Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ريشي سوناك يرغب في إجراء "حديث صادق" لكنه لا يريد إجابات صريحة

استناداً إلى المنطق الذي يعتمده الوزير السابق للخزانة في بريطانيا ربما كان من الأجدى له أن يرفض المنصب منذ بداية الوباء

الجزء الرئيس اللافت في الحديث الصادق الذي أجراه ريشي سوناك لم يكن في إطلاق وعد لا يمكنه الوفاء به  (رويترز)

اعتلى وزير الخزانة البريطاني السابق ريشي سوناك المنصة ليخبر الحضور بأن الوقت قد حان لاعتماد الصدق في الحديث عن الأوضاع الراهنة، وعن الأسباب التي آلت بنا إلى ما نحن عليه".

إنه تماماً على حق، فقد حان الوقت فعلاً للصراحة. من المحتمل أنه يعرف أن ما قام به، أكثر من أي شخص آخر، لطرد الرجل (رئيس الوزراء) من "10 داونينغ ستريت"، كان عليه أن يغادر لأنه لم يكن يقول الحقيقة. وليس فقط لأنه لم يتمكن من لجم نفسه عن الكذب، بل لأنه كان يتعين على الآخرين أن يكذبوا له. تماماً كما الناطق باسم رئيس الوزراء، الذي كان يعتذر شخصياً لعشرات الصحافيين لمعرفته بأنه كان يكذب عليهم لعدة أشهر، في وقت تقضي فيه وظيفته الممولة من دافعي الضرائب، بأن يقدم لهم إحاطات إعلامية كل يوم.

من هنا يبدو مخيباً للآمال أن يكون فريق سوناك نفسه، قد أمضى فترة التحضير لحدث إطلاق حملته الخاصة (بالترشح لزعامة حزب المحافظين)، بإخبار إعلاميين من بعض المنشورات الصحافية بأن الحدث بات مكتمل الحضور، وإبلاغ آخرين من صحف أخرى مثل "ديلي تلغراف"، أنه لا يزال هناك كثير من الأماكن الشاغرة. من هنا، إن كان وزير الخزانة السابق يريد إجراء حديث صادق في "الأوضاع التي نحن فيها وكيف وصلنا إليها"، ففي ما يأتي لمحة واحدة "عما نحن عليه".

على بعد دقيقة واحدة سيراً على القدمين من المقر الحكومي، كانت كيمي بادنوك (وزيرة الدولة البريطانية لشؤون المساواة) تطلق أيضاً ترشيحها لمنصب رئيس الوزراء. وقالت، "سأركز على أولويات الناس، وليس على أولويات تويتر". أما خارج الغرفة التي كانت تتحدث فيها، فكان أحد أعضاء فريق حملتها يكتب بخط يده عبارة "رجال" و"سيدات" على قطع من ورق الأبيض، ثم قام بقصها ولصقها على أبواب المراحيض.

ليس ذلك بصراحة سوى تصرف بديهي يمكن توقع المزيد منه في الأيام القليلة المقبلة. فكيمي بادنوك تخوض حملات قوية لإلغاء المراحيض المحايدة من حيث النوع. ومن الواضح أنها تعتقد أن إلصاق قصاصتين من الورق على أبواب المراحيض قد يجعلها تبدو بطريقة ما أقل غباء وليس أكثر.

كيف وصلنا إلى هنا إذاً؟ حسناً، هناك إجابة تختصر بكلمة واحدة: "المحافظون". فعندما يتحطم كل شيء ويتبادل الجميع الكراهية في ما بينهم، يكون هذا هو الجواب. فكيف وصلنا على سبيل المثال، إلى النقطة التي تعتلي فيها كيمي بادنوك المنصة، لانتقاد شركات مثل "بن أند جيريز" Ben and Jerry"s للمثلجات، في هجوم على الشركات التي تركز على "العدالة الاجتماعية" على حساب الأرباح؟"

 (إنها بالتأكيد الشركة نفسها التي قام مؤسساها بن وجيري- اللذان كانا يعرفان، بطريقة أو بأخرى، ما يكفي عن الإنتاجية والربح- ببيع أصول المؤسسة لشركة "يونيلفر" Unilever، المعروفة بدفاعها عن العدالة الاجتماعية، لقاء مبلغ من المال هو أدنى من 300 مليون جنيه استرليني، أو 360 مليون دولار أميركي).

كيف وصلنا إلى ما نحن عليه في ظل وجود سياسيين بارزين يصيحون في وجه شركات الآيس كريم، التي لا تزال لديهم مشكلات عالقة معها، لانتقاد خططهم التي كانت تنادي بتثبيت أجهزة لتوليد الأمواج بطاقة عالية في مياه بحر المانش (القنال الإنجليزي)، بغية إغراق القوارب التي تحمل مهاجرين على متنها، قبل أن تتمكن من الوصول إلى البر البريطاني؟

أما ريشي سوناك، فاختار من جانبه الثناء على بوريس جونسون تجنباً لدفنه. وقال إنه "طيب القلب". وأشاد بـ"إنجازاته الرائعة"، مثل "كسر الجمود في مسألة (بريكست) (الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي) عبر الصفقة التي أبرمها مع بروكسل، في وقت يحاول فيه الآن خرق القانون لإلغائها. ومن المخيب للآمال أنه يتعين علينا الخوض من جديد في مثل هذه التفاصيل، خصوصاً عندما يكون محور المسألة هو الشخص الذي أجهز عليه سوناك شخصياً، لكن ليس من الواضح على الفور مدى طيبة القلب التي يمكن أن يمتلكها (جونسون) كي يتستر بدعوى قضائية لإخفاء وجود أحد أطفاله (ظل عدد أبناء جونسون نقطة نقاش لأعوام عدة، إلى حين إصدار محكمة إنجليزية أمراً قضائياً يمنع المؤسسات الإعلامية من تناول مسألة وجود ابنة له من علاقة خارج إطار الزواج).

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

بطبيعة الحال، أعد سوناك مسبقاً العدة التي تدعم ترشحه. فدومينيك راب (نائب رئيس الحكومة ووزير سابق للخارجية) كان حاضراً للحديث عن الخبرة الواسعة التي يمتلكها وزير الخزانة السابق. وأشار إلى أن "الوقت الآن ليس مناسباً للتعلم واستقاء الدروس أثناء ممارسة مهام المنصب"، وهي نقطة يعتقد أنه ربما كان سيكون لها وقع أكبر، لولا أن قائلها هو الشخص الذي كان وزيراً للخارجية قبل أن يعرف أين تقع فرنسا.

إنه شخصية مدهشة من نواح كثيرة، فقد أصبح ريشي سوناك وزيراً للخزانة في بداية تفشي وباء عالمي، وفي غضون أسابيع قدم قرابة 9 موازنات، وأنفق مئات المليارات من الجنيهات الاسترلينية على خطة تمويل الإجازات غير المدفوعة، التي يعتبر حتى أشد منتقديه حماسة أنها كانت ناجحة. وبحسب المنطق الخاص بريشي سوناك، فربما كان عليه ببساطة أن يرفض المنصب.

في غضون ذلك، خرجت نادين دوريس (وزيرة الدولة للثقافة والإعلام والرقمية والرياضة) وجيكوب ريس موغ (وزير الدولة لفرص "بريكست")، للوقوف في "داونينغ ستريت" إلى جانب ليز تراس (وزيرة الخارجية)، التي كانت من أشد مؤيدي الخروج البريطاني من كتلة الاتحاد الأوروبي، بحسب ريس موغ. واعتبر هذا الأخير أنها كانت من أكثر الأشخاص الذين ساعدوه على إبراز "فرص "بريكست"" وتحديدها. وكان قد نشر قبل بضعة أسابيع، قائمة في هذا الصدد، أخذها من صحيفة "صن"، تبين فيها أن ما تصدر قائمة الأفكار المختارة (في إطار استطلاع للرأي أجري عن الفرص التي يقدمها الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي) كان اقتراحاً بتصنيع "مكانس كهربائية أكثر قوة". من هنا، إذا كانت ليز تراس هي العقل المدبر الخفي وراء ذلك، فمن الصعب أن نتخيل كيف يمكن أن نلعن أي فرد أكثر على نحو أقل إطراء.

(وبصرف النظر عن ذلك، يبقى من غير الواضح ما إذا كان أي شخص على الإطلاق سيكلف نفسه عناء تصنيع مكانس بريطانية جديدة ذات طاقة قوية، تتعارض والتنظيمات المعتمدة في سائر الأسواق العالمية الأخرى تقريباً. فجيمس دايسون- المبتكر البريطاني للمكانس الكهربائية بلا أكياس، ومؤسس شركة تحمل اسمه "دايسون Dyson- التزم الصمت حيال الموضوع، ربما لأنه كان يدرك أنه بعد محضه الدعم لـ"بريكست" ومن ثم قيامه بنقل شركته بالكامل إلى سنغافورة، قد يكون من الغباء إلى حد ما، أن يتفوه بشيء. يضاف إلى ذلك، أنه كان قد تخلى أخيراً عن خطط لتصميم سيارة كهربائية بحجة أنها لا تمثل "حلاً عملياً أو سليماً من الناحية التجارية". ويشك البعض في مدى صدقية المزاعم التي يطلقها جيكوب ريس موغ في شأن الفوائد المرتبطة بفكرة ابتكار تلك المكنسة الكهربائية الوهمية والعملاقة).

الجزء الرئيس اللافت في الحديث الصادق الذي أجراه ريشي سوناك، لم يكن في إطلاق وعد لا يمكنه الوفاء به لجهة إجراء تخفيضات ضريبية جذرية، شأنه شأن أي سياسي آخر، إنما في تجرؤه على وصف التغييرات التي قام بها أخيراً لناحية "تحديد عتبة الضمان الاجتماعي"، بأنها "أكبر تخفيض ضريبي على الإطلاق"، وهو ليس بالأمر الصحيح. فبالنسبة إلى أي شخص يحقق دخلاً أعلى من 35 ألف جنيه استرليني (41,650 دولاراً)، لم يكن ما قام به سوناك في الواقع تخفيضاً، بل زيادةً في الضرائب، لكن ناخبي حزب "المحافظين" هم عادة من ذوي الدخل المنخفض، بالتالي لا شك في أنهم سيكونون على ما يرام حيال هذا الأمر.

في النهاية، هذا هو ما نحن عليه الآن: ما زلنا نعيش في عالم من الوهم. كيف وصلنا إلى هنا؟ من خلال الخطوات السياسية والاقتصادية الخيالية للخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، والسلوكيات الوهمية التي غالباً ما اتسم بها "المحافظون" على مر الزمن. لا شك في أن ريشي سوناك محق في أنه حان الوقت لإجراء "حديث صادق" عن العوامل التي أدت إلى وصولنا إلى ما نحن عليه اليوم، لكن ما يشتبه فيه هو مدى الحديث الصادق الذي سيجريه جمهور الناخبين في صناديق الاقتراع خلال سنتين من اليوم تقريباً، إذ من المحتمل ألا يعجبه صدقهم كثيراً.

© The Independent

المزيد من آراء