Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إسرائيل تنفذ خطة "تحسين حياة الفلسطينيين" عبر تسجيل أراض لعائلات يهودية في القدس

غيرت شروط إثبات الملكية والسلطة الفلسطينية تندد وسط مطالبتها بمواقف أكثر جدية

صادرت إسرائيل بين عامي 1967 و1991 نحو 23.4 في المئة من مساحة القدس الشرقية (اندبندنت عربية)

بين مستوطنة "هارحوما"، وبلدة صور باهر المقدسية، فوجئت عائلة حمادة بإعلان إسرائيلي يدعو إلى تسجيل وتسوية الأراضي هناك، وأمهل مأمور التسوية من يدّعون ملكية الأراضي هناك 60 يوماً لإثبات ذلك. وعلى الرغم من تخوف المقدسيين بشكل عام من مخطط ما يُسمّى بـ"تسوية أراضي القدس الشرقية"، الذي اتخذ صفة قرار حكومي في مايو (أيار) 2018 ويحمل رقم 3790، فإن العائلة باشرت بالإجراءات القانونية التي قد تمكنها من إثبات ملكيتها للأرض، التي صودرت منها عام 1991 بادعاء "المصلحة العامة".

 وجود ادعاءات متناقضة للملكية على الأرض بين عائلة يهودية وعائلة حمادة، نقل الأمر إلى المحكمة المركزية الإسرائيلية لبتّ الحقوق العقارية فيها، وبعد الفحص والتدقيق القانوني، أيقنت العائلة الفلسطينية أنها لن تتمكن من استرجاع الأرض، على الرغم من وجود إثباتات بملكيتها، فبحسب قانون الأراضي لعام 1943 "تستطيع الدولة الإسرائيلية أن تستخدم الأراضي المصادرة للمصلحة العامة، لأي هدف تراه مناسباً، حتى لو خالفت الهدف المعلن عنه، ويمنع التعديل القانوني أصحاب الأرض من المطالبة بحق استرجاع الأراضي في حال تم تأجيرها من الدولة إلى طرف ثالث، أو في حال مر أكثر من 25 عاماً على مصادرتها".

وصادرت إسرائيل بين عامي 1967 و1991، نحو 23.4 في المئة من مساحة القدس الشرقية بدعوى المصلحة العامة، وقُدّرت قيمة تلك الأراضي المصادرة، بحسب متخصصين، بنحو 1 مليار دولار أميركي، في حين تستند بلدية القدس إلى قانون التخطيط والبناء لعام 1965 في مادته رقم 188، التي تخولها مصادرة أراضٍ للصالح العام كشق شوارع وبناء حدائق ومدارس وغيرها.

تقول عائلة حمادة، "على الرغم من وجود كل الأوراق التي تؤكد ملكيتنا للأرض، كنا على قناعة تامة بأن القانون الإسرائيلي هو الخصم والحكم، ولن ينصفنا يوماً، فقد تم تأجير الأرض طوال تلك الفترة لعائلة يهودية استنفعت منها واستثمرتها، بالتالي لن نتمكن من استرجاعها، ومر أكثر من 25 عاماً على مصادرتها".

من جانبها، أوضحت المهندسة شري كرونيش من جمعية "بمكوم- مخططون من أجل حقوق التخطيط"، أنه "مع مرور الوقت، نرى أن مشروع تسجيل الأراضي يتم استغلاله من أجل مصالح الدولة والمشروع الاستيطاني وليس لصالح سكان القدس الشرقية".

أملاك لليهود

وفقاً لتقرير أوردته صحيفة "هآرتس" الإسرائيلية عبر موقعها الإلكتروني قبل أيام، عملت سلطات تل أبيب من خلال وزارة القضاء، على تسجيل ملكية مناطق واسعة في مدينة القدس باسم عائلات يهودية، باستخدام موازنة مخصصة رصدتها الحكومة عام 2018 لـ"تقليص الفجوات وتحسين نوعية حياة الفلسطينيين في المدينة".

إجراءات التسجيل التي بدأت الأسبوع الماضي، شملت الأراضي الواقعة ضمن مخطط "الحديقة القومية" حول أسوار البلدة القديمة، جنوب المسجد الأقصى. وذكر التقرير أن تسجيل الأراضي التي تقع ضمن مخطط الحديقة الأثرية، قد يؤدي إلى اعتراض مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس والجانبين الأردني والفلسطيني، بخاصة أن الأراضي التي تقع بين المقبرة اليهودية وبين سور البلدة القديمة جنوب المسجد الأقصى، تبلغ مساحتها نحو 350 مليون متر مربع، وهي مملوكة للأوقاف الإسلامية. وذكرت "هآرتس" أن السلطات الإسرائيلية تقول إن عملية تسجيل قطعة الأرض المذكورة، الواقعة جنوب الحرم القدسي، تأتي بهدف "تضييق الفوارق الاقتصادية وتحسين نوعية حياة الفلسطينيين المقيمين في القدس".

وحذر المفتي العام للقدس والديار الفلسطينية محمد حسين من خطورة هذا الإجراء، الذي يستهدف أراضي تسعى إسرائيل إلى وضع اليد عليها في مدينة القدس، في حين شدد رئيس دائرة القدس بمنظمة التحرير الفلسطينية عدنان الحسيني على أن قانون أملاك الغائبين الذي تستخدمه إسرائيل لتسجيل الأراضي بملكيات لليهود هو من "الأساليب الملتوية والقوانين الباطلة". وأضاف، "السلطات تسابق الزمن في سياساتها التهويدية لفرض الحقائق على الأرض، وتحقيق أحلام واهية بتكريسها عاصمة أبدية لدولتهم، قائمة على إنكار حقوق الفلسطينين".

وشرح المحامي غال يانوفسكي من منظمة "عير عميم" الحقوقية الإسرائيلية الرافضة للاستيطان، أنه "كان من المفترض أن تكون تسوية تسجيل الأرض لصالح السكان، لكن من الواضح أنه لا يمكن لأحد الاستفادة من هذه التسوية، فهي مرحلة أخرى من مراحل سيطرة الدولة على المنطقة". وأضاف أنه في هذه المرحلة، فإن إجراءات التسجيل تشكل "قفزة إلى الأمام في مخطط تهويد القدس، والتسوية إلى جوار المسجد الأقصى محاولة من قبل إسرائيل للسيطرة على المنطقة الأكثر حساسية في المدينة."

 

تغيير الشروط

صحيفة "غلوبس" الاقتصادية أشارت في السياق ذاته، إلى أن وزارة القضاء الإسرائيلية ألغت إجراء سابقاً كان ينص على أن إفادة اثنين من المخاتير تكفي لإثبات ملكية الأرض في شرق القدس.

وعبّر آريه كينغ، نائب رئيس بلدية القدس عن فرحته لتغيير إجراءات إثبات الملكية في المدينة، وكتب على حسابه في "فيسبوك"، "حمداً لله أننا تخلصنا من الإجراءات القديمة لإثبات الملكية في شرق القدس". وتوجه كينغ في منشوره بالشكر إلى مؤسسات رسمية وجمعيات استيطانية "لكفاحها الطويل ضد سرقة العرب للأراضي في القدس، وفي وضح النهار"، على حد تعبيره.

في المقابل، أكد خليل التفكجي، مدير دائرة الخرائط في جمعية الدراسات العربية في القدس، أن إسرائيل صادرت سابقاً أراضي وعقارات لإقامة متنزهات أو مراكز خدمات في القدس، وتبيّن لاحقاً أنها حوّلتها إلى ملكية خاصة بأسماء مستوطنين وإقامة مستوطنات عليها". وأشار إلى أن "هناك أراضي للأوقاف الإسلامية يدعون ملكيتها لليهود، ويعملون على نقلها من أملاك وقفية إلى أملاك يهودية، وفي حال لم يتم الاعتراض على ذلك خلال فترة 60 يوماً، ولم يتم إحضار الوثائق، تسجّل مباشرة باسم الدولة، أو باسم مستوطن، ويجري حسم هذه الأملاك بشكل نهائي". وأضاف، "هذه القضية الخطيرة والحساسة تتطلب تحركاً عاجلاً على أعلى مستوى سواء من الجانب الأردني أو الفلسطيني وإدارة الأوقاف الإسلامية".

خطوة ضرورية

منذ سيطرة إسرائيل على القدس عام 1967، لم تسجل تل أبيب ملكية الأراضي في القدس الشرقية، إذ إن 90 في المئة من الأراضي في شرق المدينة غير منظمة أو مسجلة بملكية أحد في سجلات وزارة القضاء الإسرائيلية، التي قالت في وقت سابق إن ذلك "يعطل إجراءات الحصول على تصاريح بناء في المنطقة، كما أنه يشجع التعامل مع السوق السوداء في مجال العقارات في القدس".

وأشارت وسائل إعلام إسرائيلية إلى أن وزارة القضاء تسعى لإتمام عملية تسجيل الأراضي في حي الطور ووادي ابن هنوم وغيرها من المناطق المحيطة بأسوار البلدة القديمة خلال الأسابيع المقبلة. وبحسب ما هو معلن إسرائيلياً، انتهت التسوية تقريباً في حي الشيخ جراح، وتم تسجيل جميع الأراضي باسم ملاك يهود. وادعت وزيرة الداخلية الإسرائيلية آيليت شاكيد أن "العمل على التسوية سيسهل عملية البناء أمام المقدسيين، ويوفر حلولاً سكنية لهم".

ووفقاً لصحيفة "ذي ماركر" الاقتصادية، يعتقد وزير شؤون القدس والتراث الإسرائيلي زئيف إلكين، أن ضم القدس خلال الأعوام الخمسين الماضية "كان ضماً على الورق فقط"، وأن "مشروع تسوية الأراضي يعتبر خطوة ضرورية". وأوضح إلكين في سياق حديث إذاعي لهيئة البث الإسرائيلية "مكان"، أن ترسيخ السيادة الإسرائيلية على القدس يتم من خلال تطوير البنى التحتية في جميع أنحاء المدينة، مردفاً أنه ينوي النهوض بالعاصمة وتطويرها بصفته وزيراً للبناء والإسكان ووزيراً لشؤون أورشليم القدس.

 

إدانات وشجب

في الوقت الذي لم تصدر وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية في القدس بعد بياناً رسمياً حول القرار، دانت وزارة الخارجية الفلسطينية بأشد العبارات ما وصفته بـ"جريمة سرقة ونهب الأرض الفلسطينية من قبل دولة إسرائيل وأذرعها المختلفة، بما فيها الجمعيات الاستيطانية". وأشارت الوزارة، في بيان رسمي، إلى أن ما يجري من تسجيل أملاك لليهود في القدس هو "خرق فاضح للقانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية والاتفاقيات الموقعة، وجزء لا يتجزأ من عمليات تهويد القدس وتكريس ضمها، وضرب مرتكزات الوجود الفلسطيني التاريخي والديموغرافي والقانوني في المدينة وإلغائها بالكامل"، محذرة من "مغبة مخاطرها التي تهدد بتفجير ساحة الصراع برمّتها" ومؤكدة أن إسرائيل "تستغل ازدواجية المعايير الدولية والتقاعس عن تنفيذ قرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، لتعميق الاستيطان والضم التدريجي الزاحف للضفة الغربية، بهدف حسم قضايا الحل النهائي التفاوضية من جانب واحد".

من جانبها، استنكرت اللجنة الرئاسية العليا لمتابعة شؤون الكنائس في فلسطين، القرار القضائي بتسجيل أراضٍ محاذية للمسجد الأقصى لليهود. وقالت عبر بيان "إن إسرائيل ومستوطنيها ينتهجان سياسة العصابات للسيطرة على أحياء المدينة"، موضحة أن "الحكومة تجند جميع مؤسساتها لصالح تنفيذ مطامعها بالطرق الملتوية للسيطرة على مناطق حيوية ومساحات كبيرة في البلدة القديمة في القدس، كما حدث أخيراً في قضية باب الخليل وساحة عمر بن الخطاب وفندقَي البترا وأمبيريال، والتي تعود ملكيتهما إلى بطريركية الروم الأرثوذكس المقدسية، والتهجير القسري الذي يفرض على السكان في سلوان والشيخ جراح وجبل المكبر".

وطالبت اللجنة الرئاسية بضرورة تحرك المجتمع الدولي والعربي للضغط على إسرائيل لوقف جرائمها، محملة المجتمع الدولي المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد أو توتر في الأوضاع يحدث في المنطقة.

ويتجنب المقدسيون التعامل مع الوزارات الإسرائيلية في مجال تسجيل الأراضي خوفاً من تسريبها أو تهويدها أو استغلالها لمشاريع استيطانية، بالاعتماد على "قانون أملاك الغائبين"، الذي ينص على أن أي شخص ترك دولة إسرائيل وسكن في مكان آخر هو "غائب"، وكل من سكن القدس بعد عام 1967 من دون استثناء هم غائبون في أملاكهم، وفقاً لتعريف هذا القانون. وتدير جمعية "حارس أملاك الغائبين" 900 عقار فلسطيني معظمها في الجزء الشرقي من القدس، وملّاك هذه العقارات هجّروا من المدينة عام 1967.

وفي معرض ردها على الادعاءات الفلسطينية والحقوقية بأن عملية التسجيل والتسوية تُستخدم للسيطرة على الأرض وتوطين اليهود هناك، قالت وزارة العدل الإسرائيلية لصحيفة "هآرتس" إن "تلك الادعاءات لا أساس لها".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

قوة اقتصادية

بتاريخ 13 مايو (أيار) 2018، اتخذت الحكومة الإسرائيلية القرار رقم 3790 "بتقليص الفجوات الاجتماعية والاقتصادية وتطوير الاقتصاد في القدس الشرقية" للأعوام 2018 - 2023 في مجالات التعليم والتعليم العالي والاقتصاد والعمل والنقل والصحة وتحسين نوعية الحياة، بموازنة ضخمة تُقدّر بنحو 1.8 مليار شيكل (530 مليون دولار)، وأحد أهم بنود القرار هو "تخطيط الأراضي وتسجيلها"، الذي ستقوم إسرائيل بموجبه، من خلال لجنة تشرف عليها وزارة العدل الإسرائيلية، بتسوية كل أراضي القدس الشرقية، وستنتهي أعمال اللجنة مع نهاية 2025. وبحسب سجلات بلدية القدس، كانت 90 في المئة من أراضي القدس الشرقية حتى عام 2018، غير مسوّاة، وهي تشكل نحو 30 في المئة من مساحة القدس الكلّية بشطرَيها. وبغية الشروع بتسوية كل هذه الأراضي حتى نهاية 2025، خصصت الحكومة الإسرائيلية مبلغ 50 مليون شيكل (15 مليون دولار).

الموازنات الضخمة التي خصصها هذا القرار "لتقليص الفجوات الاقتصادية الاجتماعية لسكان القدس الشرقية"، بحسب ما ورد في عنوانه ومضمونه، تكشف كما يرى مراقبون عن الاهتمام الكبير الذي توليه الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة للمدينة باعتبارها كلاً متكاملاً "كعاصمة موحدة لإسرائيل" من دون اعتبار القدس الشرقية منطقة فلسطينية، أو ربما ستكون كذلك في سياق أية تسوية سياسية مستقبلية. وادعت تل أبيب آنذاك أن تسوية أراضي القدس الشرقية من شأنها أن تزيد دخل بلدية القدس بمئات ملايين الشواكل، كما يزيد دخل المقدسيين الذين سيتمكنون من الاستفادة من التسوية، وتخصيص نحو 550 ألف متر مربع من البناء لصالح مناطق صناعية ستستوعب قوة عمل فلسطينية.

الدولة المنشودة

قال موشيه ليون، رئيس بلدية القدس لصحيفة "إسرائيل اليوم" في وقت سابق إن "بلدية القدس تقوم بخطوة تاريخية لتعويض التقصير وفتح صفحة جديدة مع المقدسيين، على أساس الثقة المتبادلة مع البلدية، التي ستفعل كل ما في وسعها لإنجاح هذا المشروع العصري". كما يأمل ليون في أن تقلل المشاريع من عدم المساواة بين القدس الشرقية والغربية.

في المقابل، يقول آخرون إن الخطة التطويرية لشرق القدس تأتي في سياق الرغبة الإسرائيلية الساعية لتدمير أي حل أو تسوية مستقبلية من شأنها أن تضمن للفلسطينيين السيادة على القدس الشرقية كعاصمة لدولتهم المنشودة.

المتخصص في المرافعة الدولية بقضايا الأرض أحمد أمارة يقول إن "الإعلان عن التسوية يعني مساومة المقدسيين على ما تبقّى لهم، فدوائر السيطرة على الأرض الفلسطينية المتمثلة في ’القيّم العام‘ و’القيّم على أملاك الغائبين‘ وغيرها جاهزة للاستحواذ على مزيد من الأراضي الفلسطينية بذرائع وقوانين إسرائيلية مختلفة. وما يُسمّى بـ’الصندوق الدائم لإسرائيل‘ (الكيرن كييمت ليسرائيل) أعلن أنه سيفتح 17 ألف ملف أراضٍ من أرشيفاته، بينها 2050 ملفاً يحتوي على 2050 قطعة أرض في شرق القدس".

ووفقاً لمركز "مدار للدراسات والأبحاث الإسرائيلية"، "تسعى تل أبيب إلى تهيئة المجتمع الدولي لقبول ’القدس الموحدة‘ كعاصمة لدول إسرائيل، وإحدى المقدمات لذلك هي معاملة المقدسيين على قدم وساق مع بقية المواطنين الإسرائيليين. وتسوية الأراضي قد تأتي في هذا السياق لتقليل الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين المقدسيين واليهود في المدينة، إلى جانب خطة التدخل في حقل التعليم والعمل والبنية التحتية وغيرها من المجالات".

ولا يعترف المجتمع الدولي بالقدس الشرقية كجزء من عاصمة دولة إسرائيل، على اعتبار أن ضم القدس في 1967 أمر غير شرعي. وبحسب مراقبين، تمضي إسرائيل في سياسة خلق حقائق جديدة على الأرض في شرق القدس، قد تحوّل انسحابها من القدس الشرقية إلى أمر غير قابل للتطبيق العملي.

المزيد من تقارير