثقافي وصراع طبقي في بحر متلاطم

أدلة التقوى والورع صارت أحد مكونات خناقة كل صيف بين شواطئ الأثرياء "وقود النار" والكادحين "أصحاب الجنة"

قاعدة المصيف تنص على أن البحر للجميع لكن القواعد تتغير بتغير العصور والأزمنة (أ ف ب)

بينما كان شعب "لا بلايا" والشعوب المجاورة الصديقة المتناغمة يتمايلون ويوقدون الشموع ويلوحون بالهواتف المحمولة في هواء الساحل الشمالي "الشرير" على أنغام النجم جوند لجند كان شعب قرية "مراقية" مع الشعوب الصديقة شمالها وجنوبها يستمتعون بالموسيقى الصاخبة من "الأسطورة" محمد رمضان منشداً "نمبر وان"، وعصام صاصا وحمو طيخا مغردين برائعتهما "هو أنت مين ياجوزها (زوجها)"، عبر سماعات شاهقة مثبتة أمام محلي البقالة المتنافسين في السوق التجارية للمنتجع الذي تحول من "الأول والأرقى والأفضل" إلى ذيل مكونات "الساحل الطيب".

الأشرار يتراقصون

الأشرار المتراقصون المتمايلون الملوحون بالشموع والهواتف والملابس ما قل منها وخف هم رواد وملاك الساحل الشمالي الشرير القابعون كعادتهم كل عام في الكيلو مترات التالية لأماكن الطيبين، الذين لا يتمايل منهم إلا الذكور من الشباب وهم يحاكون الرقص بالمطاوي والسكاكين، ويسعد الصغار بالألعاب البلاستيكية ولعبة السيارات المتصادمة، وترتدي الغالبية من الملابس والأكسسوارات مما كثرت طبقاته وثقل وزنه.

ومع مجيء صيف كل عام، يسطر المصريون والمصريات مزيداً من التاريخ للبعد الطبقي والمفهوم السوسيو- اقتصادي والتصنيف الليبرالي للترفيه في مقابل الراديكالي (على الأقل في المظهر) المشتت بين منتصف الهرم الطبقي وقاعدته.

قاعدة المصيف تنص على أن البحر للجميع، لكن القواعد تتغير بتغير العصور والأزمنة. ففي زمن المصايف المصرية القديمة، حيث تتوجه الأسر المتوسطة الميسورة الحال إلى المدن الشاطئية مثل رأس البر وبلطيم وجمصة وبور سعيد وبالطبع الإسكندرية لقضاء شهر أو شهرين أو أشهر الصيف بحسب حال كل أسرة. كانت الشواطئ مفتوحة للجميع من دون قيد ملكية أو شرط ملبس.

تقلبات الساحل

اللبس الحادث على مدار العقود الأربعة الماضية في ما يختص بمنظومة "الساحل" و"فورمته" وسكانه الطيبين في مقابل الأشرار وثيق الصلة بالتقلبات الاقتصادية والانقلابات الاجتماعية والمقالب الاستثمارية التي خاضتها مصر في سنوات ما بعد سياسة الانفتاح الاقتصادي التي أسسها الرئيس الراحل محمد أنور السادات.

"قلنا هنبني وآدي إحنا بنينا الساحل الشمالي". عنوان مقال للكاتب الصحافي ياسر أيوب نشر عام 2009. وهو عنوان يدق على أوتار أغنية الراحل عبد الحليم حافظ "حكاية شعب" التي تغنى فيها بإنجازات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر وأبرزها السد العالي، قائلاً "قلنا هنبني وآدي إحنا بنينا السد العالي".

 

 

هؤلاء الراحلون وثيقو الصلة بمنظومة "الساحل" المصرية الصيفية التي باتت تؤجج نعرات اقتصادية وتشعل أحقاداً طبقية في مثل هذا الوقت من كل عام. كتب أيوب أن الغالبية في مصر "لا تعرف الثمن الحقيقي الذي دفعه الوطن ليبني هذا الساحل الممتد من الكيلو 34 غرب الإسكندرية إلى مدينة العلمين وبعدها حتى حدود مدينة مرسى مطروح. لا أحد منهم يعرف، أو على استعداد لأن يعرف أنه من أجل تلك الوجاهة الاجتماعية وهذه المتعة العابرة استنزف هذا الوطن مليارات كثيرة من موارده الشحيحة ليبني الفيلات والشاليهات وحمامات السباحة على هذا الشريط الطويل الممتد بمحاذاة الساحل، ويفصل البحر عن الفقر والهموم ووجع الأيام والصحراء والبدو ومذلة السؤال".

مفهوم البيئة

السؤال عن الغرض من بناء نحو 200 منتجع في الساحل الشمالي في المساحة الواقعة بين غرب الإسكندرية وشرق مطروح لا يستخدم أغلبها سوى خلال أشهر الصيف وسرعان ما تتحول إلى منتجعات أشباح في الشتاء، لا يجد إجابات على الرغم من مرور السنوات والاستثمار في بناء مزيد منها.

يرى ياسر أيوب "أننا (المصريون) رمينا كل هذه المليارات من أرصدتنا لمجرد الموضة والهوى وإرضاء نزوات أصحاب المال والنفوذ والشهرة. والدليل هو ما جرى في قرية (مراقية) التي كانت أول قرية نبنيها في الساحل الشمالي".

 

 

"مراقية" هي المنتجع الذي كتب الأحرف الأولى لمنظومة "الساحل" في منتصف ثمانينيات القرن الماضي. بدأت منتجعاً راقياً لا يرتاده سوى الملاك. ومنهم من وضع "تحويشة" العمر في وحدة صغيرة، وآخرون اشتروا فيلات كبيرة هرباً من الإسكندرية التي أصبحت "بيئة متواضعة".

"البيئة" ليست حفاظاً على موارد الأرض وترشيداً لمواردها وتهذيباً لتعاملات البشر مع الكوكب. مفهوم "البيئة" الذي نما وتوسع حتى بات منظومة سوسيولوجية متوغلة في كل ركن من أركان المحروسة هو نتاج التعريف الطبقي الحديث في مصر. من يملك "بيئة عالية" ومن لا يملك سوى "بيئة متدنية" وبينهما بيئة حائرة كانوا يسمونها "طبقة متوسطة". أصبح مشروع كل "بيئة" من البيئات الثلاث إما الانتقال إلى البيئة الأعلى أو الإبقاء على مكانتها كبيئة عليا.

مشروع مادي بحت

لكن المشروع أصبح مادياً بحتاً. يقول أستاذ الاقتصاد الكاتب الراحل جلال أمين في كتابه "ماذا حدث للمصريين؟.. تطور المجتمع المصري في نصف قرن 1945 - 1995" إن "لكل فرد مشروعه، ولكل طبقة مشروعها. ويندر أن يفتقر الفرد أو الطبقة إلى مشروع للصعود والترقي. والمجتمع بأسره يتحدد مشروعه للترقي بمشروعات الطبقات المسيطرة أو الأكثر تأثيراً. فالشكوى إذاً يجب ألا تكون من افتقاد مشروع للنهضة، بل من تغير مضمونه بتغير الطبقات المؤثرة. أصبح مشروع المجتمع المصري (تسعينيات القرن الماضي) هو مشروع الطبقات المهمومة بالرقي المادي وتثبيت وضعها النسبي الجديد".

التغيرات النسبية التي طرأت على منظومة المصيف المصري بدأت مع "ورقة أكتوبر"، وهي الورقة التي صاغها الرئيس الراحل السادات وتضمنت توصية بوضع تصور لإعمار سواحل مصر الشمالية من الكيلو 34 غرب الإسكندرية وحتى الكيلو 100 في العلمين.

وقتها لم يطرأ على بال أحد أن تتحول سواحل مصر الشمالية من قرى سياحية تقدم مصايف بديلة للإسكندرية التي بدأت تنوء بحمل المصطافين المتفجرين عدداً تحت وطأة الانفجار السكاني إلى منظومة وجاهة سياسية واجتماعية واقتصادية.

قبل أربعة عقود كانت الوجاهة المنشودة تتطلب إشهار المصيف في "مراقية"، هذا الإشهار المبكر لمتلازمة الصيف والبحر مع الوجاهة الاقتصادية والاجتماعية وثيقة الصلة بالسياسة ظل حكراً على "مراقية" لسنوات، ثم بدأ الإحلال والتبديل.

يسميه بعضهم إحلالاً وتبديلاً. ويطلق عليه بعضهم الآخر صعوداً لمنتجعات جديدة بطبقاتها السياسية والاقتصادية على جثامين القديمة بملاكها وما يمثلونه من مكانة وقوة و"فورمة".

الفورمة للجميع

"فورمة الساحل" تبدو عبارة فكاهية أو دعابة، وهي كذلك بالفعل، لكن هذا لا يعني خلوها من المضمون الشارح والكاشف. إذ كشفت منظومة الساحل الصيفية وثقافتها عن نظام مصر الطبقي المتغير على مدار العقود الأربعة الماضية. ويعتقد بعضهم أن "فورمة (هيئة) الساحل" هي قوام الرجل بعضلات البطن والصدر المنحوت والأرجل المشدودة والجسد المغطى بالزيوت اللامعة، الفورمة للجميع، لكنها جزء لا يتجزأ من منظومة الساحل المصري المتغيرة التي بدورها تعكس المنظومة الطبقية المصرية المنقلبة رأساً على عقب.

توقف المصيف عن أن يكون "مايوه" للجنسين وقبعة قش وملابس قطينة فضفاضة وأكلات صيفية تناسب البحر وتجمعات عائلية ممتدة وقصص حب قصيرة وفرص بناء صداقات ربما تستكمل بعد انتهاء الصيف. لم يعد ترفيهاً وعطلة، بل فرصة للظهور وموسم عرض وطلب ومنصة لإشهار الانتماءات الاجتماعية، وهو ما اتفق جمهور المنظرين العنكبوتيين الشعبيين على تسميته بـ"الساحل الشرير"، أي الثري الأنيق الذي يتحدث خليطاً من اللغات يستحسن ألا تكون العربية من بينها.

انقلبت منظومة "الساحل" رأساً على عقب، وكأن سحب بساط المصيف من تحت أقدام الإسكندرية وغيرها من مدن مصر الشاطئية المعتادة لم يكن كافياً. انهارت "مراقية" (أولى منتجعات الساحل الشمالي) وظلت مفاتيح القيادة والريادة تنتقل من منتجع إلى آخر، ومعها طائفة من الملاك حتى كتبت السماء لهم سنوات من الاستقرار خلف أسوار "مارينا" العالية.

المنتجع الأيقوني

عقد الزواج الكاثوليكي بين "الساحل" من جهة والسلطة والمال والأعمال من جهة أخرى، أبرمته الحكومة المصرية ممثلة في وزارة الإسكان إبان حكم الرئيس السابق الراحل حسني مبارك. أطلق المصريون على هذا المنتجع تسميات تعني كثيراً في العرف الشعبي. فبين "جمهورية" و"مملكة" و"دولة" ظل ملايين المصريين من غير "مواطني" هذا المنتجع الأيقوني ينسجون حكايات حوله وعنه من دون سابق معرفة أو سابقة زيارة.

 

 

تزامن تمدد مارينا وتوسعها من الكيلو 94 على طريق الإسكندرية – مطروح، للكيلو 98، ثم الكيلو 101، ثم الكيلو 111، مع تمدد تيار يسميه بعضهم أصولياً يرجح كفة التزمت وينعته بعضهم الآخر بالديني الغارق في التشدد. وعلى الرغم من محاولات تبرئة منظومة الساحل من موجة التديين التي اعترت المجتمع المصري على مدار العقود الخمسة الماضية، واقتصار الموجة في بداياتها على الطبقات المنتمية لقاعدة الهرم الطبقي، فإن رأس النسخة الجديدة من التدين لا سيما المظهري أطلت برأسها على منظومة الساحل، فلم ينج منتجع من مواجهة "البوركيني – البيكيني" الساخنة كل عام. كما أصبح "باروميتر" التدين حاضراً في أشهر الصيف، جاهزاً لإطلاق أحكام الجنة ونعميها على "الساحل الطيب" الشعبي البسيط في مقابل جهنم وعذابها على "الساحل الشرير" الثري المعقد.

الأثرياء في النار

تعقيدات عدة ألقت بظلالها خلال السنوات الماضية على منظومة الساحل التي أدت به إلى هذه التقسيمة الشعبية المرتكزة على فكرة بسيطة هي أن الثري الذي يرتدي (المايوه) التقليدي في النار، وغير الثري الذي ينزل البحر أو المسبح بكامل ملابسه في الجنة.

وبقدر ضحالة الفكرة وسطحيتها وعدم دقتها، فإنها تقول كثيراً عما جرى في مصر ولا يثار إلا في فصل الصيف. ومبدئياً فإن رواد "الساحل الطيب" (الذي يتكون من المنتجعات القديمة بدءاً من "مراقية" وصولاً إلى مشارف "مارينا" التي يتنازعها حالياً الساحلان الطيب والشرير) ليسوا فقراء مادياً وإلا لما تمكنوا من قضاء الصيف في الساحل الشمالي أصلاً، سواء ملاك أو مستأجرين. وعلى الرغم من أن الغالبية المطلقة منهم تصنف من قبل رواد "الساحل الشرير" باعتبارهم من "بيئة متدنية"، فإن هذا التصنيف "غير اللائق" لا يتعلق بالقدرات المادية بقدر ما يتعلق بثقافة الملابس ونوعية التعليم وطريقة الكلام والأكل وغيرها من التفاصيل المعيشية، إضافة لهيمنة الحجاب والخمار والنقاب على المصطافات.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

أدلة التقوى وعلامات الورع صارت مكوناً من مكونات خناقة كل صيف من وحي الساحل، وهي أيضاً وثيقة الصلة بتصنيف "الطيب والشرير". وأحدث مثال على ذلك حدث قبل أيام قليلة حين أحيا المطرب عمرو دياب حفلاً في مدينة العلمين الجديدة، وكان شرط الحضور (إضافة إلى سداد قيمة التذكرة التي تراوحت بين 1500 جنيه (نحو 80 دولاراً) وعشرة آلاف جنيه (نحو 530 دولاراً)) ارتداء ملابس بيضاء.

غزت صور الحفل المنصات العنبكوتية والصحافية ليبدو الحضور بفساتين النساء (وبعضها كاشف) وشورتات وقمصان الرجال، وأغلبهم من سكان "الساحل الشرير"، وكأنهم بملابس الإحرام البيضاء، ما دعا أهل "الساحل الطيب" إلى الإسراع بنشر تدوينات وصور وتغريدات تقارن بين "أهل النار بالملابس البيضاء الكاشفة والغناء والرقص والمسخرة في العلمين"، وبين "أهل الجنة بالملابس البيضاء الساترة والدعاء والصلاة وتكبد عناء الحر وإنهاء مناسك الحج في مكة المكرمة".

اختلاط المناسك بقواعدها، والحفلات بملابسها، والساحل الطيب بناسه وأفواجه، والشرير برواده وملاكه وصكوك الجنة والنار، لا يعدو كونه اختلاطاً موسمياً يطلق العنان للأحقاد الطبقية، وفي أقوال أخرى للمراجعات الثقافية، وفي ثالثة لترسيخ تصنيف "البيئة" التي ينتمي إليها المصطاف.

في عقر منتجعاتهم

ليلى (59 سنة)، طبيبة التجميل وسليلة الحسب والنسب، عاصرت نشوء وارتقاء منظومة المصيف من كبائن المنتزة على شاطئ الإسكندرية حتى الستينيات والسبعينيات، حين كانت حكراً على الأرستقراطيين وعظماء القوم، إلى "مراقية" في الثمانينيات وجانب من التسعينيات، وأخيراً إلى "مراسي" و"هاسيندا" و"ألماظة باي"، والأخيرة على مرمى حجر من مرسى مطروح.

واقع الحال يشير إلى لوحة سوريالية للمصيف في مصر. الأغنياء، وفي أقوال أخرى المصطافون الـ"A class"، في حال هروب مستمر ونزوح دائم أمام التوغل الاستيطاني للمصطافين من الطبقات الأدنى في الهرم الاجتماعي. وكلما زادت الطبقات الأخيرة عدداً كلما تسارعت وتيرة توسعها ومطاردتها للفئة الأولى في عقر منتجعاتها. فرار هؤلاء من أولئك يؤدي إلى توجيه الأخيرين اتهامات للفريق الأول بالبعد عن الله والانفلات الأخلاقي والتسيب القيمي تارة، وبالطبقية والعنصرية والفوقية تارة أخرى.

إسقاطات لجند

الطريف أن حفل جون لجند في أحد منتجعات "الساحل الشرير" والحضور الطاغي للمصطافين "الأشرار" مر مرور الكرام بأقل هامش متاح من "الهبد" الطبقي و"الرزع" العنصري. فشعبية لجند ليست جارفة في "الساحل الشرير". كما أن المعاني المبطنة عن الجنس وأحياناً المخدرات في أغنياته تحتاج فقيهاً في الإنجليزية، ممارساً لها بالسفر والترحال والتعايش، وليس عبر كتاب "هالو" المقرر على المرحلة الثانوية، أو توقعات "ميس شيماء" المرئية لامتحان الإنجليزية للمرحلة الإعدادية.

سواء حضر المصطافون حفل جون لجند أو خضعوا لاختيارات محلات البقالة لتوليفة أغنيات المهرجانات، وسواء ارتدى المصطافون "مايوه" قطعة أو اثنتين أو خمس، أو التهموا الـ"سوشي" وشربوا "رد بوول"، أو أكلوا المحشي والمعكرونة بالصلصة وهضموا بـ"شاي في الخمسينة" على البحر، يبقى الخاسرون في خناقة الساحل السنوية البحر والهواء وقصور الرمال.