"أصوات" تجربة شاعرين يخوضان عالم المسرح التونسي الجديد

رجل وامرأة وكرسي وكتاب... في جو قاتم

مشهد من مسرحية "أصوات" (اندبندنت عربية)

يُهيمنُ "المسرحُ الجديد" في تونس، منذ منتصف سبعينيات القرن الماضي، على تصوّرات المسرحيّين الشّباب ومنجزهم الفنّيّ، بوصفه حركة مسرحيّة لها رؤيتها الخاصّة للفنّ الرّابع، قادها جملة من المخرجين والممثّلين المتميّزين من أمثال فاضل الجعايبي (مدير المسرح الوطني التّونسيّ) وفاضل الجزيري وجليلة بكار ومحمّد إدريس وغيرهم. وقد شكّل نمط هذه الحركة طرازاً أو أنموذجاً يُقتفى بعناية، الأمر الذي صار بفعل التّراكم والتّكريس المؤسّساتيّ عائقاً أمام ظهور مسرح أكثر جدّة واختلافاً، مسرح ينفتح على ما بلغته التّجارب المعاصرة في العالم من تنافذ مع الفنون الأخرى ومن تثوير لخطاب هذا الفنّ المشهديّ المتعدّد والقادر على صهر خطابات فنّيّة أخرى.

وفي هذا الأفق والتّساؤل تتنزّلُ مسرحيّة "أصوات" التي أنتجتها جمعيّة الإشراق المسرحيّ ببني خداش، بإخراج من المسرحيّ والشّاعر جلال حمّودي وتأليف الشّاعر والصحافيّ العراقيّ حكمت الحاج. واقتصرت قائمة ممثّليها على أماني ومبروك محظاوي. وقُدّمت المسرحيّة في إطار عرضها الأوّل، عرض لجنة الدّعم المسرحيّ بدار الثّقافة بولاية مدنين.

تتشكّل حبكة المسرحيّة في مناخ غائم ومبهم، يضفي القتامة على شخصيّاتها وأحداثها ومشاهدها، الأمر الذي يلاحظ منذ البداية من خلال قتامة الإضاءة والاقتصار على بعض مواضع مضاءة من المسرح بحسب حركة الشّخصيّتين وتلفّظهما. السّينوغرافيا كذلك، والتي تكفّل المخرج بتصميمها، تقوم على الاختزال والاكتفاء برسم حدود داخليّة بيضاء هي المسرح المفروض لحركة الممثّلين/ الشّخصيّتين، رجل وامرأة. مسرح داخل المسرح يتضمّن كرسيّاً واحداً. وهناك عصا تحملها المرأة التي تدخل في كلّ مرّة إلى العتمة. تُلقي بكتاب جديد إلى الرّجل الذي يُقيمُ إقامة السّجين في فضاء هو بيت ما. وتقول له: "ها قد جلبت لك طعامك".

في المقابل، يظلّ هو مسكوناً بأصوات غريبة. هل تشرق هذه الأصواتُ في رأسه وحسب أم أنّها تصله فعلاً من الطّابق الأسفل في البيت أو البناية، من عازف ما كان يعزف في الحديقة؟ هذا ما يشكّل خيطاً من خيوط صراعه الرّئيسة مع المرأة التي تأتي وتذهب. تبتعدُ منه وتقترب. تلتحمُ به. لكنّها لا تستقرّ إلاّ إلى حين، لتنفصل عنه من جديد.

يظلّ العمل موارباً في عدّة مستويات منه. لكنّه يجلي مواضع من حبكته كلّما تقدّم دون أن يكشفها تماماً في النّهاية. إنّه يلقي أشعّة ضوء في العتمة. ويترك للمتفرّج أن يقرأ المشهد كاملاً في مخيّلته هو. يصارحه بذلك تلميحاً. فالسّجينُ الذي تناديه المرأة في لحظة ما بشكسبير الجميل والقاسي، قاتل شخصيّاته تحت قناع المسرح يذكّرك بذلك وبأنّ نصّاً ما تدور أحداثه في هذه الأمتار الخمسة، وتحديداً الآن، بينما تجلسُ في ظلمة المسرح وتشاهد.

ثمّة استعادة لأنفاس من مسرح العبث. وهي استعادةٌ ذكيّةٌ لا تقوم على النّقل وإنّما على الاستلهام، مثل من يستعين على أبيه بجدّه، حتّى يجد فيه إمكان تطوّر آخر غفل عنه الأب. يتجلّى هذا أساساً في تلك اللّحظة التي يتلفّظ فيها الرّجل والمرأة بحوارات، ضمن حدّة دراميّة واضحة. ثمّ تنقلبُ الحوارات ليتبنّى كلّ منهما كلمات الآخر. ويعود الأمر مجدّداً. تتشوّشُ الملامحُ التي رُسمت لهما في ذهن المشاهد. ليحاول مرّة أخرى أن يجد لكلّ منهما موقعاً بيّناً يستندُ إليه في تمثّل الحبكة الدّراميّة للمسرحيّة. لكنّ ما يبقى لديه في النّهاية هو كلماتهما وأصواتهما المتشابكةُ لتشكّل جسد العمل وإيقاعه، جسد من أفكار تقول عنها أصوات المسرحيّة إنّها لا تمتثل لقواعد الطّبيعة. وقد تقيمُ في رأس رجل ودلفين يسبح في المحيط في الآن ذاته.

الكتب الموزّعة على مسطح المسرح تُشير أيضا إلى تلك الأفكار، مثلما يفعل ذلك صوت المخرج الذي يأتي مسجّلاً وآتياً من ما وراءٍ ما، مفارقاً ومحايثاً لعالم الشّخصيّتين، منخرطاً معهما في توتّر يكثّف رؤية العمل الذي جاء متناسقاً من حيث شكلهُ ومعناهُ. بل إنّه خلق شكلاً- معنى مخصوصا يسجّل تاريخيّة الذّوات المؤلّفة للعمل وموقعها من الاجتماعيّ والسّياسيّ، الآن وهنا.

تجدر الإشارة كذلك إلى النّفس الاستعاريّ والإيقاعيّ المخصوص في العمل والمتظافر مع فنّ الشّعر. قد يكون ذلك واضحاً في كون المخرج والمؤلّف شاعرين. لكنّهما لم يقتصرا على ملامح شعريّة لأثرهما المسرحيّ بل جعلا من الشّعر مفردات مركزيّة في خطابهما المسرحيّ وعنصراً مؤسّساً في بنية العمل من خلال حضور مقطع شعريّ من "وتريّات ليليّة" للشّاعر العراقيّ مظفّر النّوّاب ومقطع آخر استندت إليه نهايةُ المسرحيّة، وهو للشّاعر العراقيّ بلند الحيدريّ من قصيدته "حوار الأبعاد الثّلاثة": "القاعةُ ذاتُ القاعة/ بكراسيها/ وبصوت مناديها/ بعيون كلاب الصّيد المغروزة في لحم أضاحيها/ نفس الياقات البيضاء/ ونفس الأحذية اللّمّاعة/ والزّمن المتخثّر في السّاعة/ صه لا تحكِ (...) العدلُ أساس الملك/ صه لا تحك/ كذب... كذب... كذب.../ الملك أساس العدل/ أن تملك سكّينا تملك حقّك في قتلي".   

لا تهب "أصوات" مشاهدها ومتلقّيها معنى واضحاً مستقرّاً ليستخلصهُ منها. إنّها تقتل هذا المعنى السّهل، المبتذل والأحاديّ لتستبدله بالسّؤال عن المعنى المتعدّد المتكاثر في وجودنا الإنسانيّ. ولذلك لا يمكنُ الإشارةُ إلاّ إلى سؤالها هذا الذي شكّلته تسآلا كذلك في خطابها الفنّيّ، من خلال استلهام تجارب مسرحيّة سابقة ومؤسّسة ومحاولة نظم ملامح جديدة تقوم على الاختزال والتّكثيف في مفردات العمل المسرحيّ مقابل تفجير خطابه ما أمكن.

 

المزيد من ثقافة