Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

المغربية مريم التوزاني تفجر المكبوتات في فيلم "ازرق القفطان"

امرأة ورجلان يعيشون صراع المشاعر الغامضة داخل معمل الخياطة

إمرأة ورجلان في "أزرق القفطان" (الخدمة الإعلامية)

في "أزرق القفطان"، ثاني تجاربها الإخراجية، تقدّم المخرجة السينمائية المغربية مريم التوزاني فيلماً جريئاً وأكثر تماسكاً ونضجاً واكتمالاً من عملها السابق "آدم" الذي أدخلها إلى حلبة الكبار من خلال المشاركة في مهرجان "كانّ" السينمائي قسم "نظرة ما". السينمائيون يكبرون مع أعمالهم، يتعلّمون من أخطائهم ويحسّنون الحيز الذي يبرعون فيه، فيبلورون لغتهم السينمائية فيلماً بعد فيلم. وهذا تماماً حال توزاني التي تعلّمت صناعة السينما من شريكها في الحياة وخلف الكاميرا نبيل عيّوش، ممّا جعلها تكتسب خبرة في زمن قياسي. فالاحتكاك بمواهب سينمائية كتلك التي يتمتع بها عيّوش يعلّم، فما بالك عندما ينتقل الاحتكاك ليصبح زواجاً. 

بعد عرضه في مهرجان "كانّ" الأخير، داخل فقرة "نظرة ما" التنافسية حيث فاز بجائزة "فيبريسي"، شق "أزرق القفطان" طريقه إلى مهرجان "كارلوفي فاري" في تشيكيا الذي انته قبل عشرة أيام، وذلك ضمن سلّة العروض التي تتيح للمتفرّج المحلي الاطلاع على أهم الأعمال التي عُرضت في المهرجانات الدولية. وهكذا، تسنى لي اكتشاف هذا الفيلم، بعدما فاتتني مشاهدته في "كانّ"، بسبب التضارب في مواعيد العرض. كانت الصالة في "كارلوفي فاري" بدءاً من التاسعة صباحاً مليئة عن آخرها، أما الجمهور فتفاعل مع الأحداث والتطورات الدرامية التي هي أبعد ما يمكن عن الهموم التي تحاصره. فكلّ ما هو مطروح في طيات النص الفيلمي من قضايا لا يزال العالمان الإسلامي والعربي يرزحان تحتها، تجاوزها المجتمع الأوروبي منذ زمن بعيد. لكن تبقى المشاعر التي متى تأفلمت صارت كونية، تمس كلّ إنسان سواء كان معنياً بالحكاية أم لا. هذه هي ربما قوة الشاشة، ولهذا السبب أبكى الفيلم الكثيرين وسيظل يبكي الكثيرين أينما حل. 

شخصيات وظلال

يأخذ الفيلم من مدينة سلا المغربية العريقة مسرحاً لدراما حميمة ذات أحداث قليلة. عندما أقول "أحداث" أقصد ما يدور أمام الكاميرا من تفاصيل تبدو غير مهمة على الأقل في النصف الساعة الأول، لكنها ضرورية لموضعتنا في أجواء البيئة التي تتطور فيها الشخصيات. ذلك أن الشخصيات تتطور تماماً كالأحداث، بل بالتوازي معها، لدرجة أننا نتعرّف عليها وهي في حال، لينتهي الفيلم وهي في حال أخرى تماماً، لا بل ستكون على نقيض ما كانت عليه. وهذه من نقاط قوة السيناريو المحبوك جيداً والذي يخدم القصّة، ولا يدورعلى نفسه كما هو الحال في الكثير من الأفلام. 

الشخصيات الرئيسة في الفيلم ثلاثة، وكل شيء ما عداها ظلال تعبر الكادر وتخرج منه من دون أن تترك أثراً كبيراً. الفيلم يكاد يكون مغلقاً بهذا المعنى، أي أن كل شيء فيه يدور حول هؤلاء الثلاثة، وفي مكان هو معمل خياطة لما يُعرف بالقفطان، وهو رداء تقليدي مغاربي تطلب خياطته الكثير من الدقّة والعناية بالتفاصيل. لا يبدي الفيلم أي اهتمام بالخارج أوالشارع. لا خارج الشخصيات ولا خارج المكان الذي يجري فيه مجمل الأحداث. وفي المقابل، صحيح أن الفيلم لا يذهب للبحث عن تفاصيل من خارج هذه البيئة المغلقة، ليؤكد أصالته المغربية، لكن التفاصيل هي التي تزحف إلى الداخل من خلال العديد من العناصر، في مقدمها تفاصيل خياطة القفطان وبعض الأماكن مثل الحمام المخصص للرجال، الذي يحمل رمزية كبيرة، بالاضافة إلى الشخصيات الثلاث التي تحمل كل منها أوجاع وهواجس ومعاناة كافية لتصبح أصيلة. 

يصعب صرف النظر عن حقيقة أن الشخصيات الثلاث تشكّل "مثلثاً غرامياً" غير معلن وغير رسمي. فإذا كانت السينما الفرنسية خصوصاً (والأوروبية عموماً) تناولت هذا النوع من العلاقات طولاً وعرضاً لجو الحرية التي تنعم بها، فلا نستطيع القول إن هذه الأشياء منتشرة في الأفلام العربية التي تعاني من وجود قيود أخلاقية كثيرة تمنعها من تناول ما يمكن اعتباره محرمات اجتماعية، وهذا لا يعني عدم وجود ظواهر كهذه داخل المجتمع. هناك مينا (لبنى الزبال) التي تدير مع زوجها حليم (صالح بكري) معمل الخياطة، وهناك الشاب الخياط المتدرب يوسف (أيوب المسيوي) الذي ينضم حديثاً اليهما لمساعدتهما في العمل، بعدما زاد الطلب على القفطان في المحل، على نحو ما عاد من الممكن الاستجابة لكل تلك الطلبات.

مزيد من التشابك

لقطة بعد لقطة، وبهدوء تام يأخد مداه، تتشابك العلاقات بين الثلاثة وكذلك بشكل دفين علاقاتهم مع أنفسهم. كل شخص من هؤلاء يأتي بحجرة ليضعها فوق حجرة أخرى، لتشييد هيكل المشاعر والعلاقات الإنسانية المرهفة. لا شيء يُروى بكلمات مختزلة ونهائية، بل نراه ونكتشفه بحواسنا وادراكنا ووعينا. هذا كله في الجزء الأول حيث تتوزع الأحداث مكانياً بين المعمل والحمام الذي يرتاد اليه حليم. تتظافر الجهود بين الثلاثة لانهاء خياطة القفطان الأزرق الذي أوصت به زبونة، وهي خياطة تتطلب من الخياط دقة وصبراً، وهذا تماماً ما يطلبه الفيلم من المشاهد. لكن، في حين يبدي حليم اهتماماً بيوسف ويدعمه، تحاول مينا التصدي له، لا بل تتجنى عليه عبر اتهامه بالسرقة. نحن المشاهدين، نعلم جيداً ما يزعجها فيه، لكن الفيلم لا يقوله ويكتمه.  

في هذا الجزء من الفيلم، نكتشف أيضاً ما قد يصدم الكثيرين وهو مثلية حليم وارتياده الحمام لاشباع غرائزه الجنسية، ثم الإنجذاب الذي سينشأ بينه وبين يوسف. الجزء الثاني من الفيلم، ينتقل بنا إلى البيت الزوجي، بعد أن تشهد صحّة مينا انتكاسة تسبب لها ألماً. هنا الفيلم يصبح أكثر تعقيداً، يزداد إنسانية، وبالتالي يغدو أكثر جمالاً. أما المعالجة الدرامية الهادئة، ففيها الكثير من الرغبة في فهم الطبيعة البشرية. يضطر الزوجان إلى إغلاق المعمل بسبب المرض، كي يُسمح لحليم الاهتمام بمينا. وهنا يفتح الفيلم ذراعيه واسعاً ليحضن الكثير من المسائل التي تُقال كلها بالهمسات. كل لقطة تحتوي على كمية من المسكوت عنه في مجتمع مغربي محافظ يفضّل أن يترك الأشياء تتبلور وتموت في داخل الإنسان على أن تصبح حصناً منيعاً له. 

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

من دون سرد التفاصيل التي يفسد كشفها المشاهدة، سأكتفي بالقول إن الفيلم ينتهي بانفجار مدوّ. انفجار كلّ شيء كان مكبوتاً إلى الآن في داخل الشخصيات التي تعيش في موازاة المجتمع وليست "هي" المجتمع في أي حال من الأحوال. ذلك ان الفيلم يقدّم رؤية موازية للمجتمع المغربي المعاصر. سيكون انفجاراً لكلّ المخاوف المخبأة التي جعلت الشخصيات تعيش وتقول وتتصرّف بخلاف رغباتها، ولكلّ المشاعر المكبوتة التي تجد اللحظة السانحة لترسم، أخيراً، مصيرها بنفسها. باختصار، نحن أمام فيلم شجاع، مشغول بتقنيات لا غبار عليها، يقول الكثير عن المجتمعات المحافظة التي تسحق الفرد، ومكتوب بحرية وحبّ، والأهم انه سيفتح باب الجدل واسعاً عند عرضه في المغرب، خصوصاً بين التيارين المتحكمين بالعالم العربي، تياران يريد أحدهما العودة إلى الماضي، والآخر يتطلع إلى المستقبل محاولاً معايشة الحاضر. 

المزيد من سينما