أول حادث عسكري مباشر بين إيران وأميركا... احتمالات عدّة حسب نوايا ترمب

خبراء يتوقعون رداً استيعابياً من واشنطن على إسقاط طهران الطائرة المسيّرة

انزلق الوضع في منطقة الخليج نحو الترقب الشديد في الساعات الأخيرة مع إعلان إيران أنها أسقطت "طائرة تجسس أميركية بلا طيار"، قالت إنها "انتهكت مجالها الجوي". وفيما أكدت واشنطن الحادث، أوضحت وزارة الدفاع الأميركية أن "الطائرة كانت في المجال الجوي الدولي، وأن المعلومات الإيرانية عن أنها كانت فوق إيران غير صحيحة." وكمَن كان ينتظر فرصة إثبات الذات، جاهر "الحرس الثوري" الإيراني بتبنّيه المسؤولية، معتبراً أن "الحادث أرسل رسالة واضحة إلى الولايات المتحدة"، وفيما بدا الموقف العسكري الأميركي "طريّاً" بوصف الحادث بأنه "غير مبرّر من  جانب الحرس الثوري"، كانت النبرة السياسية الأميركية عالية، بإعلان الرئيس دونالد ترمب عبر "تويتر" أن "طهران ارتكبت خطأ كبيرا جدا".

تصاعد التوتر

ويأتي الحادث في وقت يتصاعد فيه التوتر بين البلدين، وبعد أيام من إعلان وزارة الدفاع الأميركية أنها ستنشر ألف جندي إضافي في المنطقة رداً على ما سمّته "السلوك العدائي" من قبل القوات الإيرانية. وأرسلت مجموعة ضاربة على متن حاملة طائرات وقاذفات "بي 52". وكانت واشنطن قد اتهمت إيران بمهاجمة ناقلتي نفط بالألغام، قبل نحو أسبوع في خليج عُمان خارج مضيق هرمز، لكن طهران رفضت التهمة. الهجوم الأخير هو الثاني خلال شهر على ناقلات النفط بالقرب من المنطقة التي يمرّ عبرها خُمس نفط العالم يوميا. وقد ارتفع منسوب التوتر عندما أعلنت إيران مطلع الأسبوع أن مخزونها من اليورانيوم منخفض التخصيب سيتجاوز الأسبوع المقبل الحدود التي وافقت عليها مع القوى العالمية بموجب الاتفاق النووي الموقع العام 2015. وكثّفت إيران إنتاجها رداً على تشديد العقوبات الاقتصادية من الولايات المتحدة، التي انسحبت من جانب واحد من الصفقة العام الماضي.

الرواية الإيرانية

ماذا حدث فجر الخميس؟ "الحرس الثوري"، وهو الجهاز العسكري الأقوى للنظام الإيراني الذي أطلق الصاروخ، قال إن "طائرة بلا طيّار أقلعت قرابة الساعة 00:14 (بتوقيت طهران) من قاعدة أميركية على الشواطئ الجنوبية للخليج. وقد أطفأت جميع أجهزتها الاستطلاعية عندما حلّقت فوق مضيق هرمز، نقطة العبور الاستراتيجية لتزويد العالم بالنفط"، وأضاف أنها "توجهت شرقاً نحو ميناء تشابهار الإيراني، وتم إسقاط الطائرة بعد دخولها المجال الجوي الإيراني".

وفي كلمة بثها التلفزيون الرسمي، حذر قائد أركان "الحرس الثوري"، الجنرال حسين سلامي، الولايات المتحدة من انتهاك سيادة بلاده.

الرواية الأميركية

أما القيادة المركزية للجيش الأميركي، فذكرت أن طائرة مراقبة تابعة للبحرية الأميركية، أسقطت بصاروخ أرض- جو إيراني بينما كانت تحلق في مجال دولي فوق مضيق هرمز قرابة الساعة 23:35 بتوقيت غرينتش (الثالثة و35 دقيقة فجر الخميس بتوقيت إيران). ووصف المتحدث باسم البحرية الأميركية، الكابتن بيل إيربان، التقارير الإيرانية عن أن الطائرة كانت فوق إيران، بأنها "غير صحيحة". واعتبر أن "الهجوم كان غير مبرر واستهدف جهاز مراقبة أميركياً كان يعمل في المجال الجوي الدولي".

جهة محايدة

لكن هل من جهة محايدة يمكن أن تحسم مكان الطائرة لحظة استهدافها؟ نعم، يجيب اللواء المصري د. نصر سالم، أستاذ العلوم الاستراتيجية، لـ"إندبندنت عربية" بأن "هناك عددا كبيرا من الأقمار الصناعية التي تدور حول الأرض، ولا بدّ أن تكون قد سجّلت حادثة الطائرة وأبلغت مراكز تجميع المعلومات بها". ويوافقه الرأي اللواء ركن طيّار متقاعد، صابر السويدان، القائد الأسبق للقوة الجوية الكويتية، الذي أوضح أن "المسألة تعتمد أيضاً على التغطية الرادارية الموجودة في المنطقة، سواء كانت من سلطنة عُمان أو من دولة الإمارات. وهاتان الدولتان يمكنهما تحديد الموقع، سواء من تغطيات رادرية في الجو أو من الرادارات الأرضية".

هذا هو أول حادث مباشر بين الجيشين الأميركي والإيراني وسط الأزمة الراهنة، وقد جاء ليذكّر بمخاطر التصعيد في منطقة الخليج. ويرى مطلعون أن الرئيس الأميركي حريص على التعامل مع التوتر، خوفا من امتداده إلى صراع مباشر. لكنهم اعتبروا أن هذا الحادث من النوع الذي يمكن أن يدحرج الأمور من الفعل إلى ردة الفعل، بحيث يمكن أن تنفلت الأمور من عقالها.

محدودٌ واستيعابي

 كيف إذن يمكن أن تتطور الأمور؟ اللواء صابر السويدان، اعتبر أن الردّ الأميركي سيكون رهناً بما يقرره الرئيس دونالد ترمب. وقال "شاهدنا لقاء الرئيس ترمب مع هيئة أركان البنتاغون بعد الحادث. لكن من وجهة نظري، أتوقع أن تكون ردة الفعل الأميركية محدودة جداً وليست كاملة، كأن يتم تدمير أحد الأهداف العسكرية الإيرانية كإحدى القطع البحرية أو أحد مواقع إطلاق الصواريخ".  

أما اللواء سالم، فقال إن "الحادث استهدف طائرة استطلاع لها أهداف استطلاعية تكتيكية خاصة باكتشاف أهداف معينة في المنطقة، أو اكتشاف درجة الإنذار الجوي أو الإنذار ضد الصواريخ أو الإنذار البحري، أي اكتشاف كل الأهداف العسكرية التي يمكن العثور عليها. وإذا كانت الرغبة الأميركية أو الهدف الأميركي هو جرّ إيران إلى ضربة أو إدخالها في مواجهة عسكرية حقيقية، فحينها تصبح هناك حاجة إلى حشد دولي كما حصل مع العراق في السابق، أو مع (داعش) في سوريا والعراق"، وأوضح أن "الولايات المتحدة لا تعمل منفردة، بل تريد دائماً إضفاء الصفة الدولية على أعمالها كيلا تتورط وحدها وتتحمل عبء الحرب".

وأضاف أنه "في حال كانت واشنطن تريد حرباً مع إيران، فلا يكفي حادث الطائرة المسيّرة وحده. أما إذا اقتصر الأمر على الاستطلاع فقط، فهذا الأمر سيتم استيعابه كما حدث من قبل عندما قبضت البحرية الإيرانية على بحّارة أميركيين وأعادت تسليمهم، وأيضاً عندما هبطت طائرة استطلاع في الصين وأصرّت بكين على تفكيكها قبل تسليمها. بمعنى أوضح إن كل هذه الحوادث يمكن استيعابها إذا لم تكن هناك أهداف خاصة بقيام حرب".     

الطائرة المستهدفة

طائرة الاستطلاع BAMS-D التي أسقطت هي من طراز "RQ-4A غلوبال هوك"، كلفتها نحو 130 مليون دولار. ويمكنها التحليق على علو مرتفع  (64 ألف قدم)، وتتميز بقدرتها على التحمل، وفي استطاعتها القيام بمهمات مراقبة واستطلاع لمناطق شاسعة بين المحيط والسواحل، بحسب الجيش الأميركي.

ويقول اللواء السويدان إن "هذه الطائرة أثبتت نجاحها ولديها تاريخ كبير في أفغانستان واليمن، وهي من أفضل الطائرات الموجودة في الترسانة الأميركية"، ويضيف أنها "قادرة على التحليق لمدة 40 ساعة، ويمكن تذخيرها بصواريخ هلفاير، وهي مزودة بتقنية بث الصور عبر الأقمار الصناعية إلى أي مكان في العالم، ويمكن أن تكون وسيلة لجمع المعلومات الرادارية أو التجسسية".

كيف إذن لطائرة بهذه المواصفات أن تصبح طريدة وتتعرض للإسقاط؟ يجيب اللواء السويدان "يجب عدم استبعاد احتمال أن يكون الجانب الأميركي قد تعمّد أن تقوم إيران بإسقاط الطائرة، لمعرفة موجات الصواريخ ومنظومات الدفاع الجوي الإيرانية عبر طائرات الحرب الإلكترونية". 

المزيد من دوليات