Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

مدينة أثرية مدفونة تحت التراب في غزة وتلك أسباب عدم التنقيب

300 موقع موثق لدى "يونيسكو" والمصادفة وحدها تقود للاكتشافات والعمران والسرقة وافتقار الخبرات وراء اختفاء الآثار

 تعرضت آثار غزة للسرقة والتهريب أكثر من مرة (اندبندنت عربية - مريم أبو دقة)

كان المزارع رامي يضرب بمعوله الصغير في أرضه المزروعة بالبذور في قطاع غزة، عندما اصطدمت الأداة الحديدية بحجر، فتوقف عن تكرار ضرباته وحفر بيده حوله ليزيله من تربته الخصبة ويكمل عمله في تقليب الأرض.

عملية الحفر اليدوية التي قام بها المزارع رامي، كشفت له رأس إنسان مصنوع من الحجر، يقول إنه كان يحمل ملامح غريبة لفتاة، لذلك اصطحبه إلى جهات الاختصاص، وبعد الفحص تبين أنه تمثال أثري قديم يزيد عمره على 4500 سنة.

إلهة الحب والحرب

وفق البحوث التي أجرتها وزارة السياحة المعنية بالإشراف على الآثار وحفظها، اتضح أن التمثال المكون من رأس متكامل من دون جسم ويلتصق به تاج الأفعى، يعد قطعة أثرية مصنوعة من الحجر الجيري، وهي تمثل الآلهة الكنعانية "عنات" ويعود تاريخه لـ 2500 قبل الميلاد.

ويقول المدير العام للآثار في وزارة السياحة جمال أبو ريدة إن المعبودة "عنات" كانت إلهة الحب والجمال والحرب، بحسب الميثولوجيا والعقيدة الكنعانية، واكتشفت بالمصادفة أثناء أنشطة زراعية فردية، وبعد عملية البحث المعمق تبين أن هذه المنطقة كانت الطريق البري التجاري القديم للحضارات المتعاقبة على فلسطين.

وبحسب البحوث التاريخية الدينية فإن "عنات" كانت تعبد في بلاد الشام ومصر، وهي إلهة سامية مهمة تستخدم للدعاء من أجل النجاح في الحب أو الحرب، وانتشرت طقوسها في الألفية الثالثة قبل الميلاد في مناطق متفرقة من بينها قطاع غزة.

اكتشافات بالمصادفة

كان اكتشاف الآلهة عنات محض مصادفة ولم يقد العثور عليها إلى اكتشافات أخرى في المنطقة التي لم يجر فيها عمليات تنقيب، إذ يوضح أبو ريدة أنه "لا يوجد في غزة أجهزة لتصوير وكشف طبقات الأرض ولمعرفة أماكن الفراغات أو المعادن التي تقود لاكتشاف المدفون في باطنها، كما نفتقر إلى الحرفيين والخبراء لإجراء عمليات التنقيب، وعادة ما نستعين بفرق دولية لإجراء حفريات".

ويبدو أن المصادفة هي الطريقة الوحيدة لاكتشاف الآثار في غزة في ظل عدم إجراء جهات الاختصاص أي عمليات تنقيب، إذ قادت المصادفة عامل بناء لاكتشاف حجر غريب ونادر، تبين لاحقاً أنه مقبرة رومانية ضخمة تعود للقرن الأول الميلادي.

 

 

ويشير أبو ريدة إلى أنهم وجدوا القبور قد تناثرت وانغمرت تحت الرمال بسبب الزحف العمراني، وكان صعباً عليهم التعامل مع الموقع المكتشف، مما دفعهم إلى الاستعانة بفرق دولية لتوجه فريق العمل للبقعة التي يجب إغلاقها بالأوتاد، وبالعادة تتعاون وزارة السياحة مع اللجنة الدولية للصليب الأحمر ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) والمدرسة الفرنسية للبحث عن الآثار وإجراء أعمال ترميم وتنقيب.

اتصلت دائرة الآثار في منظمة الإغاثة الأولية الدولية (مؤسسة دولية تقدم المساعدة في الكوارث الطبيعية والصراعات) التي بدورها تواصلت مع المركز الفرنسي لدرس الكتاب المقدس والآثار في القدس (مؤسسة غير حكومية تعمل في الأراضي الفلسطينية والإسرائيلية) لتقويم أهمية الموقع وتحديد منطقة التنقيب.

الفرق بين غزة وإسرائيل

يقول عالم الآثار الفرنسي رينيه إلتر الذي حضر لغزة من أجل اكتشاف المقبرة، إن الأعمال الأولية كشفت نحو 100 قبر يعود إلى العصر الروماني، وهي مزينة بلوحات متعددة الألوان تمثل تيجاناً وأكاليل من أوراق الغار، إضافة إلى العثور على مكان مخصص لإراقة الشراب الجنائزي.

ووفقاً للمركز الفرنسي لدرس الآثار فإن المقبرة المكتشفة كانت متاخمة لمدينة أنثيدون الرومانية (حالياً عسقلان الإسرائيلية)، ويشير إلتر إلى أنه لا توجد فروق بين ما يمكن أن تجده في غزة وعلى الجانب الآخر في إسرائيل، وهذا يوحي أن المكانين كانا أرضاً موحدة لحضارة قديمة.

وتعد الآثار في الأراضي الفلسطينية وإسرائيل من القضايا السياسية الحساسة، وتستخدم لتبرير كل طرف أحقيته في الأرض، ويوضح إلتر أن الدولة العبرية تملك ترسانة علماء للكشف عن الكنوز القديمة، فيما لا تزال غزة متأخرة إلى حد كبير، وتحتاج لمن يساعدها في التنقيب على الرغم من أن الخرائط تؤكد أنها مبنية فوق مدن أثرية وكنوز ضخمة.

الزحف العمراني دمر آثاراً

يوجد في غزة 300 موقع مصنف أثري ضمن سجلات منظمة "يونيسكو" بينهم 40 مسجداً و22 مبنى وعدد من المعالم الدينية المسيحية، منها دير القديس هيلاريون الذي يصنف على قائمة التراث العالمي بأنه أول دير في التاريخ المسيحي.

وحول ذلك يقول المدير العام للآثار في وزارة السياحة جمال أبو ريدة إن "الزحف العمراني الكبير في غزة يعد من أبرز الأسباب التي أخفت الآثار تحتها، كما أن عمليات التنقيب تحتاج إلى فرق خبراء كثيرة وأموال لصيانتها وترميمها وحراستها، وهذا الأمر غير متوافر في غزة".

 

 

وتعد غزة أكثر بقعة في العالم من حيث الكثافة السكانية، إذ يعيش على مساحة 360 كيلو متر نحو 2.3 مليون نسمة موزعين على 44 تجمعاً سكنياً، بمعدل كثافة في المدن تقدر بـ 26 ألف مواطن لكل كيلومتر مربع، وكثافة سكانية في الخيم تصل إلى 55 ألف مواطن لكل كيلو متر مربع، ونتيجة لذلك اختفت الآثار تحت المباني.

سرقة آثار

وإلى جانب الزحف السكاني الذي أثر في التنقيب، فإن المناطق الأثرية في غزة تعرضت لعدد من الانتهاكات، فعلى الصعيد المحلي دمرت حكومة "حماس" أجزاء من الآثار بهدف تعويض موظفيها بالأرض بدل المال، بينما استهدف الإسرائيليون مواقع عدة وألحقوا بها أضراراً جسيمة.

وفور اكتشاف القبور وكثير من الأماكن الأثرية وقبل أن تنتبه إليها الجهات المعنية تتعرض لنهب مقتنياتها، إذ استولى المواطنون على قطع الفخار وأغطية التوابيت.

ويقر أبو ريدة بوجود محاولات سرقة وتهريب غالباً ما تكون للعملات النقدية، لكن تحاول مباحث السياحة الحد منها.

ويعلق على ذلك مسؤول إدارة منظمة الإغاثة الأولية الدولية غزة جهاد أبو حسان بأن غزة تفقد مواقع أثرية كل يوم، لذلك دربت مؤسسته 84 من علماء الآثار المحليين على أساليب حماية التاريخ.

المزيد من العالم العربي