Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مأساة المودعين اللبنانيين في مسرحية تستعيد فضيحة إنترا

"من قتل يوسف بيدس؟"عرض تفاعلي يزاوج بين أزمة الحب والإقتصاد

من المسرحية التفاعلية "من قتل يوسف بيدس؟" (الخدمة الإعلامية)

في عرض تفاعلي تختفي فيه خشبة المسرح  (مركز بيروت للفن) يؤدي الحضور دور الممثلين والجمهور في آن واحد، في مسرحية "من قتل يوسف بيدس؟" يجلس الحاضرون الاثنان والعشرون إلى طاولة مستطيلة بعضهم قبالة بعض، أمام هواتف تحاكي أيام كانت البورصة في الستينيات يجري تداولها عبر الهواتف السلكية، في حركة نشطة وسريعة للوسطاء الماليين لرجال المال والأعمال. على خلفية أزمة إفلاس بنك إنترا عام 1966 الذي كان يملكه يوسف بيدس، تقدم المسرحية ما عانى لبنان حينذاك، من أزمة مالية مصرفية شبيهة بما يحدث الآن، بددت أموال المودعين في استثمارات عالية المخاطر.

هكذا يبدو لمن يتذكر من الحضور هذه الأزمة عبر أهله أو أصدقائه، أو هكذا أرادت المخرجة وكاتبة النص كريستيل خضر أن تربط بين ما يحدث اليوم، وما حدث في الماضي. هي ليست متخصصة بالاقتصاد ولا في مجال المال والأعمال، وإن استخدمت في نصها بعض المصطلحات الاقتصادية بوصف بيع الخدمات والسلع عملية تبادل تجاري. فالتبادل تجارة سواء تم بالنقود أم بالمقايضات، أم بالسندات والأوراق المالية. وترددت هذه الكلمات عبر صوت في الخلفية، يحاول أن يشرح ما هو مفهوم أصلاً للعامة، بهدف تبسيط هذه المصطلحات على الحضور. وبما أن الحياة أخذ وعطاء -أي تبادل- فكذلك الحب. فالحياة هي الحب، هي تبادل. ولذا تلجأ كريسيتل إلى المقارنة بين الحب والتبادل التجاري، معتبرة كليهما -بحسب قولها- يجريان على قاعدة التبادل والأخذ والعطاء. مع أنهما لا يتشابهان إن في الغاية من التبادل أم في الشغف الذي يحرك طرفي التبادل.

وفي لقاء معها، شرحت تيمة المسرحية/ النص، في محاولة لفهم الشغف الذي دفع يوسف بيدس إلى المخاطرة باستخدام أموال المودعين عبر استثمارها في مشاريع ربحية غالباً ما تنتج أرباحاً وهمية تتسبب بالتضخم وتالياً بانهيار اقتصادي مدمر. وهذا ما حصل في عام 1966، فقد أدى التضخم إلى عجز بنك إنترا عن سداد أموال المودعين لأنها كانت عالقة في مشاريع استثمار طويلة الأمد. وهو ما تنتهجه النيوليبرالية في كل أنحاء العالم، ويدفع باقتصادات الدول إلى أزمات تتكرر، من غير أن يردعها التكرار عن معاودة السير على النهج الرأسمالي نفسه. ترى كريستل أن هذا الشغف بالتوسع الذي سيطر على يوسف بيدس قاده إلى الهلاك، لكن الشغف بالحب في رأيها لا يقود إلى الهلاك، بل يتم إبرام وعود على مستويات طويلة ومتوسطة وقصيرة للحفاظ على وعود تظهر في سندات توضع في مغلف أمام الحضور/ الجمهور المتفاعل مع هذا التجهيز المسرحي على خلفية المقارنة بين وعود العمليات المالية، من خدمات وسلع وسندات مصرفية ووعود الحب التي تحاول أن تحاكي في تبادلها السندات والأوراق المالية والعمليات المصرفية على أنواعها.

البشر أرقام

 يخرج صوت في الخلفية -بين حين وآخر- يدعو اثنين من الحضور عبر أرقام تعطى لهم قبل الدخول إلى العرض المسرحي، وينادي الصوت عليهم بوصفهم أرقاماً، بهدف دفعهم للقيام بعمليات تبادل للسندات يختلف مداها وقيمتها، بل يطلب من أحد الحضور كشف جميع مستنداته لشخص آخر، في محاكاة للتخلي عن السرية المصرفية ربما، إلا من مستند طويل الأمد يدعونا إلى "رح نوعد حالنا إنه ننسى كل شي صار لنقدر نكمل"، وهو سند على المدى الطويل. أما بقية السندات فهي وعود بالحب بعبارات تبدو ساذجة تعكس التبادل الذي يفترض أن تقوم عليه علاقة الحب بوصفها أخذاً وعطاء، لكنه تبادل غير مشروط إلا من بعض المقايضة في إطلاق الوعود، من مثل إذا فعلت لي كذا سأقوم برد هذا الفعل بعمل عاطفي أو رومانسي مقابل.

يرن الهاتف من حين لآخر كي يرد عليه أحد الحضور، ليسمع الصوت ذاته يردد عبارات هي كناية عن تعبيرات متنوعة لعلاقة الحب، تبدو رومانسية ساذجة حيناً، وأحياناً تعكس هذه المقاربة في التبادل بين الحب والمال، لكنها عبارات مضحكة حيناً وجدية حيناً آخر تعكس القلق من خسارة الحبيب والمخاطر التي قد تنشأ إن لم يستجب الحبيبان لمنطق الأخذ والعطاء، أي التبادل الذي يشتركان فيه مع التبادل التجاري والاقتصادي.

 وإذ تبرئ كريستيل خضر الحب من كونه شغفاً إنسانياً محضاً لا يشبه شغف النيوليبرالية الجشعة التي يدفعها طمعها بالمال إلى تدمير حياة الناس، عبر تبديد ودائعهم في استثمارات عالية المخاطر.

فشغف الرأسمالية يدمر حيوات الناس بالجملة - بحسب كريستيل - بينما يقتصر الفشل في الحب على تدمير علاقة شخصين فقط أو واحد من الحبيبين على مذبح التخلي عن معادلة التبادل في الحب، أي معادلة الحياة بوصفها الحب، وبوصف كليهما أخذاً وعطاء.

مسرح تفاعلي

التجهيز التفاعلي الذي قام به المصمم السنوغرافي نديم دعيبس ومصمم الصوت زياد مكرزل، هو ما يمنح المتعة والحيوية للعرض المسرحي التفاعلي، لا الأفكار، التي شابها التخبط حيناً والالتباس حيناً آخر. ليس فقط في معضلة المقارنة بين الحب بوصفه تبادلاً إنسانياً، بينما التبادل التجاري للعمليات المالية والاقتصادية يقتصر على الربح المادي غير العابئ بمصالح الناس وحياتهم. قد نتفق أو نختلف في أوجه المقارنة بين نوعي التبادل، لكن ما هو جلي وشديد الوضوح أن الجشع الرأسمالي والشغف اللذين لا يرحمان أحداً تركا بصماتهما على الحب نفسه. فتم تشييء علاقات الحب لتنضوي تحت تحوله في العقود الأخيرة إلى مجرد مصلحة في العلاقات الإنسانية تشوه جوهره غير القابل للشروط والمقايضة.

نرى ذلك ربما في التزايد بنسب الطلاق والعنف الأسري أو عيش علاقات وزيجات، وسط جو مشحون بالتوتر والخداع والخيانات، تنتهي بسقوط ضحايا غالباً ما يكونون من النساء، وتطاول بأضرارها حياة الأطفال، هذا طبعاً إن لم نتحدث عن علاقات سفاح القربى بين الآباء والأمهات والأبناء، أو بين الإخوة. فالرأسمالية نهج يدمر أيضاً العلاقات الإنسانية جارفاً معه قيم الحب، إلا لمن استطاع الصمود أو قبول المخاطرة في العيش، ضمن علاقة حب على مضض، أو الاستمرار بزواج تعيس تحت ذريعة صالح الأطفال أو الصورة المنمطة للزيجات، حفاظاً على مظاهر زوجية وأسرية خادعة.

وعلى الرغم من الالتباسات العديدة في النص التي بدت غير مفهومة أو مترابطة، ولا تظهر الهدف الواضح المتوقع من العرض المسرحي في مساءلة الحاضر انطلاقاً من تجارب الماضي وأزماته، في المال والأعمال والحب، فقد يخرج البعض من العرض من غير أن تصله الفكرة أو ربما هذا ما أرادته المخرجة عن عمد، يشبه ما نعيشه اليوم من تخبطات. أو شاءت أن يصدمنا التكرار في الأزمة الراهنة لإفلاس بنك إنترا 1966. فاليوم قد يشبه الأمس بالجذور الرأسمالية في نهجها نحو التوسع والربح الجشع وعدم التوقف عند حد، لكن أزمة 1966 دفعت الدولة اللبنانية إلى التعويض من أصولها على جزء من خسارة المودعين. ولم تسعَ الدولة إلى حماية بيدس من الإفلاس، لكونه لا ينتمي إلى أحد البيوتات العريقة كبيت إدة أو الجميل أو كرامي أو حمادة. فهو من لبناني من أب فلسطيني وأم لبنانية، فضلاً عن أصابع خارجية سعت لإسقاطه، عربية ودولية - بحسب كريستل خضر الكاتبة والمخرجة، أدت إلى موته أو قتله، لا فرق.

الصعود والسقوط

يبقى أن كرسيتيل خضر قدمت عام 2020، بعد انفجار الأزمة المالية الاقتصادية، عرضاً مسرحياً تفاعلياً أيضاً، لكن تم بثه إذاعياً وكان بعنوان "الصعود والسقوط لسويسرا الشرق"، وتضمن أيضاً محاكاة لتجربة يوسف بيدس وأزمة إنترا، لمساءلة الأزمة المالية والاقتصادية التي بدأت معالمها تتضح في عام 2019، وانفجرت في شكل غير مسبوق في التاريخ على شكل حجز أموال المودعين، ولكن بالتواطؤ ضمناً مع المنظومة السياسية الحاكمة التي نهبت هذه الأموال عبر الموازنات التي كان يضخها المصرف المركزي في لبنان في شرايين الفساد والنهب المنظم.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لعل خوض كريستيل خضر في مسألة شائكة في عمل مسرحي تفاعلي ينم عن شجاعة غير مسبوقة في موضوع "الجائحة الاقتصادية اللبنانية". وبدا تناولها في نص مسرحي أو تفاعلي أقل وعورة من تناول الجشع الرأسمالي الذي لا يقف عند حد، حتى لو أودى بمستقبل الرأسمالية كنهج مولد للأزمات، بل بالكوكب برمته.

يبقى أن نشير إلى جهود فريق العمل الذي لا يمكن تجاهل بصماته في تجهيز تفاعلي لا يمكنه أن ينجح من غير عمل فريق "من قتل يوسف بيدس؟" بدءاً من المصمم السينوغرافي نديم دعيبس، ثم في تصميم الديكور لكل من رواد كنج، وفارس مرعي، وعبد القادر شرف الدين، وأيضاً في التصميم الغرافيكي المتميز لفيليبا دحروج. التنسيق النشط أيضاً لمدير الإنتاج وليد صليبا كان له الأثر البارز في دعم الفريق بكل ما يتطلبه العرض التفاعلي من إدارة وإبداع متكاملين.

وفي أنحاء "مركز بيروت للفن"، تطالعنا الصالة الرئيسة بلوحة توثيقية تناولت محطات من حياة يوسف بيدس وجذوره وسيرته الذاتية الموجزة، في محطات حتى لحظة إفلاسه وموته. ولا يلبث الحضور أن يواجه حين الخروج "قصراً من ورق" تم بناؤه من أوراق كرتونية تضمنت الوعود ذاتها التي تم تداولها كسندات داخل العرض، فضلاً عن المزيد والمزيد من الوعود/السندات، مع بدء انهيار هذا القصر بوصف الوعود أوهاماً، أو ربما حتى مشاعر صادقة، لكنها قد تصب في الوهم إن لم يتخلَّ المحبون عن سذاجتهم أو تشييئهم الحب، امتداداً للنهج الذي فرضته الرأسمالية على كل شيء، بما فيه أعمق القيم الإنسانية، أو الوهم الذي يدعيه التبرير الرأسمالي للجشع والتوسع في أرباح وهمية، تنتج كل يوم المزيد من الأزمات، أو هكذا خيل لنا.

المزيد من مسرح