Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"جاءنا البيان التالي"... تاريخ "حبس الأنفاس" في مصر

بين إعلان إطاحة الملكية قديماً وإزاحة الإخوان حديثاً عاش أبناء النيل أعماراً من الثورات والنكبات والقلق الشرس على المصير

باب البيانات العاجلة لن يغلق وعبارة "جاءنا البيان التالي" لن تتوقف عن مباغتة المواطنين أينما ذهبوا (أ ف ب)

فجأة، يتوقف الفيلم المعروض، تعزف موسيقى جادة أشبه بـ"المارشات" العسكرية، ويأتي صوت المذيع أكثر جدية، يقول، "أيها الأخوة المواطنون، ترقبوا بياناً مهماً بعد قليل"، أو "إليكم البيان التالي"، أو "جاءنا البيان التالي".

كلمة "البيان" لها وقع غريب ثقيل لدى الغالبية المطلقة. وما إن يتفوه أحدهم في مكان عام بجملة أو سؤال في كلمة "البيان" حتى تسود لحظات صمت، وكأن "البيان" و"الحدث الجلل" وجهان لخبر واحد.

في أيام المصريين خلال العصر الحديث عشرات البيانات التي قلبت حياتهم رأساً على عقب، بعضها كان انقلاباً مريعاً ما زالوا يصفونه بـ"ليته ما كان"، والبعض الآخر كان انقلاباً محموداً تثمنه الغالبية، ويدرسه الطلاب والطالبات في المدارس، وتسترجعه القاعدة الجماهيرية في ذكرى إلقائه.

بيان 3 يوليو 2013

بيان 3 يوليو (تموز) عام 2013 الذي ألقاه وزير الدفاع حينئذ عبد الفتاح السيسي، أحدث البيانات التي قلبت حياة المصريين. فالغالبية تصفه بالبيان الأهم في مصر الحديثة، باعتبار أنه أنقذ البلاد والعباد من حكم الدولة الدينية، متمثلاً في جماعة الإخوان المسلمين، والبعض الآخر يعتبره البيان "الوبال" على مصر والمنطقة العربية، إذ قضى على "أمل" الحكم الديني في المنطقة.

 

 

وعلى الرغم من أن المنطقة عامرة بـ"جاءنا البيان التالي" نظراً إلى حظها الوافر من الأحداث الجسام ونصيبها أكثر من العادل من الحوادث الكبرى، فإن البيان المصري الذي صار معروفاً بـ"بيان 3 يوليو" يحتفظ لنفسه بالقدر الأكبر من الشهرة العربية والعالمية بغض النظر عن علاقة الشهرة بالتأييد أو التنديد.

تأييد وتنديد

وسواء كان على سبيل التأييد أو التنديد، تتذكر الملايين اليوم وبعد مرور تسعة أعوام على هذه الدقائق الحاسمة في تاريخ مصر الحديث أجواء بيان 3 يوليو. في مثل هذه الدقائق قبل تسعة أعوام حبست الملايين التي نزلت الشوارع والميادين أنفاسها بين ترقب يشوبه الأمل وتوجس قوامه الخوف، فقد سبق هذا البيان عدد من البيانات التي ألقتها القيادة العامة للقوات المسلحة منذ اندلاع التظاهرات قبلها بثلاثة أيام.

بيانات القوات المسلحة السابقة كانت عامرة بالطمأنة لجموع الشعب المطالبة بإسقاط حكم الجماعة، لكن "القرار" المنتظر لم يُتل إلا في 3 يوليو. حتى البيان الصادر يوم 1 يوليو عام 2013، الذي احتوى العبارة الشهيرة "هذا الشعب لم يجد من يحنو عليه" لم تشفِ غليل المرابطين والمرابطات بالقدر الكافي.

وأخيراً، خرج بيان 3 يوليو معلناً عدداً من الإجراءات، أبرزها تعطيل العمل بالدستور، وإجراء انتخابات رئاسية مبكرة، أو بمعنى آخر، إسقاط حكم الإخوان.

جاءنا البيان التالي

بيان "إسقاط حكم الإخوان" يظل مادة للشد والجذب بين مناهضي الحكم الديني ومناصريه، ومن يدعمونه لأسباب أيديولوجية أو سياسية أو استراتيجية في أرجاء المعمورة، ومعارضيه، لكنه يظل أيضاً البيان الأحدث في عدد من البيانات الجوهرية في حياة المصريين حتى باتت عبارة "جاءنا البيان التالي" قولاً مأثوراً يدل إما على حدث جلل أو على فيلم كوميدي.

فيلم "جاءنا البيان التالي"، من بطولة الفنانين محمد هنيدي وحنان ترك، خرج إلى النور في 2001، أي قبل أحداث يناير (كانون الثاني) 2011 بعقد كامل، لكنه كان العقد المؤثر والحاسم والأكثر خطراً في تاريخ مصر الحديث. الفيلم تناول في إطار كوميدي عدداً من مظاهر الفساد والإفساد في المجتمع المصري، التي استشرت حتى "بلغ الفساد الركب" على حد وصف رئيس ديوان الجمهورية السابق، وأحد أقوى رجال نظام الرئيس السابق الراحل حسني مبارك، وهو زكريا عزمي.

 

 

تناول الفيلم حلم شاب وشابة بأن يصبحا مذيعين، لكنهما يخفقان في اختبار القبول على الرغم من تمكنهما، ويتفوق عليهما آخرون بسبب الوساطة والمحسوبية على الرغم من أنهما أقل قدرة وحنكة، لكن ينجح البطلان في أن يكونا مراسلين للأخبار، وضمن "الأخبار" التي يغطيانها تصريح مواطن يعمل في الصرف الصحي سئل عن شعوره في ليلة رأس السنة وهو غارق في مياه الصرف، فسب ولعن وانتقد الأوضاع، ومُنع التقرير من البث. وعاد المراسل إليه مجدداً ملقناً إياه ما يقوله حتى يذاع التقرير، فإذ بالعامل يغني ويبتسم من داخل البالوعة وهو ممسك بباقة ورد، معبراً عن فرحته وسعادته، كما تعرض الفيلم كذلك لقضية فساد كبرى تورطت فيها شخصيات عامة بالمجتمع، ما أدى إلى قيام الشاب والشابة إلى إعلان "البيان التالي" على الهواء مباشرة لإطلاع المشاهدين على حقيقة الأوضاع.

أوضاع ما قبل 2011

الأوضاع التي أدت إلى اندلاع أحداث يناير 2011 في مصر، لخصها فيلم "جاءنا البيان التالي" بطريقة "شر البلية ما يضحك". أما أحداث 2011 التي امتدت على مدى 18 يوماً حاسمة وفارقة، فشهدت عدداً من البيانات الفارقة. الأول والمؤثر في سير الأحداث كان في 29 يناير، وألقاه الرئيس السابق الراحل حسني مبارك. واعداً بحل المشكلات الاقتصادية، وقبل استقالة الحكومة، وأعلن قرب تشكيل أخرى جديدة، مع كثير من الكلمات والعبارات عن توفير فرص أفضل لرخاء المصريين، وقدر أوفر من الحرية، وهو ما قوبل برفض من الميدان، وقبول متشكك في البيوت.

 

 

البيوت المصرية كانت على موعد مع تواتر البيانات المصيرية في 2011، والأعوام القليلة التي تلتها. ففي 1 فبراير (شباط) ألقى مبارك البيان الثاني له منذ بدء الأحداث، ولقي ردود فعل متشابهة إلى درجة التطابق مع بيانه الأول. عندما أعلن عدم نيته الترشح لفترة رئاسية جديدة بعد أن أتم ثلاثة عقود في منصبه الرئاسي. واشتهر البيان بعبارة "لم أكن أنتوي الترشح"، إضافة إلى تعديل المادتين 76 و77 من الدستور بغرض تعديل قواعد الترشح لفترات رئاسية مفتوحة من دون حد أو ضابط أو رابط.

ثم كان البيان الأول للمجلس الأعلى للقوات المسلحة في 10 فبراير، الذي صدر عقب اجتماع لم يحضره مبارك. واقتصر البيان على القول إن المجلس في حال انعقاد مستمر لمتابعة الأوضاع. وفي اليوم نفسه، ألقى مبارك بيانه الثالث الذي أغضب الملايين، مؤكداً أنه باقٍ في الحكم حتى انتهاء فترة ولايته، وأنه يفوض نائبه في اختصاصات رئيس الجمهورية.

أسرى البيانات

المصريون في تلك الأيام كانوا أسرى البيانات. ينتظرونها بفارغ الصبر بعد أن أصبحت "ترمومتر الشعب" لقياس درجة حرارة الشد والجذب في دوائر الحكم، و"ترموستات" لمصدريها من حيث تمرير قدر من القرارات أو الكلمات للإبقاء على الأوضاع تحت السيطرة.

وقد كان، فصدور البيانات التالية من المجلس الأعلى للقوات المسلحة كان له أكبر الأثر في التحكم بغضب الجماهير، وطمأنة الملايين القابعة في بيوتها، وبث رسالة قوامها أن الأمور على الرغم من الوضع بالغ الخطورة والتطورات متناهية الحساسية، فإنها تحت السيطرة.

بين وعد بإنهاء حالة الطوارئ فور انتهاء الظروف التي تمر بها البلاد، وإجراء انتخابات رئاسية، ثم تأكيد أنه لا بديل للشرعية التي يرتضيها الشعب، وتكليف الحكومة بتسيير الأعمال لحين تشكيل حكومة جديدة، ثم بيان المجلس توليه شؤون البلاد لمدة ستة أشهر، أصبح المجلس مهيمناً على إصدار البيانات، باستثناء البيان التاريخي الذي ألقاه نائب مبارك، مدير الاستخبارات العامة عمر سليمان يوم 12 فبراير 2011، والمسمى شعبياً وإعلامياً "بيان التنحي".

 

 

تنحي مبارك وتواتر الأحداث في مصر على مدى العقد الماضي نجم منهما حفنة من "البيانات العاجلة" التي عكست فداحة الأوضاع وخطورتها وحتمية التعامل معها بحنكة سياسية ورؤية اجتماعية وأمنية ونفسية لا تخلو من عين راصدة للأوضاع الإقليمية، وردود الفعل العالمية، وأخرى متعمقة في الأوضاع المحلية، وقادرة على استشراف وقياس ما سينجم من كل كلمة من كلمات البيانات العاجلة.

وتجدر الإشارة إلى أن المصريين عاشوا ثلاثة عقود، طيلة حكم الرئيس السابق الراحل مبارك، منزوعة البيانات العاجلة إلا في ما ندر.

بيان إصابة كتف الرئيس

بيانات المصريين العاجلة قد تكون نادرة، لكن فداحة المواقف التي تحويها تعوض الندرة وتفيض. ففي يوم 6 أكتوبر (تشرين الأول) 1981، كان المصريون على موعد مع بيان عاجل صادم. كان هذا في زمن ما قبل الـ"سوشيال ميديا"، وتناثر الأخبار وأضغاثها قبل متابعتها في "نشرة التاسعة" على القناة الأولى، أو سماعها في نشرات "البرنامج العام" الإذاعي.

فعلى الرغم من أن الملايين كانت تتابع كعادتها العرض العسكري الذي يقام سنوياً في مناسبة انتصار حرب أكتوبر عام 1973 على الهواء مباشرة، وعلى الرغم من أن هذه الملايين تابعت بنفسها اللقطات الأولى لتلقي الرئيس الراحل الطلقات المصوبة له، قبل قطع الإرسال ليعود البث إلى الاستوديو ناقلاً أغنيات وطنية من دون تفسير.

السويعات القليلة الثقيلة التي مرت بين انقطاع الإرسال وبث الأغنيات الوطنية من جهة، وموجز الأخبار المرتبك المربك الذي لم يصدق مضمونه أحد، مرت كالسنوات. وكان المذيع خيري حسن حكى قبل أربعة أعوام كواليس ما جرى، إذ كان يغطي وقائع العرض العسكري وقت تعرض السادات لإطلاق النار وشيوع الفوضى في المنصة. وعاد إلى مبنى "ماسبيرو"، وعلى الرغم من علمه شبه اليقيني بوفاة الرئيس السادات، فإنه أذعن للتعليمات "من أجل صالح البلد". وقرأ حسن الموجز مخبراً المصريين بأن الرئيس أصيب في كتفه.

بعد قليل، جرى نشر وبث البيان التالي، "في نحو الساعة 12 و40 دقيقة ظهر اليوم (الثلاثاء)، أثناء مرور طابور العرض العسكري، قامت مجموعة من الأفراد بإطلاق النار تجاه المنصة الرئيسة. وترتب على ذلك إصابة رئيس الجمهورية وبعض مرافقيه، وقد تم نقل سيادته إلى حيث يجرى علاجه الآن تحت إشراف الأطباء الإخصائيين، ويتابع السيد نائب رئيس الجمهورية شخصياً ما يتخذه الأطباء من إجراءات".

 

 

القرآن ثم البيان المحتوم

لكن، بث القرآن بعدها بقليل، أدى إلى البيان المحتوم مساء اليوم نفسه، وهو البيان الذي تلاه نائب رئيس الجمهورية حسني مبارك. البيان الطويل بدأ بالآية القرآنية الدالة، "يا أيتها النفس المطمئنة، ارجعي إلى ربك راضيةً مرضيةً، فادخلي في عبادي وادخلي جنتي"، ثم قرأ مبارك الكلمات والجمل الثقيلة المؤلمة مساء اليوم المحتوم، "يعجز لساني، وقد اختنق بما تموج به مشاعري، أن أنعى إلى الأمة المصرية والشعوب العربية والإسلامية والعالم كله الزعيم المناضل البطل محمد أنور السادات".

مفارقة البيانات العاجلة الصادمة والمصيرية تبدو واضحة جلية في أن الزعيم المناضل البطل محمد أنور السادات كان هو نفسه من ألقى على "الأمة المصرية والشعوب العربية والإسلامية والعالم كله" نبأ وفاة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

ففي مساء يوم 28 سبتمبر (أيلول) عام 1970، أطل محمد أنور السادات، النائب الأول للرئيس جمال عبد الناصر، والدموع في عينيه وتحشرج صوته بينما يقول، "فقدت الجمهورية العربية المتحدة (مصر) وفقدت الأمة العربية وفقدت الإنسانية كلها رجلاً من أغنى الرجال، رجلاً من أغلى الرجال وأشجع الرجال وأخلص الرجال، هو الرئيس جمال عبد الناصر الذي جاد بأنفاسه الأخيرة في الساعة السادسة والربع من مساء يوم 27 رجب عام 1390، الموافق 28 سبتمبر 1970، ليس هناك كلمات تكفي لعزاء جمال عبد الناصر".

رئيسان وبيانات عاجلة كثيرة

الرئيسان قدر لهما أن يتشاركا ويسلم بعضهما بعضاً في عدد من البيانات العاجلة المهمة والمصيرية. البيان الأول لثورة يوليو عام 1952 ما زال حتى اليوم مثار عدد من القصص والحكايات. فبين من كتبه، ومن دققه، ومن كان يفترض أن يتلوه، ومن تلاه فعلاً، تهل على المصريين عشرات الحكايات، لا سيما في يوليو من كل عام. المذيع المخضرم الملقب بـ"شيخ الإذاعيين" فهمي عمر قدم "مندوب القيادة" (مجلس قيادة الثورة) محمد أنور السادات في مستهل نشرة الأخبار التي كان يسمعها المصريون يومياً.

بحسب رواية عمر في عدد من الأحاديث الإعلامية قال، "قبل السابعة والنصف موعد إذاعة نشرة الأخبار بدقيقتين، عاد الإرسال ودخل السادات الاستوديو وقلت الجملة التي لن أنساها وهي: سيداتي وسادتي، أعلنت ساعة جامعة فؤاد الأول (جامعة القاهرة) السابعة والنصف من صباح الأربعاء الـ23 من يوليو وإليكم نشرة الأخبار التي نستهلها ببيان من القيادة العامة للقوات المسلحة يلقيه مندوب القيادة، وانساب صوت السادات".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء في البيان، "بني وطني. اجتازت مصر فترة عصيبة في تاريخها الأخير من الرشوة والفساد وعدم استقرار الحكم، وقد كان لكل هذه العوامل تأثير كبير على الجيش، وتسبب المرتشون المغرضون في هزيمتنا في حرب فلسطين. وأما فترة ما بعد هذه الحرب فقد تضافرت فيها عوامل الفساد وتآمر الخونة على الجيش وتولى أمره إما جاهل أو خائن أو فاسد حتى تصبح مصر بلا جيش يحميها، وعلى ذلك فقد قمنا بتطهير أنفسنا، وتولى أمرنا في داخل الجيش رجال نثق في قدرتهم وفي خلقهم وفي وطنيتهم. وأنتهز هذه الفرصة فأطلب من الشعب ألا يسمح لأحد من الخونة بأن يلجأ لأعمال التخريب أو العنف، لأن هذا ليس في صالح مصر، وأن أي عمل من هذا القبيل سيقابل بشدة لم يسبق لها مثيل، وسيلقى فاعله جزاء الخائن في الحال، وسيقوم الجيش بواجبه هذا متعاوناً مع البوليس (الشرطة). وإني أطمئن إخواننا الأجانب على مصالحهم وأرواحهم وأموالهم، ويعتبر الجيش نفسه مسؤولاً عنهم والله ولي التوفيق، اللواء أركان حرب محمد نجيب".

بيانات الضباط الأحرار

حظ المصريين من البيانات المؤلمة في السنوات التي تلت إلقاء البيان الأول لثورة 23 يوليو عام 1952، التي يسميها البعض "حركة"، والبعض الآخر "انقلاباً"، كان وفيراً وثقيلاً. الوفرة والثقل في البيانات لم ينبعا فقط من الإذاعة المصرية، بل شاركتها الإذاعات العربية المختلفة التي اختارت أن تذيع بيانات وصفها البعض بـ"الحماسية"، وصنفها البعض الآخر بـ"الانفعالية"، ونعتها فريق ثالث بعد التأكد من الهزيمة في 6 يونيو (حزيران) عام 1967 بـ"الكاذبة" و"المضللة".

بيانات إسقاط المئات من طائرات العدو (إسرائيل)، وتحقيق التقدم المصري والعربي على كل الساحات في الحرب ارتبطت باسم الإذاعي المصري الراحل أحمد سعيد. وعلى الرغم من تاريخه المهني العظيم ومسيرته الإذاعية التي تتلمذ فيها على يده المئات، فإنه بات يعرف بـ"مذيع النكسة"، لأنه كان صاحب الصوت الحماسي الذي يلقي "بيانات القيادة العسكرية".

 

 

وقبل وفاته في 2018، قال في حديث صحافي نافياً عن نفسه صفة "مذيع بيانات النكسة" إن بلاغات وبيانات قيادة الجيش كانت تتوالى على الإذاعة المصرية مرات عدة في اليوم الواحد، لدى إسقاط طائرات إسرائيل، وتقدم القوات المصرية. وأضاف أن النقطة الفارقة حدثت حين أخبره زميله فتحي بسيوني عما يتردد في إذاعات أخرى عن تحقيق هزيمة لا نصر. وقال، "اتصلت بالمسؤول السياسي الذي برر البيانات الكاذبة قائلاً إنها للمحافظة على الروح المعنوية للشعب المصري وللجيش في سيناء".

وعن يوم الهزيمة في الخامس من يونيو قال، "إنه يوم من عمري جمع أهوالاً من المسؤوليات المتناقضة التي سأبقى أنوء بها حتى وأنا أقف أمام الديان. أرجو المغفرة عما أسأت وأسأله الثواب عما أصبت".

بيانا التنحي والعودة

الرئيس الراحل عبد الناصر أصاب الهدف حين أعلن في 9 يونيو من العام نفسه قراره بالتنحي. وعلى الرغم من أن خطبة عبد الناصر في ذلك اليوم كانت طويلة ومليئة بالمشاعر والمصارحات المتأخرة، فإن المصريين ما زالوا يطلقون عليه "بيان التنحي".

بدأ ناصر البيان التاريخي بـ"لقد تعودنا معاً في أوقات النصر وفي أوقات المحنة، في الساعات الحلوة وفي الساعات المرة أن نجلس معاً، وأن نتحدث بقلوب مفتوحة، وأن نتصارح بالحقائق، مؤمنين أنه من هذا الطريق وحده نستطيع دائماً أن نجد اتجاهنا السليم مهما كانت الظروف عصيبة ومهما كان الضوء خافتاً". وضمنها الإعلان الذي دغدغ مشاعر وقلوب الملايين، "لقد اتخذت قراراً أريدكم جميعاً أن تساعدوني عليه. لقد قررت أن أتنحى تماماً ونهائياً عن أي منصب رسمي وأي دور سياسي، وأن أعود إلى صفوف الجماهير، أؤدي واجبي معها كأي مواطن آخر".

 

 

لكن في اليوم التالي، وأمام خروج الملايين إلى الشارع رافضين تنحي "الزعيم"، ألقى رئيس مجلس الأمة محمد أنور السادات بيان الرئيس عبد الناصر نيابة عنه بعد أن تعذر خروجه من بيته والتوجه إلى مقر مجلس الأمة، بسبب تزاحم الجماهير حول بيته وفي الشوارع المحيطة به.

قرأ السادات البيان وأعلن أنه "على كل الطرقات يقف الآن الشعب في كتل متلاحمة وحماس دافق يسد شوارع القاهرة ويحول دون وصولنا إلى الرئيس أو وصوله إلينا، وفي الوقت نفسه فإن هذه الجموع الهادرة تصل بيننا وبين القائد والزعيم كأشد ما تكون الصلة"، ثم نطق بالقرار الذي أسعد هذه الجماهير الغفيرة في داخل المجلس وخارجه إذ قال، "ويسعدني أن أنهي إليكم وإلى الشعب بأجمعه وإلى شعوب الأمة العربية والشعوب الصديقة أن الرئيس جمال عبد الناصر قد قرر الاستجابة للإرادة الشعبية والبقاء في مركز القيادة كرئيس للجمهورية".

البيانات العاجلة باقية

تقاسم الرئيسان، كل في فترة حكمه، قدراً غير قليل من البيانات العاجلة والمهمة. فبين بيان عبد الناصر في 1956 بتأميم قناة السويس، وبيان السادات بإعادة فتح قناة السويس أمام حركة الملاحة الدولية في عام 1975 محولاً بذلك ذكرى الهزيمة في 5 يونيو 1967 إلى ذكرى إعادة فتح القناة في اليوم نفسه من عام 1975، بعد سنوات من الإغلاق.

باب البيانات العاجلة لن يغلق، وعبارة "جاءنا البيان التالي" لن تتوقف. ستستمر البيانات العاجلة في مباغتة المواطنين أينما ذهبوا. ربما تمر سنوات أو حتى عقود تشح خلالها البيانات العاجلة، لكنها حتماً ستعاود الظهور. وسيظهر أحدهم بين الحين والآخر، معلناً أمام الجماهير الغفيرة أنه قد "جاءنا البيان التالي"، وهو يعلم علم اليقين أن دقات القلوب تتسارع وجبهات الوجوه تتعرق في انتظار ما يجيء به البيان. المؤكد أن المصريين يشعرون أنهم حصلوا على نصيبهم العادل من البيانات العاجلة، ويتمنون هدنة كلما طالت كان أفضل للجميع.