Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

معركة الحجاب تشعل عطلة عيد الأضحى في مصر

محظورات الأزهر لاقت ردود فعل واسعة من المجتمع وانتفاضة جماعية من رجال الدين ضد المنتقدين

لعلها المرة الأولى التي ينصرف فيها قطاع من المصريين بعيداً من العيد وطقوسه وعاداته ليصولوا ويجولوا في خناقة الحجاب (أ ف ب)

على الرغم من عطلة العيد وحرارة الجو، احتدمت الحرب، وتأججت الاتهامات، واشتعلت التراشقات. أقطاب كلا الفريقين يعلمون علم اليقين أن المسألة ليست في "قطعة القماش" التي تعتلي أو لا تعتلي رؤوس المصريات، لكن اللاعبين والمشاهدين وألتراس الجانبين يرون أن المعركة مريعة والخلافات رهيبة والمسألة حياة أو موت.

حياة المصريين (المصريين المسلمين تحديداً) يصورها بعضهم هذه الآونة على أنها في مفترق طرق، لأن هناك من لا يرى مشكلة أو يستشعر معضلة في كون الأنثى المصرية تخرج إلى الشارع من دون حجاب للرأس وكأنها تعيش في مصر ما قبل سبعينيات القرن الماضي.

في المقابل يعتبر بعضهم أن النقاش المستعر الدائر والحرب حامية الوطيس المشتعلة بأصوات مكتومة فرصة ذهبية لتحرير البلاد وتخليص العباد مما يعتبرونه فكراً ظلامياً ورجعية طاغية تتخذ من رؤوس النساء أداة ومنصة لها.

إعادة تدوير المحظورات

منصة "مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية" دأبت على إعادة تدوير ونشر قائمة تحوي خمسة محظورات قبل عيدي الفطر والأضحى، تعتبرها على ما يبدو المحظورات الأفدح والممنوعات الأخطر في العيد، أي عيد. "تناول المحرمات ليلة العيد، وخروج الشباب والفتيات إلى المتنزهات غير ملتزمين ضوابط وأوامر الإسلام، وخروج المرأة (إلى صلاة العيد) متزينة غير ملتزمة الحجاب، ومواصلة قطيعة أحد الأقارب أو الأصدقاء، وصلاة النساء إلى جوار الرجال في صلاة العيد، وتُكره زيارة القبور في يوم العيد لأنه يوم بهجة وسرور.

لكن بهجة وسرور العيد هذه المرة جار سحقهما ودهسهما وخنقهما بين شقي رحى أنصار الحجاب من جهة والمجددين المطالبين بمراجعة فرضيته ومناقشة وجوبه من جهة أخرى. الأنصار والمجددون غارقون منذ ذبح طالبة المنصورة نيرة أشرف نهاراً جهاراً على يد زميل أحبها وتبرير البعض النحر لأنها لم تكن ترتدي الحجاب، لدرجة أن كثيرين تداولوا صوراً معدلة لها بعد وفاتها بعد إضافة عباءة سوداء وحجاب رأس لها إمعاناً في توصيل الرسالة.

الرسالة وصلت قبل نحر الطالبة بسنوات. ومنذ أيقن قطاع من المصريين وجود حاجة ماسة إلى تجديد الخطاب الديني واستشعر آخرون منهم أن الشكل السائد للدين والتدين في حاجة ماسة إلى التعديل، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وهو ما دفع قاعدة ليست قليلة منهم ورموزاً في المؤسسات الدينية الرسمية إلى رفع راية الدفاع عن اعتلاء الحجاب رؤوس المصريات، باعتباره دفاعاً عن الدين.

الدين والمتدينون ورجال الدين

الدين والمتدينون ورجال الدين والتمسك بالدين والدفاع عنه أو الإبقاء عليه جامداً أو أصولياً أو على حال مفسريه الأول ومطالبات تجديده أو تحديثه أو تطهيره جميعها يظل مثار شد وجذب على مدار الأعوام الـ 11 الماضية، تحديداً منذ اندلاع أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، لكنها آخذة في التصاعد والاحتقان والاحتدام في الأشهر القليلة الماضية، ووصلت إلى حد التصادم والتراشق في الأسابيع الماضية.

الأسابيع الماضية أظهرت مما لا يدع مجالاً للإنكار أن معركة الحجاب بين أطراف ثلاثة هي، التمسك به دون نقاش، ومحاربته دون منطق، ومناقشة ما يتعلق به من الوجوب وحرية الارتداء أو عدمه وتحريره من قبضة فرض السلطة الدينية الرسمية، والتوقف عن ازدراء غير المحجبات، ووضعهن في خانة ناقصات الدين وترهيبهن معنوياً باعتبارهن فاسقات أو جديرات بالتحرش وأخيراً مبرراً للذبح.

وبينما جانب من المصريين منشغل بذبح الأضحية وتوزيع لحومها، إذ بجانب آخر غارق في إطلاق التصريحات ومن ثم انتقادها وشجبها وتحليلها نفسياً واجتماعياً، أو تأييدها وتعضيدها واعتبارها حائط صد يذود عن الدين ويحمي المتدينين.

خناقة مستعرة

لعلها المرة الأولى التي ينصرف فيها قطاع من المصريين بعيداً من العيد وطقوسه وعاداته ليصولوا ويجولوا في "خناقة الحجاب". الخناقة المستعرة تشبه انتفاضة جماعية من قبل رجال الدين التابعين للمؤسسات الرسمية.

مؤسسة الفتوى التابعة للأزهر "مركز الأزهر العالمي للفتوى" في قائمة محظوراتها الخمسة وجدت نفسها متهمة بالإمعان في التحريض على المصريات ممن لا يرتدين الحجاب والإصرار على اختزال الدين في المرأة وملابسها، وذلك عبر صياغة المحظور رقم ثلاثة ألا وهو "خروج المرأة متزينة غير ملتزمة الحجاب" لذلك سارعت إلى تعديل المحظور، وإضافة عبارة "لصلاة العيد"، لكن يبقى ما في القلب في القلب وما في العقل في العقل.

التعديل أمعن في تسليط الضوء على ما سماه المعارضون بـ "خوف بعض من رجال الدين على سطوتهم على العقول"، ويصفه المؤيدون لسطوة رجال الدين على العقول بـ"حماية الدين والدفاع عنه ضد أعدائه".

ولا تمر ساعة إلا ويطلق أحدهم تصريحاً أو يصدر بياناً يؤكد فيه فرضية أو إلزامية أو وجوب الحجاب. وفي السياق نفسه تلهث المواقع الخبرية والمحطات التلفزيونية لاستضافتهم متأرجحة بين رغبة عارمة في اللحاق بـ "الترند"، أو رفع نسب المشاهدة ومعدلات المشاركة وربما انعكاس لمعتقدات ومعتنقات القائمين على هذه المنصات الإعلامية.

عناوين وعبارات دالة

في الساعات القليلة السابقة تواترت مئات العناوين على شاكلة "عميد كلية أصول الدين السابق، الحجاب فريضة ملزمة على كل مسلمة"، "رد الأزهر والإفتاء على منكري الحجاب، فرض ثابت"، "دار الإفتاء، الحجاب فرض بإجماع المسلمين شرقاً وغرباً"، "دار الإفتاء، الحجاب شعيرة من شعائر الإسلام"، "وكيل الأزهر، الحجاب فريضة كالصلاة"، "علماء، من يقول إن الحجاب حرية شخصية ضال"، "الأزهر، ترك الحجاب معصية كبرى"، "فتح باب النقاش والقيل والقال حول الحجاب فتنة"، "وكيل الأزهر، لا ينكر فرضية الحجاب إلا جاهل ضال".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويرجح بعضهم أن يكون المقصود بـ "الجاهل الضال" هنا هو من يميل إلى إعمال العقل أو يرفض الانصياع لفكر الجماعة التي باتت على قناعة بأن النقاش مفسدة وتشغيل العقل فتنة. وينظر كثيرون إلى المؤيد لإعمال العقل باعتباره من يشكك في الدين هناك. والرافض مبدأ "هذا ما وجدنا عليه آباءنا" هو رافض للدين ومشكك في المتدينين هناك، وجميعها أمارات حرب مستعرة تدور رحاها في عطلة العيد.

في عطلة العيد تكاد منصات التواصل الاجتماعي تنفجر لوطأة الشد والجذب الدائرة رحاهما بين الفرض في مباراة الحجاب. واشتد الوطيس عندما انطلق الأزهر بكل قوته غير مكتف بتصريحات رجاله على المنصات الإعلامية التقليدية في فقرات البرامج، لكن بكتابة التدوينات والتغريدات وتصميم الـ"إنفوغرافيكس" والرسوم التقنية التي يدور جميعها حول فرضية الحجاب. وبطرق مختلفة وعبارات متراوحة أكدت الصفحات الرسمية للأزهر أن "التشدق بالحرية والاجتهاد في فهم النص منهج علمي فاسد".

فساد الفكر وصلاحه

فساد الفكر أو صلاحه وإغلاق باب النقاش أو إبقاؤه مفتوحاً أو نصف مفتوح، واعتبار القائلين بأن الحجاب ليس فرضاً علماء مجتهدين، أو أشخاصاً ضالين حولت العيد على المنصات العنكبوتية إلى حلبة صراع غير مسبوقة.

قول أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر سعد الدين الهلالي قبل أيام بعدم وجود نص (قرآني) يؤكد فرضية الحجاب، وإن حديث (الرسول ص) الوجه والكفين الذي هو مرجعية الحجاب قيل بعد وفاة الرسول (ص) بـ 240 سنة، وإنه (الحديث) "ضعيف، ومرسل، ومنقطع" هو الشعلة الأكبر في تأجيج المعركة هذه المرة. وهي الشعلة التي تبقى مضطرمة متأججة على الرغم من أجواء العيد الاحتفالية وأنشطته الاجتماعية والروحانية المختلفة.

اختلاف ردود فعل المصريين حول الحجاب وكونه فرضاً أو مكرمة، وحرية شخصية أم إجباراً أفسد للود واحترام الآخر كل قضية. الأزهر يعلن يومياً تقريباً أن إجماع المسلمين قديماً على فرضية الحجاب "يحسم الجدل"، وهو ما يعتبره أنصار التجديد والنقاش وإعمال العقل وتحكيم المنطق والفهم قبل الاعتناق والاتباع حجراً على العقول وسلباً للحقوق وإمعاناً في إلغاء العقول. في الوقت نفسه، يعتبر الأزهر ورجاله "جدل" إعمال العقل في مسائل كالحجاب سفسطة وفتنة تارة وزعزعة للدين وخلخلة للمتدينين تارة أخرى.

يشار إلى أن أغلب المنصات الإعلامية التقليدية تنتهج نهج رجال الأزهر في التعامل مع الحجاب، باعتباره فرضاً غير قابل للنقاش، ولو من باب العرض لوجهات النظر المختلفة. عبارات مثل "الأزهر حسم الجدل"، و"لم يعد هناك مجال للتشكيك"، و"المشككون في الحجاب يمتنعون"، و"جدل النقاش المصطنع"، و"التكليف الشرعي بالحجاب" ترد في الأخبار وليس مقالات الرأي أو التحليل.

المؤامرة تفرض نفسها

تحليل ما فعله قطاع من المصريين في عطلة عيد الأضحى هذا العام من نقاش في شؤون الحجاب وجدل حول الفرضية وقوائم محظورات تتبدل حسب الحاجة، واتباع لمبدأ "شد وارخي" يحتاج إلى جهد اجتماعي ورصد ثقافي وتركيز نفسي.

لكن تظل التفسيرات الخاضعة لـ "نظرية المؤامرة" هي الأكثر طرافة على الإطلاق على الرغم من كونها أكثر كلاسيكية. فبين مؤكد أن انشغال المصريين بصراع الحجاب هو مؤامرة لإلهائهم عن غلاء الأسعار، أو شغلهم بعيداً من سعر الدولار، أو تمويه زيادات محتملة في فواتير الكهرباء، أو للتغطية على ارتفاع أسعار السجائر، أو لشغل الأثير بقضايا غير سد النهضة يظل هناك أنصار المؤامرة الأخرى الواقفون على الضفة المقابلة. فمنهم من يقول إنها مؤامرة لشغل المصريين بعيداً من قطار الإنجازات من بدء تشغيل القطار الكهربائي، أو لإلهائهم عن تحقق حلم الحوار الوطني أو للتقليل من حجم نجاح مشروعات العدالة الاجتماعية، مثل "حياة كريمة" أو "تكافل وكرامة".