Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

دار بريطانية تستلهم أشعار إميلي ديكنسون في ألعاب فيديو

"هذه رسالتي إلى العالم... لا تحكموا عليَّ بقسوة"

الشاعرة الأميركية الكبيرة إميلي ديكنسون (موقع الشاعرة - فيسبوك)

المحبوبون لا يموتون، لأن الحب يمنحهم الخلود، لكن الخلود كما رصدته الشاعرة الأميركية إميلي ديكنسون، ليس إلا ضرباً من تراكم اللحظات الآنية. ماتت إميلي في الخامسة والخمسين من عمرها من دون أن تنال التقدير الذي كانت تستحقه، باعتبارها من أبرز الممهدين للحداثة في القرن التاسع عشر، إلى جانب والت وايتمان، وإن سلك كل منهما طريقاً مختلفاً. فبينما كان وايتمان مقروءاً ومشهوراً ومنفتحاً على العالم، اختارت "صوفية نيوإنغلاند"، كما أطلق عليها لاحقاً، العزلة والغموض والانطواء. وعلى امتداد حياتها القصيرة لم تجرؤ إلا على نشر 11 قصيدة في بعض الصحف المحلية بأسماء مستعارة، تاركة نتاجاً غزيراً حبيس الأدراج، لم يتسنَّ له أن يرى النور إلا بعد رحيل صاحبته عام 1886. حينذاك اكتشفت عائلتها زهاء 1800 قصيدة، مدونة بخط معين وتنسيق مختلف، من ملزمة إلى أخرى على نحو عمودي أو أفقي، كمن يكتب أحجيات. وهذا ما جعل الوصول النهائي إلى ترتيبها يتأخر حتى عام 1981 عندما اعتمد رالف فرانكلين تقنيات متقدمة للكشف باستخدام الأدلة الفيزيائية في المخطوط الأصلي، ومقارنة النصوص وطريقة الكتابة. وباتت طبعة "مخطوط أعمال إيميلي ديكنسون" (بلكناب برس، 1981)، الطبعة الأقرب إلى الترتيب الصحيح.

اليوم، بعد 136 عاماً من وفاتها، أصبحت ديكنسون واحدة من أشهر شعراء أميركا، وبخاصة بعد أن استلهمت قصائدها المكثفة ثقافة البوب، بدءاً من الأغاني، إلى أسماء الفرق الموسيقية، وحتى المسلسلات التلفزيونية. ولعل أحدث إضافة إلى تلك القائمة تنطوي على كثير من المتعة، فقد تمكنت كلمات إميلي من الوصول إلينا لتشاركنا اللعب!

إطلاق النار على الكلمات

للاحتفال بإصدار رواية "يوم غد، فيوم غد، فيوم غد" لغابرييل زيفين، المؤلفة وكاتبة السيناريو الأميركية، صممت دار نوبف للنشر نسخة من إحدى الألعاب الموجودة في كتابها، تعتمد على استظهار مقطوعات إميلي ديكنسون اعتماداً كلياً. إنها لعبة إميلي بلاستر المجانية حقاً، التي تفترض الحذر، فهي تسبب الإدمان بعض الشيء، ويبدو أن الجرعة المناسبة منها هدف صعب المنال. تقول زيفين "إن إميلي بلاستر هي واحدة من أولى ألعاب شخصية سادي غرين، وهي واحدة من أولى الألعاب التي اخترعتها من أجل روايتي. إنها أبسط لعبة في الكتاب، وكنت بحاجة إلى أن تكون شيئاً مقنعاً، يمكن لطالب جامعي ذكي صنعها بموارد بسيطة وفي وقت قصير في التسعينيات. لقد أحببت التحريف الطفيف في صنع لعبة، الهدف منها تصوير الشعر. واعتقدت أن أسلوب إميلي ديكنسون الشعري وصيغها التي لا تنسى، ستحقق أهدافاً مثالية. ومنها قصيدة "هذا الحب هو كل ما هنالك". هذه القصيدة سببت لزيفين نوعاً من الهوس خلال نصف حياتها تقريباً، لأن ديكنسون تبدأها بحل لغز عن الحب وتجيب عنه باستعارة آلية. تقول زيفين لمحررها مازحة إن هذه القصيدة أساس روايتها، وإن كانت مؤلفة من أربعة أسطر فحسب: "ذلك الحب هو كل ما هناك/ أهو كل ما نعرفه عن الحب،/ يكفي يكفي، ليس لتجويف أن يتحمل  أكثر من سعته".

الحصول على اللقب

صممت لعبة إميلي على غرار ألعاب الثمانينيات، ليصبح بإمكاننا العودة إلى متعة ألعاب الكمبيوتر المبكرة، وإطلاق النيران على سيل من الكلمات المتساقطة من السماء، ولكن قبل بدء اللعبة، عليك بقراءة القصيدة المدونة على الشاشة، وحين تتشظى كلماتها كلمة كلمة، ما عليك سوى إصابة الهدف الصحيح، فتتشكل القصيدة.

تشبه إميلي بلاستر في اعتمادها الشعر، لعبة "اليغى فور أي دايد ورلد" (2014) المؤلفة من ثلاثة كواكب صحراوية، كل منها مستوحى من شاعر رومانسي إنجليزي مختلف: بيرسي شيلي، وجون كيتس، ولورد بايرون، لكن لعبة "إميلي بلاستر" بطرازها القديم أبسط منها بكثير. فلديك ثلاثة مستويات، كل منها يستلهم مقتطفاً شعرياً: الأول من "ذلك الحب هو كل ما هناك"، والثاني "تحدثنا كما تتحدث الفتيات"، والثالث "الأمل هو ذلك الشيء المبطن بالريش". وبمجرد أن يجتاز اللاعب المستوى بنجاح عن طريق تكوين مقاطع شعر إميلي، يكسب نقاطاً لتزيين غرفة في منزلها في أمهيرست، لكن الأمر ليس سهلاً على الإطلاق، تشرح زيفين، فقد يستغرق منك بضع محاولات لتحوز لقب حسناء أمهيرست.

هذه ليست المحاولة الأولى لاستلهام شعر ديكنسون في لعبة فيديو، ففي عام 2005، تحدى منظمو مؤتمر "مطوري الألعاب" في سان فرانسيسكو ثلاثة من أكبر الأسماء في الصناعة، لتطوير لعبة مستلهمة من أشعارها. ابتكر كلينت هوكينغ فكرة أطلق عليها عنوان "موسى"، تتيح للاعبين التجول في منزل ديكنسون في ماساتشوستس، لجمع المواد التي ربما تكون ألهمتها، مثل أشجار الصفصاف، ليألفوا من بينها القصيدة. واقترح ويل رايت، مبتكر "ذا سيمز"، فكرة مقبضة، يقوم فيها اللاعب بدور معالج ديكنسون، وتحت تأثير العلاج، تتجاوب معه الشاعرة المنعزلة بطرق معقدة. يمكنها أن تقع في حبك، فتراسلك بقصيدة "أتذوق خمراً لم تخمره يد/ من إبريق مرصع باللؤلؤ/ ليس كل توت فرانكفورت/ ينتج خمراً كهذه".

أو ربما، لسوء الحظ، تصلك من إميلي رسالة مليئة بالخوف والقلق والإحباط "أنا في الخارج أبحث عن نفسي/ بمصابيح كهربية/ يجب أن أدخل/ الضباب أخذ في الارتفاع".

أول دار بريطانية تدخل ألعاب الكمبيوتر

تقول زيفين، عندما لعبت اللعبة للمرة الأولى، كان الأمر مذهلاً إلى حد ما. شعرت أنها قريبة جداً مما وصفته في الكتاب. واتضح، لحسن الحظ، أن من الممتع تصوير الشعر. أعتقد أن هذا هو أول دخول لدار بريطانية في ألعاب الكمبيوتر، وآمل أن يحققوا المزيد!

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

زيفين هي مؤلفة العديد من الروايات بما في ذلك "قصة حياة أ.ج. فكري"، التي تحولت إلى فيلم من بطولة لوسي هيل وكونال نايار وكريستينا هندريكس وديفيد أركيت. تكتب أيضاً للأطفال، مثل حكاية "في مكان آخر"، الفائزة بجائزة شيفيلد لكتب الطفل، كما أدرجت في القائمة الطويلة لميدالية كارنيغي.

لم تستلهم زيفين أشعار إميلي فحسب، فعنوان كتابها نفسه "يوم غد، فيوم غد، فيوم غد" مقتبس من ماكبث شكسبير، المشهد الخامس من الفصل الخامس. أما اللعبة التي اختارتها دار النشر من داخل الكتاب وأتاحتها للعامة، فهي من ابتكار أحد أبطال روايتها، طفل يدعى سادي، يتعرف إلى سام في حجرة كمبيوتر في أحد المستشفيات. وحين يلتقيان بعد ثمانية أعوام يشرعان في ابتكار ألعاب كمبيوتر. إميلي باستر هي أولى ألعابهما المبتكرة، وإليها يعود الفضل في بعث كلمات إميلي ديكنسون من جديد، ووصول رسالتها التي لم تصل في حينها، إلى عشاق جدد، فالمحبوبون لا يموتون، لأن الحب يمنحهم الخلود.

"هذه رسالتي إلى العالم

الذي لم يكاتبني يوماً

محض أنباء أرسلتها الطبيعة لي

بتواضعها الجليل

عبر أيادٍ لم أتمكن من رؤيتها

فيا أهل بلدي الطيبين، لأجل خاطرها

لا تحكموا عليَّ بقسوة"

المزيد من ثقافة