ترمب و"خيار التراجع"... كيف تسير استراتيجية الرئيس الأميركي تجاه طهران؟

محللون: خبرته الضعيفة بالسياسة الخارجية أربكت حساباته... ومصداقية واشنطن في خطر

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

بعد إعلانه إيقاف تنفيذ ضربة عسكريّة، قبل دقائق من اندلاعها، ضد إيران رداً على إسقاط طائرة استطلاع عسكرية أميركية مسيّرة، لا تزال استراتيجية الرئيس الأميركي دونالد ترمب تزيد من (خلط الأوراق) بالمنطقة، وفق تعبير مراقبين، وذلك في وقت تتباين فيه مواقفه بشكل كامل بين (ذروة التصعيد بشن حرب) و(الدعوة إلى إجراء محادثات عاجلة حول عدة قضايا).

أمس الجمعة، قال الرئيس الأميركي في مقابلة مع شبكة (إن. بي. سي) الأميركية، إنه "لا يريد الحرب مع إيران"، لكنه أشار في الوقت ذاته إلى "أنها (الحرب) لو وقعت فستسبب دماراً هائلاً".

وشدد ترمب، "لا أسعى إلى الحرب، لكنها لو وقعت ستسبب دماراً ماحقاً لم تروه من قبل، إلا أنني لا أرغب في فعل ذلك"، ملمحاً إلى تمسُّكه بخيار "إجراء محادثات مع إيران".

 

وجاء ذلك في إطار تعليق الرئيس الأميركي على تساؤلات حول أسباب إلغائه ضربة عسكريّة كانت تستهدف مواقع عسكرية إيرانية فجر الجمعة رداً على إسقاط طهران طائرة استطلاع أميركية، قالت إيران إنها "اخترقت أجواءها".

وعلل ترمب إلغاء العملية، لأن "الرد بهذه الطريقة على إسقاط الطائرة كان سيؤدي إلى خسائر غير متناسبة في الأرواح تقدر بنحو 150 شخصاً". إذن، ما الذي يريده الرئيس الأميركي من طهران؟

تضارب في استراتيجية ترمب
وفق مراقبين يرغب الرئيس الأميركي في الظهور "محارباً"، لكنه يريد في الوقت ذاته "تجنُّب الحرب"!

واتضحت هذه الرغبات المتضاربة عندما كانت القاذفات الأميركية تستعد لإطلاق حممها على إيران، لكن ترمب قرر إيقافها في اللحظات الأخيرة، ويجسّد ذلك حالة التناقض، التي طغت على السياسة الخارجية للبيت الأبيض طوال العامين الماضيين.

يقول روبرت مالي رئيس مجموعة الأزمات الدولية والمستشار السابق للرئيس الأميركي السابق باراك أوباما "ترمب تتجاذبه غريزتان: واحدة تدعوه إلى الحذر، ومردُّها الاعتقاد بأن الحروب اللا منتهية كانت مكلّفة جداً للولايات المتحدة، والثانية الظهور بمظهر الرجل القوي، الذي لا يمكن تجاهله".

وأضاف، "الرجل الذي كان مستعداً عسكرياً للهجوم، هو نفسه الذي اتخذ قراراً محباً للسلام لتجنّب مقتل 150 شخصاً في ضربة انتقامية لإسقاط إيران الطائرة المسيّرة. إذ لخص ترمب بشكل جيد التردد، الذي يسود أقوى إدارة بالعالم".

وحسب مالي فإن "ترمب لديه بالفعل استراتيجية بشأن إيران، ففي البداية يمارس أقصى درجات الضغوط بما في ذلك (التهديد بالخنق اقتصادياً)، وبعد ذلك يقول (إذا كنتم مستعدون لقبول شروطنا، فإن الباب مفتوح لإقامة علاقات قوية)".

 

ويرى أن "المشكلة هو أنه عندما تخفق مقاربة رجل قوي، تجد إيران نفسها في الزاوية، وبعد ذلك يواجه معضلة لا يحبها، وهي شن الحرب أو التراجع".

من جهته، يقول روبرت غوتام الباحث في جامعة جونز هوبكنز للدراسات الحكومية المتقدمة، إن "العيب في تفكير ترمب أبسط وأكثر عمقاً".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويوضح "لا علم له بما يفعله. يقول كلاماً كبيراً، لكن ليست لديه خبرة في السياسة الخارجية. يقول: أنا شخص قوي، لكن إياكم وأن تجربوني".

ويشير "قرار ترمب المفاجئ بالتراجع عن الخطة، التي كانت تقضي بقصف ثلاثة مواقع إيرانية إلى أنه يريد حلاً دبلوماسياً لإنهاء أسابيع من المواجهة مع إيران التي تتهمها واشنطن بالمسؤولية عن سلسلة من الهجمات على ناقلات نفط في منطقة الخليج".

وتصاعدت حدة الخيار العسكري بعد أن دمَّر صاروخ إيراني سطح - جو الطائرة الأميركية المسيّرة، وهي من طراز غلوبال هوك الخميس الماضي.

وقالت طهران "الطائرة المسيّرة أسقطت فوق أراضيها"، بينما ردّت واشنطن "إن ذلك حدث فوق المياه الدولية في مضيق هرمز".

وأججت الواقعة المخاوف الدولية من مواجهة عسكرية مباشرة بين الخصمين، وارتفعت أسعار النفط بأكثر من واحد بالمئة، لتتخطى 65 دولاراً للبرميل أمس الجمعة، بسبب المخاوف من احتمال تعطُّل صادرات النفط من الخليج.

تكتيكات أربكت ترمب
وفي قراءة للتراجع الأميركي، رأت صحيفة "فاينانشال تايمز" البريطانية، أن "تكتيكات طهران أربكت ترمب".

وحسب الصحيفة فإن "إسقاط الطائرة الاستطلاعية الأميركية فوق مضيق هرمز كان أول هجوم ناجح لإيران على هدف أميركي منذ تصاعد التوتر بين البلدين، وكان يُتوقع أن يُشعل حرباً مباشرة بين واشنطن وطهران، لكن العملية العسكرية الأميركية أُلغيت".

وترى "التطورات خلال الـ24 ساعة تبين أن الموقف بين البلدين تحوَّل إلى لعبة، لا يُعرف منتهاها ولا أهدافها. كما توحي أيضاً أن إدارة ترمب تتعامل مع القضية الإيرانية بطريقة غير منسجمة".

ووفق الصحيفة، "رغم تصاعد تحذيرات الرئيس الأميركي بالعمل العسكري، فإن ما يُعرف عنه إلى الآن أنه يعترض على التدخلات العسكريّة المكلّفة. لكن المخاوف تتزايد اليوم من أن الرئيس الذي انتقد سلفه على المغامرة بالتدخل العسكري، يقود الولايات المتحدة إلى حرب أخرى بالشرق الأوسط".

ورغم كل هذا التوتر يرى محللون بالصحيفة أن "الحوار بين البلدين لا يزال ممكناً، وإعلان إيران استئناف تخصيب اليورانيوم هدفه دعم موقفها في المفاوضات المحتملة، إذ سبق أن قال الإيرانيون إنهم مستعدون للحوار مع ترمب".

وحسب الصحيفة أيضاً فإن "الواقع يشير إلى أن المطالب التي وضعتها الولايات المتحدة لا أمل في أن تقبل بها إيران. وهذا ما يعزز المخاوف من اندلاع حرب يقول الجميع إنهم لا يريدونها".

احتمالية تعزيز موقف المتشددين
تقول مجلة "فورين بوليسي" الأميركية، إن "استمرار إشارات ترمب المترددة يُزيد من قدرة ونفوذ المتشددين في إيران"، مدللةً على ذلك بقول قائد الحرس الثوري الإيراني الجنرال حسين سلامي، إن "الأمر الوحيد الذي يضمن السلامة لأعدائنا هو أن يحترموا سيادة إيران، وأمنها القومي ومصالحها الوطنية".

وهذا الموقف الأميركي يفسّره المتشددون في إيران، الذين لا يعترضون على المواجهة العسكرية، بأنه "تخبط وعدم تخطيط وقلة حزم في الجانب الأميركي، ويجعلهم يدفعون إلى مزيد من التحدي. وهذا بدوره يعزز موقف مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون والمتشددين في البيت الأبيض، للدفع من جهتهم إلى العمليات العسكرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ووفق تقارير أميركية، فإن "إدارة ترمب تواجه انقساماً حاداً بشأن التصعيد مع طهران، حيث جون بولتون مستشار الأمن القومي، ومايك بومبيو وزير الخارجية، وجينا هاسبل مديرة المخابرات المركزية يؤيدون الضربات العسكرية، لكن مسؤولين آخرين في وزارة الدفاع (البنتاغون) حذّروا من أنها ستؤدي إلى سلسلة من ردود فعل يصعُب التحكم فيها، وتجعل القوات الأميركية بالدول المجاورة في خطر".

وتقول فورين بوليسي، إن "الأحداث الأخيرة تنذر بمخاطر اندلاع حرب بين الولايات المتحدة وإيران، إذ يواصل البيت الأبيض ضغوطه على طهران بالعقوبات الاقتصادية من جهة والتعزيزات العسكرية في الخليج من جهة أخرى، وهناك مخاوف كبيرة من أن تصاعد التوتر بين الطرفين ربما يؤدي إلى ارتكاب خطأ يُشعل حرباً حقيقية".

تباين في واشنطن
لا يزال قرار ترمب المفاجئ يثير ردود فعل متضاربة في واشنطن، إذ انتقده البعض ووصفوه بأنه "تراجع منه عن الإقدام على الخطوة"، بينما أشاد البعض، بينهم ديمقراطيون بارزون، بما اعتبروه "ضبطاً للنفس".

رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي، زعيمة الديموقراطيين بالكونغرس، قالت إنها "راضية عن إلغاء ترمب ضربات عسكرية مزمعة على أهداف إيرانية"، مضيفة "حجم الأضرار الجانبية من تلك الضربات كان سيصبح مستفزاً جداً. أنا سعيدة لأن الرئيس لم يفعل ذلك".

 

وشددت على مطلبها المتعلق بحصول الرئيس الأميركي على تفويض من الكونغرس أولاً قبل أي عمل عسكري ضد طهران.

وأضافت "نعتقد أن هناك كثيراً من الخيارات، التي ربما تكون أكثر نفعاً".

لكن مايكل ماكوفسكي، وهو مسؤول سابق في وزارة الدفاع الأميركية يرأس حالياً المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، قال "إن ترمب بذلك يعرّض مصداقية الولايات المتحدة للخطر"، مضيفاً "أعطى انطباعاً بأنه فقد رباطة جأشه".

وتفجَّر التوتر مع إيران مع انسحاب ترمب العام الماضي من الاتفاق النووي مع طهران الذي أُبرم عام 2015. وندد الرئيس الأميركي بالاتفاق بوصفه معيباً بشكل يصب في صالح طهران.

وفرضت واشنطن بعدها عقوبات جديدة لتعطيل تجارة النفط الإيرانية الحيوية، وردّت طهران في وقت سابق من هذا الأسبوع بالتهديد بخرق القيود على أنشطتها النووية، التي يفرضها الاتفاق.

وألحقت العقوبات الأميركية أضراراً بالاقتصاد الإيراني، إذ قوّضت صادراته النفطية ومنعته من التعامل عبر النظام المالي العالمي، الذي يهيمن عليه الدولار. وبدد ذلك الوعود بمكافآت تجارية كان يتضمنها الاتفاق النووي، الذي يهدف للحد من طموحات إيران النووية.

وعززت الولايات المتحدة أخيراً من انتشارها العسكري بالشرق الأوسط، فيما يمكن توقع حصول احتكاكات إضافية مع إعلان إيران أن احتياطياتها من اليورانيوم المخصب ستتخطى بعد 27 يونيو (حزيران) الحدّ المنصوص عليه بالاتفاق النووي.

المزيد من دوليات