Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صابئة العراق... الحياة تتوقف عن النبض زمن الجدب والتصحر

تقترن طقوس أعيادهم الأربعة بالتعميد في النهر بهدف تطهر الجسد والروح

التعميد بالماء طقس رئيس من طقوس الصابئة المندائيين في العراق (اندبندنت عربية)

يعود تاريخ الصابئة المندائيين إلى ما قبل ديانات التوحيد، اليهودية والمسيحية والإسلامية، وهي طائفة تقترن طقوسها على التعميد بالماء الذي شح بأنهار العراق، إذ يحتفلون هذه الأيام بعيد رأس السنة المندائية المعروفة بـ"دهوار ربا" بالآرامية، اللغة الأم للطائفة، ويتبعه مباشرةً العيد الكبير "شو شيان" بيوم واحد فقط.

طقس العيد الكبير

يقول الشيخ ستار جبار الحلو، رئيس الطائفة المندائية في العراق، عن فلسفة الفكر المندائي لدى الطائفة التي تقطن قرب المياه الجارية وتمارس طقوسها اليومية قرب الأنهار والبحيرات لـ"اندبندنت عربية"، "العيد الكبير، الذي يأتي وفق معتقداتنا الدينية نحتفل فيه بيوم سلمت فيه الأرض، وتجلت فيه الكواكب والشمس والقمر، ووضع كل في مدار، وربطت فيه سرة الأرض بقبة السماء، وبدأت حركة الثواني والدقائق والساعات، لهذا تعتبر بداية جديدة". ويضيف "هذا العيد زرع أسرار الخلق المادي في خلق علوي، هو عيد الباركونايا وتجليات الخالق العظيم بخلق عوالم عليا ومادية، في هذه الأيام يقوم المندائيون بالتعميد أو الصباغة في الماء الجاري والاعتكاف لمدة 36 يوماً في البيوت، حيث لا يجوز مغادرتها إلا في الظروف القاهرة بعدها بـ36 ساعة يقومون بالتزاور بين بعضهم بعضاً".

حياة مرتبطة بالماء الجاري

ولما كانت طقوس الصابئة وجوارهم في السكن قرب الأنهار فإنهم يعيشون حالياً أوضاعاً صعبة لممارسة طقوسهم الدينية ومعتقداتهم العبادية. يقول الشيخ الحلو، "بتنا نعاني كثيراً شح المياه بسبب التلوث الكبير، أما مناسيب المياه فلا بأس بها على الرغم من انحسار دجلة الحالي في العاصمة بغداد، أما باقي المحافظات الجنوبية فهناك معاناة كبيرة بسبب تلوث المياه بشكل كبير، على الرغم من ذلك فإن الإقبال ما زال كبيراً من أبناء الطائفة، بالعراق وكل بلدان العالم حيث يوجد المندائيون".

 على الرغم من نبرة وحس التفاؤل لدى رئيس الطائفة الصابئية في العالم ومقره بغداد، فإن السنوات الأخيرة لأبناء الطائفة شهدت استقراراً حذراً، في وقت غادر كثير منهم البلاد هرباً من الحرب الطائفية بعد الاحتلال الأميركي في عام 2003، وتناقصهم المستمر جراء التهديدات.

 

يرى الشيخ الحلو أن "مشكلات اليوم هي ذاتها التي عانيناها في الأمس، ونعانيها في كل وقت، وتتلخص في عدم الاهتمام بمطالبنا، وهناك تغيب عن الواقع السياسي لأبنائنا والمشاركة في تشكيلات الحكومة، ولا يوجد لدينا أي ممثل في الحكومة أو في رئاسة الجمهورية كمستشارين مع وجود تحديات يفرضها الوضع الأمني المتردي وعدم وجود أفق واضح للسياسة، فكثير من آبائنا والأقليات الأخرى، دفعهم كل هذا للجوء والمنافي إلى أماكن أكثر أماناً".

 رحيل مستمر وهجرة قسرية

 لم يحطنا الشيخ ستار الحلو بأعداد مهاجري الطائفة لعدم توافر إحصاءات دقيقة لدى الدولة عن أبناء أقدم طائفة عراقية على أرض الرافدين، تحملت الغزوات وسياسات العزل الطائفي جراء التمايز الديني والطائفي، والعزل الاجتماعي وممارسة أنوا من تكميم الأفواه التي تطالب بحقوقهم.

منظمات حقوقية متعددة تؤكد أن "هناك هجرة مستمرة للصابئة لبلدان أوروبية كالسويد والنرويج وأميركا، من دون عودة، جراء فقدان الثقة بالمجتمع السياسي العراقي، الذي فرضت فيه المحاصصة القومية والطائفية، وضاعت وسطها الأقليات التي تؤكد المصادر التاريخية أنهم الأحق في العيش والقدم في بلاد ما بين النهرين، لكن سياسة العزل الإثني وتوزيع المغانم أقصت الصابئة والكلدان الآشوريين واليزيديين، والشبك وأقليات أخرى، ضاعت أصواتها في لجة الصراخ السياسي الذي يعيشه العراق".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

اختباء طقسي وشعور بالوحدة

واليوم يختبئ المندائيون في عيدهم الكبير 36 يوماً طلباً للغفران للمتوفين وشفاعة للضحايا الذين تركوا بيوتهم وأملاكهم ليتحصنوا بعيداً من أعين الآخرين لمناسبة تسمى في العراق بـ"الكرصة" وبالآرامية لغتهم القديمة "كنش وزهل" بمعنى نظف وأختبئ، ومعاناة في التعميد الذي يعد إحدى ركائز الديانة المندائية، بقراءة فصول من (كنز ربا) كتابهم المقدس بالآرامية الذي ترجم منتصف التسعينيات إلى العربية، وصاغه الشاعر المندائي عبد الرزاق عبد الواحد بجودة عالية.

 

معاناة شح الماء جراء انحسار دجلة والفرات نتيجة تخزينها في السدود التركية وتحويل الإيرانيين مجاري الأنهار سيما الكارون، أحد روافد مياه لأهوار العراق، يجعل المندائيين في حيرة لم يقلها شيخهم، لكونه عرف بأنه رجل متفائل دوماً، لكن الحال في الجنوب يجعلهم يبكون وهم يرون الأنهار جفت على ضفاف دجلة والفرات وتفرعات أنهر ميسان، في وقت لا يستطيعون ممارسة طقسهم الأول، وهو التعميد الذي ينشدون من خلاله تطهير الجسد من أجل الروح، من جميع الخطايا وتكفير الذنوب، وإعادة دورة الحياة من جديد.

 سنوات الجدب والتصحر

وسط هذه الأوضاع التي لم يألفها العراقيون من نقص المياه وانحسار الأنهار واتهام الحكومات المتعاقبة بالتقصير في توفير المياه، أبسط مقومات الحياة التي كان دجلة والفرات مليئين بها، يجد الصابئي نفسه أمام عجز انحسار المياه التي اقترنت بسلوكه الحضاري وثقافته الدينية والاجتماعية.

 

 

 ولعل الصابئة اليوم أكثر من سواهم يكررون بيت شعر المتنبي "عيد بأية حال عدت يا عيد/ بما مضى أم بأمر فيك تجديد"، جراء خراب المدن التي ينسلون منها إلى الأنهار القريبة من سكناهم، في أعيادهم الأربعة الكبرى، التي يوجزها رئيس الطائفة، "هي أربعة أعياد رئيسة ومناسبات أخرى، الأول هو عيد الخليقة، وفيه خلق الخالق عوالم الأنوار العليا، ويستمر لمدة خمسة أيام، والثاني عيد التعميد الذهبي في ذكرى الولادة الروحية لـ"يحيى بن زكريا"، والعيد الكبير الذي يصادف في يوليو (تموز) الحالي ويستمر مدة أسبوع، وهو بداية الخلق، الذي يمر حالياً. وعيد الازدهار وهو العيد الصغير، وفيه تم خلق الأزهار والثمار والطيور والحيوانات، إضافة إلى خلق آدم وحواء، وهذا العيد يعد بداية نشوء الخلق) وفق عقائد الطائفة الصابئية الموحدة، التي تناقصت كثيراً جراء الأزمات التي مر بها العراق وتحول عدد من أبنائها إلى الديانات الأخرى كنوع من التقية التي فرضتها عوامل القهر المجتمعي المتغول بالميليشيات، وصعود نبرة الانتقام والمحاصصة السياسية، التي أقصت كثيرين وجعلتهم يتوارون عن عوالم الألفة والسلام.