Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

10 داونينغ ستريت... بيت مسكون بلعنة الاستقالات

 تطورات دراماتيكية صاحبت مسيرات أبرز وزراء إنجلترا وجونسون خامس مستقيل على التوالي

كما يضرب العالم المثل بعراقة الديمقراطية الإنجليزية، فهي أيضاً نموذج للدراماتيكية، فالتطاحن بين سياسييها مثلما أنتج نظاماً قوياً ومناخاً حراً كان أيضاً سبباً في عواصف شتى تتابعها الجماهير حلقة وراء حلقة.

وعلى الرغم من أنه لا يمكن القول إن ما يحدث على الساحة من تقلبات في المناصب من دون سابق إنذار يؤثر في استقرار دولة بحجم بريطانيا، لكن لا يمكن إنكار أن تلك المنعطفات تصيب المشهد السياسي بالارتباك، فرئيس الوزراء المستقيل بوريس جونسون نفسه لم يكن يدرك حجم الأزمة وظل يقاوم ويحاول مراراً امتصاص الغضب، ويبذل جهداً لإقناع حزب العمال بإبقائه في المنصب.

جونسون لم يقرأ الرسالة جيداً، فأعتى السياسيين ينهزمون ببساطة أمام التقليد الإنجليزي العتيد، وهو عدم مسامحة المسؤولين على خطاياهم حتى لو اعتذروا وأبدوا ندمهم، فيما جونسون كان يكابر أمام ناخبيه في الاعتراف بهفواته، ليصبح خامس رئيس وزراء إنجليزي على التوالي يستقيل من منصبه قبل انتهاء مدته، وينضم لمجموعة من أبرز وزراء بريطانيا المستقيلين في عهد الملكة إليزابيث الثانية، التي تم تتويجها رسمياً في عام 1953.

رئيس الوزراء، الذي تسلم مهامه في صيف 2019 تبدلت أحواله في صيف 2022، وباتت نبرته في الخطاب واهنة، بعد أن اتهم بالكذب مراراً ووضع حزبه في أكثر من مأزق، ثم توالت الأزمة باستقالة أكثر من 50 وزيراً ومسؤولاً في الحكومة، وتزايد ضغوط حزب العمال من ناحية أخرى، حيث سيستمر جونسون في أداء مهامه حتى يتم اختيار رئيس جديد للحزب خلفاً للصحافي والمؤلف والمؤرخ والسياسي، الذي لطالما كان مثاراً للجدل منذ أن ترشح للمنصب الأبرز في 10 داونينغ ستريت بالعاصمة الإنجليزية لندن، وهو مقر رئاسة الوزراء.

هل تغير شيء؟

ما حدث هو نسخة مكررة من السيناريو الذي يجري منذ أكثر من 70 عاماً، فرئيس الوزراء المستقيل يجتمع بالملكة إليزابيث ليطلعها على آخر المستجدات بعد الزلزال السياسي، فما فعله ونستون تشرشل الذي كان أيضاً زعيماً لحزب المحافظين في أبريل (نيسان) عام 1955 يفعله أيضاً جونسون (58 سنة) في يوليو (تموز) 2022، باعتباره رئيس الوزراء الرابع عشر الذي يعاصر حكم إليزابيث الثانية ملكة بريطانيا (96 سنة)، مع الفارق أن الداهية السياسية الحائز على جائزة نوبل في الأدب والذي تولى رئاسة الوزراء بين عامي 1940 وحتى 1945 ثم مرة أخرى بين عامي 1951 وحتى 1955، استقال من منصبه بمحض إرادته بسبب متاعب صحية ألمت به وكان عمره حينها (80 سنة)، وخلفه بعدها أنطوني إيدن، بينما كان سبب اضطرار جونسون إلى الاستقالة أمور أخرى تتعلق بمصدر تمويل تجديد شقته ومشاركاته في تجمعات وحفلات إبان إغلاق كورونا.

كواليس ما يجري داخل الحكومة الإنجليزية كان قد تم استعراضه في أعمال فنية كثيرة، وقد يكون أبرزها وأكثر دقة ما صوره مسلسل "التاج" The Crown بأجزائه، وهو من تأليف بيتر مورغان الذي لطالما واجه انتقادات حادة من قبل العائلة الملكية ومن قبل وزراء في الحكومة أيضاً، حتى إن وزير الدولة للثقافة والإعلام قبل عامين أوليفر دودن كان قد طالب من "نتفليكس" صراحة بأن تضع تنويهاً يفيد بأن أحداث العمل من وحي خيال صناعه، وهو الطلب الذي رفضته المنصة الشهيرة بقوة.

يحصد المسلسل، الذي يعرض موسمه الجديد قريباً، سخطاً متواصلاً من قبل جهات عدة، بينها الأمير ويليام نجل الأميرة الراحلة ديانا، الذي يعترض على طريقة ظهور شخصية والدته بالعمل، ولكن القائمين على المشروع الناجح الذي يقتنص الجوائز أينما ترشح، لا يبالون، حيث من المتوقع أن يعرض موسمه الخامس المقابلة التي سببت أذى كبيراً للأميرة الراحلة وكانت سبباً مباشراً في طلاقها من الأمير تشارلز، التي قام بها الصحافي مارتن بشير.

وعلى مستوى الوزراء، استعرض المسلسل كثيراً من التفاصيل التي جمعت بين الملكة إليزابيث ورؤساء وزراء بريطانيا، وكان من أكثرها جدلاً علاقتها بمارغريت ثاتشر، وقبلها تشرشل، كما تطرقت الحلقات أيضاً لاتهامات رئيس الوزراء هارولد ويلسون، الذي تولى المنصب لمرتين بين 1964 و1970 ثم 1974 و1976 بأنه يعمل جاسوساً، حيث استعرض العمل رد فعل الملكة بعد علمها بهذا الأمر وتطمينات المسؤولين المعنيين لها.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

استقالات على مر العصور

بحسب المعلومات المتداولة، فقد كان الأمر مع ويلسون الذي رأس حزب العمال مختلفاً تماماً، فقد شكت الاستخبارات البريطانية أن ويلسون يعمل لصالح الاتحاد السوفياتي، وعلى الرغم من عدم التحقق من هذا الأمر، فإنها كانت جزءاً من التهمة التي لطخت سمعته، فلم تثبت استخبارات بريطانيا عمله للاتحاد السوفياتي، وإن كان اتضح في ما بعد بحسب "بي بي سي" أن ويلسون كان ضمن قائمة تنوي استخبارات السوفيات تجنيدهم، حيث خلص تحقيق جرى عام 1996 إلى أن متذمرين في الاستخبارات البريطانية حاولوا الإضرار بسمعة ويلسون، فيما تردد أنه استقال لأسباب صحية في مارس (آذار) من عام 1976.

الاستقالات العاصفة تعددت في الحكومة الإنجليزية، وبينها استقالة توني بلير في مايو (أيار) 2007 من رئاسة حزب العمال ومن رئاسة الوزراء بعد 10 سنوات قضاها في المنصب وتميز بمسيرته الحافلة، حيث سلم المنصب حينها لغوردن براون، الذي استقال بدوره أيضاً في مايو 2010 لعدم تمكنه من تشكيل الحكومة عقب الانتخابات العامة.

ثم جاء ديفيد كاميرون من حزب المحافظين، الذي كان قد سعى من دون قصد للخروج من المنصب، فقد دعا بنفسه إلى استفتاء حول الخروج من الاتحاد الأوروبي، وجاءت نتيجته، التي تتوالى تداعياتها حتى الآن، بالموافقة على الخروج من الاتحاد الأوروبي، وهو الأمر الذي لم يكن كاميرون يدعمه وأدى به للاستقالة وتعيين من يخلفه لكي ينظم مسألة الخروج من الاتحاد.

وللمفارقة كان المرشحون لخلافة كاميرون وقتها هم جونسون، الذي دعم الخروج من الاتحاد الأوروبي، ومايكل غوف وزير العدل في حكومة كاميرون نفسها، وتيريزا ماي التي كانت وزيرة للداخلية، وبقي كاميرون في المنصب من مايو 2010 وحتى يوليو (تموز) 2016، لتخلفه تيريزا ماي.

لعنة تيريزا ماي

المرأة التي تولت رئاسة الحكومة البريطانية، وكانت الثانية في التاريخ بعد مارغريت ثاتشر، غادرت منصبها مستقيلة أيضاً على إثر فشلها في التوصل لاتفاق مع الاتحاد الأوروبي في ما يعرف باسم "بريكست".

وبحسب "بي بي سي" غادرت ماي المنصب بطريقة لم تكن تتوقعها حين دخلت 10 داونينغ ستريت في يوليو 2016، ولأنها لم تغير شيئاً، فقد أبقاها نواب حزبها في المنصب حتى تنجز الخروج من الاتحاد الأوروبي، لكنها لم تستطع وتخلت عن المهمة.

وكان من المفترض أن تغادر في انتخابات تجرى عام 2022، اضطرت وقتها إلى أن تعد بالذهاب قبل هذا التاريخ وهو ما حدث بالفعل، فلم يلق ما توصلت إليه ماي من اتفاق مع الاتحاد الأوروبي حول الخروج، أي قبول، وعلى الرغم من أنها نجت من تصويت على سحب الثقة منها، فإن وزراء "حزب المحافظين" مثل جونسون وزير الخارجية آنذاك ودومينيك راب وزير العدل آنذاك، كانوا ضد ماي ويضغطون لكي تستقيل ومعهم أيضاً وقتها سايمون كلارك، أمين عام الخزانة، حيث غادرت منصبها في يوليو 2019، وكان لافتاً أن جونسون استقال حينها من الحكومة من أجل زيادة الضغط عليها وهو نفس ما تكرر معه وجعله يلجأ للقرار نفسه مضطراً.

المزيد من تقارير