Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تكفي منحة البنك الدولي لمواجهة تهديد المجاعة في السودان؟

تخصيص 100 مليون دولار عبر برنامج الغذاء العالمي للبلاد  لمعالجة قضايا انعدام الأمن الغذائي

تكثف منظمة "الفاو" جهودها لمعالجة تفاقم حالة انعدام الأمن الغذائي الحاد في السودان (الموقع الرسمي لمنظمة الفاو)

على إثر تحذير منظمة الأغذية والزراعة "الفاو" وبرنامج الغذاء العالمي من حصول مجاعة في السودان بحلول سبتمبر (أيلول) المقبل، وضع السودان تصوراً يقضي بالحصول على دعم ملياري دولار لسد الحاجة وإبعاد شبح المجاعة، ولكن البنك الدولي وقع في 21 يوليو (تموز) الحالي اتفاقية مع برنامج الأغذية العالمي للأمم المتحدة بقيمة 100 مليون دولار، ذكر في تقريره أنه "لتوفير تمويل مباشر لتنفيذ مشروع شبكة الأمان الطارئة الجديد في السودان بواسطة برنامج الأغذية العالمي. ويستجيب المشروع الجديد لانعدام الأمن الغذائي الشديد في السودان الناجم عن ضعف الحصاد وارتفاع أسعار الغذاء العالمية".

ظل السودان على مدى العقود الماضية منذ سبعينيات القرن الماضي يستجيب لـ "روشتة البنك وصندوق النقد الدولي"، التي تشمل تخفيض العملة وسحب الدعم عن السلع الأساسية وزيادة الضرائب وتحرير التجارة الخارجية وغيرها من الشروط في كل أزماته بغض النظر عن اختلافها من فترة حكم إلى أخرى، واختلاف ظروف السودان نفسه عن الدول الأخرى التي تعاني مشكلات اقتصادية.

أما المواجهة الحقيقية بين المؤسستين الدوليتين والسودان فقد تجسدت في منتصف تسعينيات القرن الماضي، إذ تركزت في تأثير العقوبات الدولية في انهيار العملة، وقد كان قبل ذلك دعم الولايات المتحدة لجهود صندوق النقد الدولي ضئيلاً، إذ كانت مشغولة بتقديم العون إلى حلفائها في أفريقيا والشرق الأوسط وبعض بلدان آسيا، أي إن الولايات المتحدة لم تكن تعالج المشكلات الاقتصادية في السودان وفق ما كانت تقوم به في بلدان أخرى، واقتصر الدعم على العون الإغاثي في الأزمات والمجاعات.

ويستطيع المتابع أن يتبين الشكوى الدائمة للحكومات السودانية المتعاقبة من أن البنك وصندوق النقد الدولي يضغطان عليها أكثر من اللازم، إذ تقوم المؤسستان بتقديم مساعدات ضئيلة ومشروطة بإدخال إصلاحات سياسية خصوصاً أن حكم السودان كان في أغلبه عسكري، أو إصلاحات في مرافق الدولة.

ولا تزال النظرة السائدة في السودان للبنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومبادراتهما متوجسة لأن برامجهما توصف بالقاسية، وتعامل أغلب الدول النامية وفق نظرة واحدة دون مراعاة لخصوصية كل دولة.

عدم الوفاء بالتعهدات

يقول محمد الناير أستاذ الاقتصاد في جامعات سودانية "الخطوة التي أقدم عليها البنك الدولي بتخصيص 100 مليون دولار عبر برنامج الغذاء العالمي للسودان لمعالجة قضايا انعدام الأمن الغذائي خطوة جيدة، ولكن المجتمع الدولي الذي ألزم الحكومة برنامجاً  قاسياً من قبل صندوق النقد الدولي، ونفذه السودان بنسبة 95 في المئة لم يفِ بالمتطلبات وتعهداته والتزاماته بالمقابل لحماية الشريحة الضعيفة والفقيرة في السودان، لذلك أصبح المواطن ضحية تنفيذ الحكومة لاشتراطات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي دون وجود قروض أو منح كافية لمعالجة قضايا هذه الشريحة".

ويؤكد الناير أن"المجتمع الدولي اتخذ إجراءات 25 أكتوبر (تشرين الأول) 2021 التي قام بها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان قائد الجيش ورئيس مجلس السيادة الانتقالي ذريعة بأن يوقف ما وعد به. كما أن المجتمع الدولي خلال الحكومة الانتقالية في فترة حكومتي عبدالله حمدوك الأولى والثانية لم يقدم للسودان ما يستحقه مقابل الاتفاقات التي تمت، فواجه السودانيون رفع الدعم عن المحروقات والخبز والسلع الأساسية ما أرهق كواهلهم".

ويوضح أن"الإعلان عن 100 مليون دولار من شركاء التنمية عبر البنك الدولي تجعل المجتمع الدولي في موقف المنطلق من جوانب إنسانية تراعي مشكلات المواطنين بأن لا تكون هناك عقوبات عليهم، ولكن  التبرير بأن العقوبات تستهدف الحكومات فقط ليس منطقياً لأنها تؤثر في الشعوب بشكل مباشر كما حدث من قبل في الحظر الاقتصادي الأميركي، وخلال تواجد السودان في قائمة الدول الراعية للإرهاب وغيرها من تعقيدات المشهد السوداني، ما أعاق حركة تطور المواطن وأثر بصورة كاملة في المواطن والحكومة معاً".

تحديات التنفيذ

 ويشدد أستاذ الاقتصاد على أن "التحدي الآن يتمثل في تحقيق برنامج الاستفادة من أي دعم، الأمر الذي يتطلب الوضوح بشأن كل من الأهداف والاستراتيجيات لتحقيقها".

وبهذا يؤكد أن"هناك مشكلة في آليات التنفيذ وثمة تجربة برنامج "ثمرات" التي كان مبلغها زهيداً (حوالى 5 دولارات) في الشهر للمواطن وهي لا تسد رمقاً، ومع ذلك واجه البرنامج تحديات تمثلت في آلية التوزيع، كما كان هناك خلل في توصيل المبلغ للشرائح الفقيرة المعنية سواء عبر الموبايل أو عبر مراكز التوزيع، وستتكرر هذه المشكلة وستواجه برنامج الغذاء العالمي أيضاً آلية التوزيع، ولن تحل هذه الأزمة إلا بتعاون الحكومة مع برنامج الغذاء العالمي".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويقترح "يمكن الاتفاق على آلية جيدة لتوزيع المبالغ لتصل إلى مستحقيها لأنه معلوم أن هذه المبالغ يمكن أن توزع عبر تحويلات بسيطة عبر الموبايل وهي الطريقة الأسهل وتمكن المواطن من شراء احتياجاته الأساسية، ولكن بعض المواقع قد لا توجد بها شبكات اتصالات أو إنترنت أو حسابات بنكية لدى الأفراد، فهذه لا بد أن تصلهم في شكل مواد تموينية أو غذائية أو غيرها، وهو التحدي الأكبر حول الآلية ومدى التوافق حولها  بين الحكومة وبرنامج الغذاء العالمي".

وفي معرض الحديث عن التقارير الأممية  التي أفادت بالمعاناة المقبلة يبين الناير "لا يفترض أن يكون الحديث عن مليوني شخص فقط، فانعدام الأمن الغذائي  ربما يشمل  18 مليون سوداني، وتقارير  الأمم المتحدة لم تكن دقيقة لأن كل التقارير تستقي معلوماتها من الجهات الرسمية في الدولة، وذلك معمول به في أنحاء العالم سواء أكان من وزارة الصناعة أو وزارة الزراعة أو الجهات ذات الصلة وهذا هو الإجراء الطبيعي، لكن واضح أن المنظمات الأممية بدأت تصدر تقارير لم يكن بها توافق تام مع  الجهاز التنفيذي في الدولة السودانية.  ويبدو أن الأمر  لديه أبعاد كثيرة منها، كأن المجتمع الدولي  يريد أن يستهدف السودان الذي يعاني من  إجراءات وتعقيدات سياسية  واضطرابات أمنية بإعلان مثل هذه التقارير".

 

 

تقديرات غير دقيقة

في المقابل يوضح ناجي مصطفى بدوي الأمين السياسي لحركة المستقبل للإصلاح والتنمية أن "مبلغ 100 مليون دولار غير كافية ولا تغطي 1 في المئة من احتياجات السودان، وأقل دراسة لمعالجة قضية الفقر فقط وليس لمعالجة القضية الاقتصادية أثبتت أن السودان يحتاج حوالى 10 مليارات دولار، وهناك دراسة لم تستوف المعايير العلمية ذكرت أن السودان يحتاج إلى 8 مليارات دولار".

وعن أسباب تراجع البنك الدولي عن إيقاف المساعدات بعد إجراءات 25 أكتوبر يقول "كان رئيس الوزراء السابق عبدالله حمدوك وهو خريج المدرسة الرأسمالية على دراية بما يفعله البنك الدولي، لذا كان أكثر شخص قادر على تطبيق روشتة البنك الدولي والمجتمع الدولي يثق في أدائه، لذلك أوقف الدعم بعد 25 أكتوبر".

ويستدرك بدوي "نسبة لأسباب سياسية دولية تقودها الترويكا والأمم المتحدة التي كانت تعتقد أنها يمكن أن تدعم اتجاهاً أيديولوجياً اقتصادياً مالياً معيناً داخل السودان، فإن إلغاء الاتجاه الأيديولوجي الآن بالتراجع عن الموقف المعترض كلياً على إجراءات البرهان لم يكن ضد العسكرية، لأن المجتمع الدولي يدعم دولاً أفريقية فيها انقلابات عسكرية".

ويرى بدوي أن "تقديرات الفاو وبرنامج الغذاء العالمي غير دقيقة وظهرت في أكثر من  سابقة، كما أن هناك شبهات حول تورط برنامج الغذاء العالمي في السودان في السياسة من خلال ظهور بعض موظفيه في مناشط سياسية ودعم لبعض الحركات المسلحة وغيرها من المواقف".

مخاطر محدقة

 يواصل الأستاذ محمد الناير "في أذهاننا أن الحكومة السودانية  أخفقت في قضية شراء القمح، حتى داهمت العالم الأزمة الروسية –الأوكرانية وانعكست المعاناة على السودان منذ بدايتها في فبراير (شباط) الماضي، وكان على الدولة أن تعي المخاطر التي تحدق بالبلاد في المرحلة المقبلة ولا يُستثنى السودان من بقية بلدان العالم".

ويوصي الناير "أن تعمل الحكومة بخلية إدارة أزمة بأن تقوم بشراء القمح من المزارعين، فالسودان ينتج حوالى 700 ألف طن من القمح ويمكن أن تؤمن الغذاء للمواطنين لمدة عشر سنوات مقبلة، وذلك بأن يتم الشراء بالمبلغ المعلن وهو حوالى 80 دولاراً للجوال زنة 100 كيلوجرام، لأنه قد يأتي وقت يتوفر فيه النقد الأجنبي ولا يتوفر الغذاء في العالم، ويمكن لمذكرة الاتفاق التي وقعت بين روسيا وأوكرانيا في تركيا أخيراً أن تخفف من حدة أزمة الغذاء العالمي  من خلال معالجة سلاسل الإمداد، وتمتد من الحدود بين روسيا وأوكرانيا إلى المنطقة العربية والأفريقية ولكل دول العالم".

ويتفق الناير وبدوي على أن "الحديث عن مجاعة وشيكة ليس وارداً باعتبار أن بلداً مثل السودان محال أن يعاني من مجاعة كبيرة باعتبار الموارد والإمكانات الضخمة التي إذا استغلت يمكن أن تعالج جميع القضايا، لأنه حتى لو حدث نقص في القمح الذي أصبح انسيابه طبيعياً، فالسودان لديه بدائل كثيرة  يمكن أن يعمل عليها، مثل إنتاج الذرة والمنتجات الأخرى التي يعوض بها ويمكن أن تحدث فرقاً".

ويضيف بدوي "على الرغم من التوقعات، إلا أنه  ثبت لدينا أن السودان من الصعب أن يتعرض لمجاعة لأنه قادر على صناعة الاكتفاء الذاتي على أقل تقدير لساكنيه من السلع الأساسية، ولن تحدث مجاعة لكن ربما يحصل انعدام في السلع الثانوية مثل السكر والدقيق الأبيض المستورد وعليه سيعود الناس إلى الذرة والدخن والاستفادة من بقية الموارد".