Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

فجوة تعريف الأزمة تصعب مهمة التنسيق السعودي - الأميركي في اليمن

إدارة بايدن تعتبر القضية إنسانية يجب احتواؤها في حين تراها الرياض مشكلة سياسية وأمنية

تسبب استيلاء الحوثي على الدولة بقوة السلاح إلى اندلاع الحرب ومن ثم الأزمة الإنسانية (أ ف ب)

انتهت قمة جدة الأولى مع قادة دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن بمشاركة الرئيس الأميركي بايدن، وحضرت القضية اليمنية بحرب سنواتها الثمان بالتأكيد على دعم جهود الحل السياسي في البلد الملتهب من دون رؤية واضحة تدفع بهذا الحل إلى نور الواقع اليمني المعاش، وهنا يبرز التساؤل عن الحامل السياسي الذي يفرض سلاماً مستداماً والدور الأميركي والتزامه التاريخي حيال تزايد الأخطار الإيرانية التي تهدد اليمن وجاره الخليجي من خلال تنامي قدرات الأذرع والميليشيات المسلحة، والمنتظر من واشنطن تجاه شركائها عقب مناقشة هذه الملفات خلال زيارة بايدن الأخيرة.

بين الإنساني والسياسي

مراقبون اعتبروا أن التأكيد الأميركي على حصر القضية اليمنية في الجانب الإنساني بوصفها أزمة معزولة عن مسبباتها يعد قصوراً واضحاً في فهم طبيعة المشكلة وأبعادها، وهو ما يعطل العثور على حلول موضوعية لجذر المشكلة وأسبابها التي تعتبرها الشرعية ومعها السعودية مشكلة "سياسية سببها انقلاب على السلطة والإجماع الوطني"، بخاصة إذا ما أخذنا في الاعتبار الرفض الحوثي المتكرر لكل صوت ينادي بإسكات آلة الحرب والاستجابة لدعوات السلام، وفقاً لمرجعيات الحل الثلاث المتمثلة في المبادرة الخليجية ومخرجات مؤتمر الحوار الوطني والقرارات الدولية ذات الصلة، وهي المرجعيات التي ترفضها الجماعة المدعومة من إيران التي قال أحد قادتها إن "الزمن والمعطيات تجاوزتها ولم تعد عملية ولا مجدية".

ففي الوقت الذي تتعالى فيه دعوات العالم للشروع في عملية سياسية توقف الاقتتال وتضع حداً لأسوأ أزمة إنسانية في العالم، تواصل عربات الدفع الرباعي الحوثية ومجنزراتها المحلمة بالمسلحين توافدها على تخوم عدد من المدن التابعة للحكومة الشرعية، وفي مقدمها محافظة مأرب الاستراتيجية.

وكما يبدو فالتأكيد بحسب مراقبين على تصوير المشكلة بأنها إنسانية فقط يكشف عن هوة في تعريف القضية اليمنية التي بدأت مع الانقلاب الحوثي على الدولة والاجماع الوطني المتمثل في الحوار الوطني ومخرجاته العام 2014، وينبئ عن إشكال في تنسيق المواقف بين الولايات المتحدة وشرائكها في المنطقة وفي مقدمهم السعودية.

ماذا في جعبة بايدن؟

بالنظر إلى المقاربات الأميركية التي حملتها حقيبة الرئيس الأميركي إلى جدة، يتأكد أن "الوضع الإنساني هناك بلغ مرحلة حرجة لا تحتمل مزيداً من التأخير"، ولهذا باتت مهمة إيقاف الحرب أولوية أميركية خلال المرحلة المقبلة لإتاحة الفرصة أمام جهود إغاثة ملايين الجياع والمشردين والمرضى، إضافة إلى الوضع الاقتصادي المنهار.

غير أن الرؤية الأميركية لم تتطرق إلى ما ستتضمنه العملية السياسية الحاملة لهذا المسعى في ظل الرفض الحوثي المستمر لدعوات السلام، ويتمثل ذلك الرفض في معارضة مبادرات سبق وتقدمت بها الشرعية والسعودية والأمم المتحدة، وأيضاً مقاومتهم تمديد الهدنة.

ويقول السفير اليمني لدى بريطانيا ياسين سعيد نعمان إن اليمن "لا يحتاج إلى حلول جاهزة بمعايير إنسانية فقط، ما لم ترتب هذه الحلول سلاماً مستداماً يمكن اليمنيين من التوافق على بناء دولتهم ونظامهم السياسي الديمقراطي الذي يمنح الناس حق تقرير خياراتهم السياسية".

وأضاف نعمان عبر مقالة نشرها قبيل انعقاد القمة على صفحته في "فيسبوك"، "إذا كانت قضية السلام في اليمن فعلاً ضمن اهتمامات الرئيس بايدن، وهذا ما لا نشك فيه لأسباب تتعلق بعلاقة ذلك بأمن الإقليم كله، فلا بد من أن تتسع طاولة الحوار حول قضايا الإقليم لليمن أيضاً، وسيكون صوت اليمن إلى جانب صوت الحلفاء الأشقاء معبّراً وذا قيمة في تأكيد الترابط الوثيق والمنهجي المقاوم للمشاريع التي لا تريد الخير للمنطقة"، في إشارة إلى النظام الإيراني.

الجذور أولاً

وخلصت إشارة الرئيس الأميركي خلال قمة جدة في ما يتعلق باليمن إلى التأكيد على "تمديد الهدنة الإنسانية"، وأضاف في كلمته، "سنعمل ‏مع السعودية وسلطنة عُمان لإيجاد حل سياسي في اليمن".

ويقول السفير اليمني لدى منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة "يونسكو"‏، محمد جميح، إن "اختصار الأزمة اليمنية في بعدها الإنساني والتعامي عن جذورها السياسية الكامنة في انقلاب الميليشيات نوع من الهرب من قول الحقيقة، بعدما عجز المجتمع الدولي عن إنفاذ قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة".

وتمثلت بوادر هذه المقاربة في "اتفاق ستوكهولم الذي أسس للنظر إلى الأزمة على أساس أنها أزمة إنسانية ملحة، مع إغفال أسبابها".

ووفقاً لجميح فالحديث عن السلام من دون رؤية واقعية لإحلاله "مجرد كليشيهات تردد لملء فراغ البيانات".

ويضيف، "هناك سؤال صعب يواجه كل من يدعون إلى السلام في اليمن، وهو كيف يمكن إقناع الحوثي أو إلزامه بالسلام؟ ولا أحد لديه تصور عن ذلك، وهذا ما يجعلنا نذكر أن دعوات السلام في هذا السياق مجرد كلام شعاراتي لا يهدف إلى التطبيق بقدر ما هو أقرب لتسجيل مواقف لأغراض أخرى".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وبالنسبة إلى الإدارة الحالية في واشنطن "فإن الهدنة تهمها أكثر من السلام، لأن الحزب الديمقراطي يريد أن يوظف الهدنة سياسياً بعد أن أصبح الوضع في اليمن ورقة مزايدة في السجالات الانتخابية الأميركية".

ووافقت الحكومة اليمنية وجماعة الحوثي مطلع يونيو (حزيران) الماضي على تمديد هدنة إنسانية في اليمن مدة شهرين آخرين، بعد انتهاء سابقة لها بدأت في الثاني من أبريل (نيسان) الماضي.

الرياض تفرض قولاً آخر

في المقابل، يرى آخرون أن القمة حققت نجاحات للشرعية وتبنت مخرجات ستدفع نحو السلام اليمني المستدام، إذ يرى المحلل السياسي اليمني علي العبسي أن هناك توافقاً على إنهاء الحرب في اليمن كمبدأ تبناه بايدن منذ توليه رئاسة الولايات المتحدة الأميركية، وهو أيضاً قناعة سعودية بمعنى أن السلام هو الحل الوحيد لهذا النزاع.

ووفقاً للمعطيات التي طرأت خلال السنة الماضية في رؤية دعم جهود الحل السياسي، فقد "تم الاتفاق بين الولايات المتحدة والشرعية والسعودية على استمرار الهدنة، بمعنى أنها الطريق الذي يهيئ للسلام المستدام".

هناك مقابل

العبسي يقول إن رؤية الحل السياسي ترتكز على حامل سياسي سبق وتوافق عليه اليمنيون، فالسعودية "نجحت في انتزاع مسائل عدة مهمة للغاية من الولايات المتحدة، ومنها اعتماد خطوات بناءة للسلام تقوم على المرجعيات الثلاث، وهي المبادرة الخليجية ومخرجات الحوار الوطني والقرارات الأممية ذات الصلة، وفي مقدمها القرار (2216) الذي يعتبر أن ما حدث في اليمن انقلاب مسلح، ويدين الحوثيين بشكل واضح ويحملهم أسباب الحرب".

وأضاف، "هذه مسألة مهمة كون الولايات المتحدة كانت تلمح إلى أن هذا القرار تم تجاوزه ولم يعد صالحاً باعتبار الحوثيين أصبحوا رقماً صعباً، ولكن واشنطن الآن أصبحت تتبنى وجهة نظر السعودية والحكومة اليمنية الشرعية، وهذه مسألة متقدمة في قضية اليمن".

"القوة 150"

ويورد العبسي ما قال إنه "خطوة متقدمة أخرى" تضمنتها مخرجات قمة جدة للقضية اليمنية، وتتمثل في إنشاء "القوة البحرية المشتركة 150" لرقابة وحراسة الممرات المائية الدولية لمنع التهريب والقرصنة برئاسة السعودية خلال هذه المرحلة.

ويعتبر أن هذه الخطوة "مهمة والهدف منها محاصرة الميليشيات الإيرانية وأذرعها، ومنع إمدادات السلاح والمشتقات النفطية التي تقدمها لها إيران، وتمثل هذه الخطوة عامل ضغط رئيس على الحوثيين للانصياع للسلام طالت المدة أو قصرت، لأن الممرات البحرية خلال الفترات الماضية كانت شاهدة على قيام البحرية الأميركية والبريطانية والسعودية بالقبض على شحنات أسلحة إيرانية متطورة كانت في طريقها إلى الميليشيات الحوثية".

إصلاح المشوش

وفور وصوله إلى جدة قبيل انعقاد، استقبل الرئيس اليمني رشاد العليمي المبعوث الأميركي إلى اليمن تيموثي ليندركينغ، مرحباً بما وصفه "الجهود الأميركية للتخفيف من المعاناة الإنسانية للشعب اليمني ودعم شرعيته الدستورية وتطلعاته لاستعادة دولته وإنهاء انقلاب الميليشيات الحوثية"، آملاً أن "تسهم جولة الرئيس جو بايدن في المنطقة بما في ذلك القمة العربية - الأميركية في تصحيح الصورة المشوشة حول الأوضاع في اليمن وجذور الأزمة، والمقاربات الأمثل للوصول إلى سلام مستدام قائم على المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية"، في إشارة إلى جملة من التباينات التي طرأت على علاقة واشنطن بشركائها في المنطقة خلال الفترة الماضية، وانعكاساتها على القضية اليمنية.

ضغط منتظر

العليمي أكد على "أهمية مضاعفة الضغوط الأميركية والدولية" حتى يتم "دفع ميليشيات الحوثي للوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاق الهدنة"، محذراً من "استخدامها لعائدات المشتقات النفطية والتسهيلات الإنسانية عبر موانئ الحديدة لدعم مجهودها الحربي والعمليات العدائية المتخادمة مع التنظيمات الإرهابية".

الميليشيات تحشد للحرب

وفي أول رد فعل رسمي إزاء دعوات تجديد الهدنة التي أعلنت قمة جدة التوافق في شأن تمديدها، أعلنت الميليشيات الحوثية رفضها تمديد الهدنة التي تنتهي في الثاني من اغسطس (آب) المقبل.

وقال بيان لما يسمى بالمجلس السياسي الأعلى إن "الهدنة مثلت تجربة صادمة ومخيبة للآمال ولا يمكن تكرارها في المستقبل".

 وعبّر المجلس عن رفضه لأي مخرجات تصدر عن زيارة الرئيس الأميركي بايدن إلى المنطقة وتمس سيادة وأمن واستقرار اليمن، وفق وصفه، بحسب وكالة سبأ التابعة للحوثيين.

الرفض الحوثي

وكان مصدر في الرئاسة اليمنية تحدث إلى "اندبندنت عربية" قبيل انعقاد القمة، قائلاً إن مجلس القيادة الرئاسي أطلع الجانب الأميركي على "رفض ميليشيات الحوثي المتكرر ومن خلفها إيران للحلول السياسية التي من شأنها تخفيف المأساة الإنسانية، وبالذات في ما يتعلق بفتح الطرقات والمعابر في تعز ووقف هجومها على مأرب".

أما عن المؤمل اتخاذه من بايدن فقال، "نعول أن تكون أميركا إلى جانب اليمنيين في استعادة دولتهم، كون الميليشيات رفضت كل المبادرات التي تضمنت تنازلات أبدتها الحكومة استشعاراً لمسؤولياتها تجاه شعبها والتزامها، ومعها التحالف العربي الداعم لها ببنود الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة من خلال فتح مطار صنعاء وميناء الحديدة والالتزام بوقف إطلاق النار، وجميعها قوبلت كما العادة بتنصل حوثي معهود تضمن رفض دعوات السلام وتنفيذ الالتزامات في شأن طرقات تعز ووقف إطلاق النار وغيرها".

وبموازاة ذلك اتهم الجيش اليمني الميليشيات الحوثية بارتكاب 146 خرقاً يومي الإثنين والثلاثاء الماضيين في جبهات الحديدة وتعز والضالع ولحج وحجة والجوف ومأرب.

المزيد من تحلیل