Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

ما دلالات التصعيد على الحدود السودانية - الإثيوبية؟

كلما اشتد الصراع بين التيغراي والأمهرة تصعد أديس أبابا باتجاه الخرطوم كمحاولة لإدارة أزمتها الداخلية وتوزيع الضغط الواقع عليها خارجياً

تجدد هجمات "الشفتة" على منطقة الفشقة في موسم الأمطار والاستعداد لزراعة المحاصيل (اندبندنت عربية - حسن حامد)

على الرغم من الخلافات بين السودان وإثيوبيا حول أزمات عدة مثل أزمة سد النهضة، وأزمة إقليم تيغراي، فقد يتمحور الأثر الأكبر لهذه الخلافات حول الحدود السودانية - الإثيوبية، والتي تطورت باتهام الحكومة السودانية إثيوبيا بإعدام سبعة جنود سودانيين ومدني واحد في 26 يونيو (حزيران) الحالي بعد أسرهم يوم 22 يونيو. اتخذت الخرطوم خطوة سريعة بإصدارها بياناً حاسماً وصريحاً، واستدعت سفيرها لدى إثيوبيا للتشاور، كما استدعت السفير الإثيوبي في الخرطوم للاحتجاج على الحادثة. وقدمت شكوى إلى مجلس الأمن الدولي. واعترفت إثيوبيا في بيان صحافي بالحادثة التي نسبتها إلى ميليشيات محلية. وقالت "جرت مناوشات بينها وبين وحدة من الجيش السوداني داخل الأراضي الإثيوبية بعد توغلها بدعم من عناصر الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي"، ووعدت بالتحقيق بشأنها.

ولا يمثل هذا التطور متغيراً جديداً في سلسلة الخلافات بين البلدين، فقد شهدت الحدود بينهما هذا التوتر في مرحلته الأخيرة، منذ أن أعلنت الخرطوم في 31 ديسمبر (كانون الأول) 2020 عن سيطرة الجيش على كامل الأراضي المتنازع عليها في منطقة الفشقة الحدودية، التي تمتد على مسافة 168 كيلومتراً مع الحدود الإثيوبية، كما اتهمت أديس أبابا الجيش السوداني بالاستيلاء على تسعة معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية في نوفمبر (تشرين الثاني) 2021، في حين تتهم الخرطوم التي تسيطر وحدات من جيشها على 95 في المئة من منطقة الفشقة، بعض المجموعات الإثيوبية المسلحة بمحاولات الدخول إلى المناطق المتنازع عليها. وتعددت صور التوتر في أوقات سابقة بعبور المزارعين الإثيوبيين الحدود لتنفيذ أنشطتهم الزراعية بدعم من الميليشيات الإثيوبية، إذ قتل عدد من الجنود السودانيين والمزارعين في اشتباكات مع هذه الميليشيات. وهذا يدعم ما أتى على خلفية الحادثة الأخيرة، وفق ما نقلته صحيفة سودانية عن مصادر عسكرية لم تسمها، بأن إثيوبيا هي من بدأت بنشر تعزيزات عسكرية في منطقة الفشقة من عناصر من جيشها مدعومة بميليشيات من ولاية أمهرة، لتوفير الحماية لمزارعيها في الفشقة، وأقامت مستوطنتين للجيش وأخرى للميليشيات في الأجزاء الشرقية من المنطقة الخصبة.

أصل الحدود

ويعود النزاع على الحدود السودانية مع إثيوبيا إلى أكثر من قرن، عندما بدأت بريطانيا منذ احتلالها السودان، بترسيم حدوده مع جيرانه. وظل السودان يطالب بوضع العلامات الحدودية مع إثيوبيا في منطقة الفشقة بناءً على اتفاقية 15 مايو (أيار) 1902، التي وقعت في أديس أبابا بين إثيوبيا وبريطانيا، وتوضح مادتها الأولى الحدود الدولية بين البلدين، ولكن هذه الاتفاقية شابها كثير من الجدل، وجاء في مذكرات فيصل علي طه أنه "بموجب المادة الرابعة من اتفاقية 15 مايو 1902، وافق الإمبراطور منليك على السماح للحكومة البريطانية وحكومة السودان بأن تختارا قطعة أرض على مقربة من منطقة إتانج على نهر باور، تكون لها واجهة نهرية لكي تستخدمها حكومة السودان وتديرها كمحطة تجارية، طالما بقى السودان تحت الحكومة الإنجليزية - المصرية. واشترطت المادة ألا تستخدم الأراضي المؤجرة لغرض سياسي أو عسكري، وبعد قيام المحطة بأشهر تم نقلها إلى منطقة جميلا".

وجاء في المذكرات أيضاً أنه "خلال الفترة الانتقالية في السودان من عام 1954 حتى 1956، وبموجب مذكرات تم تبادلها خلال شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) 1955 بين الحكومتين البريطانية والإثيوبية، اتفق على إنهاء إيجار محطة جميلا وإعادة أراضيها إلى إثيوبيا، إعمالاً بحكم المادة 4 من اتفاقية 1902، وتم التسليم الفعلي لمحطة جميلا في 3 يونيو 1957 بين الحكومتين السودانية والإثيوبية".

تعزيز المخاوف

وبقدر ما عززت المخاوف الأمنية والعسكرية المصلحة المشتركة بين البلدين، فإن العامل السياسي هو الذي أضاف إلى تعقيدات أزمة الحدود السودانية مع إثيوبيا بعداً آخر. ويمكن ملاحظة ذلك بالنظر إلى الفترات الزمنية التي نشطت فيها إثارة قضية الحدود. فمثلاً في عام 1998، حاول السودان وإثيوبيا إحياء المحادثات حول الحدود، وكانت أجواء العلاقات متأثرة بمحاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، في أديس أبابا عام 1995، والتي اتهم فيها "منسوبون إلى النظام السوداني وأعضاء في التنظيم الإسلامي"، الذي اتخذ أسماء عدة خلال حكم الرئيس السابق عمر البشير. وفي عام 2008، اتفقت الحكومتان السودانية والإثيوبية التي ترأس وفدها آبي تسيهاي، المسؤول في "جبهة تحرير شعب تيغراي"، على أن تعترف إثيوبيا بالحدود القانونية المنصوص عليها، مقابل السماح للمزارعين الإثيوبيين بالاستمرار في مناطق الزراعة في منطقة الفشقة المتنازع عليها. وبعد عشر سنوات من ذلك الاتفاق، عند إطاحة "جبهة تحرير تيغراي" من السلطة في إثيوبيا عام 2018، طالب زعماء إثنية الأمهرة بفض الاتفاق بعد وصفه بأنه كان بين الجبهة والحكومة السودانية، وكانت الفرصة المناسبة لانتقام الأمهرة من التيغراي وإدارة صراع آخر محركه الداخلي هو الصراع التاريخي حول النفوذ السياسي.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تصعيد أم هدنة؟

إحدى الدلالات المهمة في تعاظم دور إثنية الأمهرة هو سيطرتها على أجهزة الدولة الإثيوبية، ويرجح ممارستها ضغوطاً على آبي أحمد من أجل استمرارها بالوقوف معه، خصوصاً في ظل نشوء عزلة وانتقادات داخلية بدأت تتشكل حول سياساته. وبما أنها صاحبة المصلحة الأولى في أراضي الفشقة الصالحة للزراعة والتي تبلغ نحو مليوني فدان، وتنتج محاصيل متنوعة مثل السمسم والذرة ودوار الشمس والفول السوداني، فإنها "ستفعل ما بوسعها لخدمة نزعتها المتمثلة في الاستحواذ على المنطقة، وتقييد إمكانية وصول المزارعين السودانيين إليها، بعد تعقبهم بالمضايقات العنيفة، وإثارة المواجهات بين عصابات الشفتة المنتمية إليها والقوات السودانية". وللتوقيت الزماني دلالة أخرى، إذ إن هذه الهجمات تتجدد في مواسم الأمطار والاستعداد لزراعة المحاصيل في هذه المنطقة المشهورة بخصوبتها.

وخرج الخلاف الحدودي بين السودان وإثيوبيا من الظل إلى دائرة الضوء منذ فترة طويلة، ولكن الآن، في ظل الخلافات الأخرى المتشابكة، يشهد البلدان في هذه المرحلة تحديات أمنية وعسكرية سواء أكان ذلك في حالة التصعيد أم الهدنة. ففي حالة التصعيد، يمر البلدان بتغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية فضلاً عن الصراعات المستمرة داخلهما. ففي السودان لم تهدأ الحرب في دارفور، كما أن القوات الإثيوبية تواصل حربها مع "جبهة تحرير تيغراي" ومن المتوقع تمددها إلى مساحات أكبر خارج إقليم تيغراي.

وبذلت محاولات عدة لعكس هذا التصور وتخفيفه ولكن من دون جدوى. وفي هذه المرحلة حتى لو كان السودان وإثيوبيا قادرتين بطريقة ما على تنفيذ تهديداتهما، فقد لا يكون ذلك مؤدياً لإشعال الحرب بينهما. أما الهدنة وهي الأكثر ترجيحاً، فإنها تحتاج إلى حث دولي وإقليمي، ونظراً إلى انشغال المجتمع الدولي والولايات المتحدة خصوصاً بالحرب في أوكرانيا، فإن البلدين قد يرضخان بأقل قدر من التحرك الإقليمي.

توزيع الضغط

كلما اشتد الصراع بين التيغراي والأمهرة، تصعد إثيوبيا باتجاه السودان، كمحاولة لإدارة أزمتها الداخلية وتوزيع الضغط الواقع عليها خارجياً. وبما أنه لا يمكنها الاتجاه إلى أي دولة جوار أخرى، فإنها تستفيد من بذور الخلافات الموجودة حالياً مع السودان، فضلاً عن أن التصعيد مهما ارتفع، فإن مداه لن يصل إلى احتمال الحرب لاعتبارات عدة لا تحكم تحركات إثيوبيا وحدها، وإنما السودان أيضاً وتحد من احتمالات التصعيد القصوى.

ومع تعهد رئيس مجلس السيادة الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان بأن بلاده ليست لديها نية لخوض حرب مع إثيوبيا، ثم تعهده خلال زيارة إلى الفشقة في نوفمبر 2021 بأن بلاده لن تتنازل عن "شبر واحد" من أراضيها، ومع استبعاد رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد في وقت سابق دخول بلاده في حرب شاملة مع السودان، فإن هناك عوامل أخرى غير هذه التطمينات التي تتغير بتغير الظروف. أولاً، أن دخول إثيوبيا في حرب مع السودان، سيكون أكثر تكلفة سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، بالنظر إلى حربها الدائرة مع "جبهة تحرير تيغراي". ثانياً، أن خصومة إثيوبيا مع السودان في هذا الوقت ستدفع بالخرطوم إلى إيواء ودعم زعماء "جبهة تحرير تيغراي". ثالثاً، هناك احتمال استجابة السودان لضغوط بعض الأصوات الداخلية بتقنين الوجود الإثيوبي الكثيف في مدن السودان، ومنها القضارف وبورتسودان وكسلا والدمازين ومدني والخرطوم، إضافة إلى إيقاف تدفق اللاجئين من حرب التيغراي، ومنهم حتى الآن نحو 90 ألف لاجئ إثيوبي في مراكز اللاجئين بمعسكرات حمداييت في شرق السودان. رابعاً، الوضع السياسي والاقتصادي المتردي في السودان يحول دون صرف الانتباه عنه نحو الدخول في حرب مع إثيوبيا، وربما تكتفي قيادة الجيش السوداني بالدعم والتضامن الذي وجدته من المواطنين والأحزاب السياسية منذ إعلان مقتل الجنود، ما أجهض تصور الحكومة الإثيوبية بوجود انقسام حول الجيش ودوره في الحكومة الانتقالية في السودان، ولن تغامر القيادة بإهداره بقفزة في الظلام.

صياغة التوازنات

ويمتلك المجتمع الدولي أدوات لتحقيق أهداف قصيرة وطويلة المدى للدول الأعضاء، أبعد من المساعدة العسكرية المباشرة التي يرغب فيها آبي أحمد، ولم يوفرها له في حالة حربه مع "جبهة تيغراي"، كذلك من المستبعد توفيرها في حالة نشوب حرب مع السودان. ومن هنا، فإن سرعة تقديم السودان شكوى لمجلس الأمن ومنظمات دولية وإقليمية ضد إثيوبيا، لا ينحصر في المساعدة فقط، وإنما لأنها ستوفر له دعماً معنوياً ورداً للاعتبار، واستباقاً لما قد يبدر من إثيوبيا في مقبل الأيام، كما أن السودان يحرص على فك الارتباط الذي حاولت إثيوبيا إلصاقه به باتهامه بدعم "جبهة تحرير تيغراي"، وفي هذه الجزئية لا يأتي الإنكار بشكل حاسم، نظراً إلى التعاطف الدولي مع الجبهة. وإذا كان السودان لا يزال يحرص على المجال المحدود من العلاقة مع إثيوبيا، فإن تهرب الأخيرة من المسؤولية عن حادثة مقتل الجنود بإلقائها بالكامل على ميليشيات تابعة للأمهرة، يجعل من الصعب استعادة الثقة بين البلدين، ما لم يعد آبي أحمد صياغة التوازنات داخل أجهزة الدولة بتقريب موالين جدد لمنافسة الأمهرة وتخفيف ضغوطها عليه، وتنظيف ساحته من تجاوزات ميليشياتها.

المزيد من تحلیل