Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الأزمة السودانية تدخل فصلا جديدا من المواجهة بين العسكر والشارع

ما مصير الحوار مع تصعيد موجة الاعتصامات المتنامية؟

أسدل تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير (المجلس المركزي) الستار على الحوار مع المكون العسكري، في موازاة مواصلة التصعيد الثوري السلمي بالوسائل السلمية كافة مع قوى الثورة، ودعم كل أشكال المقاومة من اعتصامات ومواكب، لإسقاط الانقلاب واستعادة التحول الديمقراطي، والإعداد للعصيان المدني الشامل عقب عيد الأضحى المبارك، على خلفية اعتباره أن تظاهرات 30 يونيو (حزيران) شكلت تحولاً نوعياً في توازن القوى لمصلحة قوى الثورة، وهزيمة موجعة للسلطة الانقلابية، التي باتت تعيش عزلة محلية وإقليمية ودولية.

فكيف تؤثر هذه التطورات في العملية السياسية المبنية على الحوار السوداني المباشر الذي ترعاه وتسهله الآلية الثلاثية بين الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي ومنظمة "إيقاد" المعلق منذ ما يقارب الشهر؟

قرار بوقف الحوار

ففي تطور مفاجئ، قررت قوى إعلان الحرية والتغيير (المجلس المركزي) إيقاف الحوار مع المكون العسكري، بعد سقوط تسعة قتلى في مواكب 30 يونيو، محملة إياه مسؤولية إفشال العملية السياسية التي قادتها الآلية الثلاثية، وأكدت دعمها استمرار الحراك السلمي والمواكب والمليونيات والاعتصامات في الأحياء والمدن والساحات العامة في كل أنحاء البلاد بغرض إسقاط الانقلاب، منوهة إلى أهمية تطوير أشكال المقاومة وإحكام التنسيق بين قوى الثورة لإنجاحها وحل القضايا التي تواجهها، وأشار القيادي في "الحرية والتغيير"، رئيس حزب المؤتمر السوداني، عمر الدقير في مؤتمر صحافي، إلى أن الحرية والتغيير تدعم الإضرابات النوعية والتحضير المتصاعد للوصول للعصيان المدني والإضراب السياسي في أقرب وقت ممكن، وتساند التتريس المستمر في الأحياء والطرق مع مراعاة احتياجات المواطنين اليومية.

الجبهة الموحدة

وشدد على ضرورة التنسيق الموحد بين قوى الثورة والعمل الجاد لقيام الجبهة المدنية الموحدة التي تتجاوز ما وصفها بالخلافات العقيمة لقوى الثورة، ووجه الدقير الدعوة إلى المجتمعين الإقليمي والدولي لشجب جرائم الانقلابيين وتحميلهم المسؤولية، وحثهما على دعم حق الشعب في إقامة السلطة المدنية الديمقراطية وحماية المدنيين والنشاط السلمي.

ونفى التحالف ما روّج عن التوصل إلى اتفاق بنسبة 80 في المئة مع المكون العسكري، إذ لم تكن هناك بالأساس أي مفاوضات سوى في الشكل الإجرائي وليس هناك أي تواصل مع الانقلابيين، مضيفاً، "رسالتنا أن الانقلاب أضرّ بالقوات النظامية وأدخلها في مواجهة مع الشعب، لذلك لا بدّ من إسقاطه"، منوهاً إلى أن الدعوة لخروج العسكريين من السياسة لا تحمل أي عداء للمكوّن العسكري بل حرصاً على إصلاحه ليكون في خدمة الشعب.

وفي سياق متصل، شدد القيادي بمركزي "الحرية والتغيير" ياسر عرمان، على أهمية وحدة قوى الثورة خلال الفترة المقبلة لأن الشعب على وشك إسقاط الانقلاب، وقال، "ليست هناك عملية سياسية ولا توجد لدى الطرف الآخر إرادة سياسية، لأن أي عملية سياسية تحتاج إلى طرفين، أما الآن فهناك عملية واحدة، وهي أن الشارع سيحقق مطالبه بعد أن توافقت كل أطرافه على إسقاط الانقلاب".

دعوة وتحذير

من جانبه، حذر الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) نائب رئيس مجلس السيادة الانتقالي، من انهيار البلاد في حال عدم التوصل لاتفاق ينهي الأزمة السياسية، داعياً الشباب للجلوس إلى طاولة الحوار لمناقشة القضايا الوطنية بكل صدق وشفافية، توصلاً إلى مشروع وطني يحقق استقرار البلاد، بعيداً من الأطماع الحزبية الضيقة، وأشار حميدتي، من دارفور خلال مخاطبته حفل تخريج الدفعة الأولى من قوات حفظ السلام وقوامها 2000 جندي، إلى عدم وفاء المجتمع الدولي بتعهداته تجاه عملية السلام، على الرغم من معرفته بالظروف التي تمر بها البلاد، مناشداً الأشقاء والأصدقاء في المحيطين الإقليمي والدولي تقديم المساعدة لشعب السودان.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجدد أركو مني مناوي حاكم إقليم دارفور، رئيس حركة تحرير السودان الموقعة على سلام جوبا، الدعوة إلى الحوار الجاد بين مكونات الشعب السوداني، وضرورة الاحترام المتبادل وبناء الثقة والتوافق والتراضي عبر آلية سودانية تراعي واقع التنوع في كل أنحاء البلاد، للاتفاق على حل المشكلات المتراكمة، وصولاً لحكم ديمقراطي يتراضى عليه الشعب السوداني.

في المقابل، رفضت حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، غير الموقعة على اتفاق السلام، مشروع التسوية الذي تقوده بعض القوى الداخلية والإقليمية والدولية لإعادة إنتاج الشراكة والإجهاز على الثورة وأهدافها.

تنامي الاعتصامات

ميدانياً، يتواصل اعتصام مستشفى "الجودة"، فضلاً عن اعتصامات أخرى في كل من الخرطوم بحري، وأم درمان، جوار منزل رائد الاستقلال الزعيم إسماعيل الأزهري، كما دعت تنسيقيات لجان مقاومة مدينة الخرطوم، الشعب السوداني للتوافد ودعم اعتصام "الجودة" ومواصلة التصعيد الثوري المفتوح حتى سقوط السلطة الحالية، وأفاد بيان للجان مقاومة الخرطوم بأن الشعب السوداني يسطّر ملاحم جديدة في وجه السلطة من اعتصامات في كل من الخرطوم وبحري وأم درمان وترس الشمال والجنينة وغيرها من الولايات الأخرى.

في الأثناء، شكل النائب العام المكلف خليفة أحمد، لجنة للتحقيق والتحري في أحداث مواكب 30 يونيو 2020، تضم سبعة أعضاء من النيابة. وكان محامو الطوارئ دفعوا بمذكرة عاجلة إلى النائب العام حول الانتهاكات التي حدثت في مليونية 30 يونيو والموقوفين والمفقودين في المواكب.

وقالت حركة جيش تحرير السودان، في بيان، لناطقها الرسمي محمد الناير إن الطريق الوحيد الذي يقود السودان نحو المستقبل والسلام العادل والشامل المستدام، هو إسقاط السلطة الحالية والتوافق على حكومة انتقالية مدنية بالكامل من شخصيات مستقلة.

المواجهة

في السياق، أوضح الرشيد إبراهيم المحلل السياسي أن التصعيد الأخير في تظاهرات 30 يونيو يعني بوضوح ردة في العملية السياسية والعودة إلى مربع المواجهة من جديد، ويعني أن تحالف الحرية والتغيير، كان في ما سبق، يحاول الجمع بين المسارين في التفاوض والمواجهة في آن واحد لتحقيق مكاسب سياسية في محاولاته إرضاء الشارع، وتلك إشكالية، إذ لا يمكن الجمع بين المسارين في آن واحد، ورأى إبراهيم أن خطورة الموقف الحالي تتجلى في أن الوضع السياسي بات في انتظار متغيرات جديدة، ربما تكون ضغوطاً دولية، أو من أطراف داخلية، أما تظاهرات 30 يونيو، فقد كانت مجرد ضغوط أشبه بعود كبريت لا يمكن إشعاله واستخدامه مرتين.

وأضاف، "بات المشهد السياسي مختلفاً بعد تظاهرات 30 يونيو وما صحبها من اعتصامات، ما يشير إلى انحسار الثقة بين أطراف الأزمة، إذ إن التفاوض يسهم في توسيع دائرة الثقة بين الأطراف، بينما تفعل المواجهة العكس، ما يعني تأثيرات سالبة كبيرة في العملية السياسية"، ونوه إبراهيم إلى "أهمية التفريق بين إسقاط النظام، واستعادة السلطة المفقودة من قبل الحرية والتغيير ما يعكس تبايناً واضحاً في رؤى المعارضة والشارع".

ماذا لو لم يسقط؟

وأشار المحلل السياسي إلى أن الهدف المعلن للحراك هو إسقاط الحكومة لكنه لم يتحقق حتى الآن، بالتالي، لا يمكن القول إن هناك تحولاً نوعياً في موازين القوى أحدثته التظاهرات، لأنها لم تكن بالحجم أو المستوى المعلن عنه، فضلاً عن أن رفع سقف التطلعات والطموحات سيكون مضراً على المدى الطويل إذا لم يتحقق الهدف، ما قد يجعل العسكر أكثر تمسكاً بشروطه للتنازل عن السلطة إما بالتوافق أو بالانتخابات، وتابع، "حتى عندما كانت الحرية والتغيير كتلة واحدة، كان الجيش، ولا يزال جزءاً من التغيير، ويبدو من الصعب على قوى الحرية والتغيير تسويق الرؤى نفسها، التي سبق أن طرحتها سابقاً، وفقدت صدقيتها، لأنها الآن في مواجهة التداعيات العميقة لتجربتها في اعتصام القيادة". وحذر الرشيد من أن الاعتصامات ودعوات العصيان المدني، ربما تعطي المكون العسكري مبرراً لإعادة أنصار النظام السابق لسد الفجوة ما يعمّق الهوّة أكثر بين الأطراف. وأشار، من جهة ثانية، إلى أن حوار الآلية الثلاثية لم يشهد جديداً منذ تعليقه، وباتت فرص استئنافه أكثر ضعفاً مما مضى.

واعتبر الباحث السياسي محمد إبراهيم الأمين أنه "في حال فشلت الآلية الثلاثية في الوصول إلى حلول للأزمة السودانية، حق الشارع السوداني في مواجهة السلطات العسكرية لاستعادة التحول الديمقراطي يظل مشروعاً"، منوهاً إلى أن على القيادات السياسية مسؤولية إدراك وتفادي ما قد  يترتب على تلك المواجهة من تبعات على البلاد، في ظل التدهور الاقتصادي والأمني والتصدعات العميقة التي قد تهدد وجود الدولة السودانية نفسها. وأشار الأمين إلى أن على المجتمع الدولي الالتفات بصورة أكثر جدية  لما يدور في السودان لتدارك انجراف البلاد نهائياً نحو حرب أهلية.

الحوار المعلق

وكانت جلسات الحوار المباشر التي دعت إليها الآلية الثلاثية، بين فرقاء الأزمة السودانية المتجذرة في الثامن من يونيو الماضي، تم تعليقها إلى أجل غير مسمى بسبب مقاطعة تحالف قوى إعلان الحرية والتغيير (المجلس المركزي) وحزب الأمة ولجان المقاومة وعدد من القوى الثورية المؤثرة. ونجحت وساطة، قادها كل من مساعدة وزير الخارجية الأميركي للشؤون الأفريقية مولي في، وسفير المملكة العربية السعودية بالخرطوم علي جعفر، في ترتيب لقاءات موازية بين تحالف "الحرية والتغيير" والمكوّن العسكري، غير أن اللقاءات لم تفلح في التوصل إلى صيغة توافقية تعيد إطلاق جلسات الحوار من جديد.

وكانت "الآلية الثلاثية" بدأت العمل في مارس (آذار) الماضي، بالتشاور غير المباشر مع الأطراف المختلفة، وانضم الاتحاد الأفريقي، في الشهر نفسه، لجهود البعثة، والتحقت بها أيضاً منظمة شرق ووسط أفريقيا للتنمية "إيقاد"، وشكلت الأطراف الثلاثة آلية ثلاثية لرعاية الحوار السوداني، وبدأت "الآلية الثلاثية" العمل في مارس الماضي على أولى مراحل التشاور الفردي غير المباشر مع القوى السياسية.

المزيد من متابعات