Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إنهاك أوكرانيا واقع وزيلينسكي يضرب 3 عصافير بـ"هولوغرام" واحد

دراسة تؤكد أن متابعة أخبار الأزمات تفسد المزاج وتتسبب بالقلق والتوتر ومشكلات النوم

الرئيس الأوكراني يخاطب قادة مجموعة "السبع" عبر رابط فيديو خلال جلسة عملهم في قلعة "إلماو" بألمانيا (أ ف ب)

الأخبار الأكثر قراءة في مصر على مدار أربعة أيام تتعلق بجريمة المنصورة، الأخبار الأكثر قراءة في بريطانيا تتراوح بين إصرار رئيس الوزراء بوريس جونسون على الاستمرار على الرغم من الهزائم السياسية المتتالية وآثار إضرابات عمال السكك الحديدية الأوسع نطاقاً منذ 30 عاماً. والمنصات الإعلامية السعودية عامرة بأخبار الاستعدادات لموسم الحج وبدء توافد الحجاج والقواعد الاحترازية لأداء الفريضة الدينية هذا العام. الخبر المهيمن في أغلب وسائط الأخبار في الولايات المتحدة الأميركية يتعلق بحكم المحكمة الأميركية العليا بإلغاء حق الإجهاض الدستوري. والفرنسيون غارقون في متابعة أزمة الرئيس إيمانويل ماكرون وخساراته السياسية وفقدان حزبه الغالبية البرلمانية، والألمان مهتمون بمتابعة أخبار الطاقة وأزماتها التي تلوح في الأفق، والمناخ والبيئة، والتضخم والتباعد التجاري بين بلدهم والصين ومخاوف من أن تتحول ألمانيا إلى "رجل أوروبا المريض"، وهلم جراً.

خفوت الشغل الشاغل

مجريات متابعة حرب روسيا في أوكرانيا التي كانت حتى الأمس القريب الشغل الشاغل و"الترند" الطاغي والخبر العاجل على كل المنصات، تقليدية أو حديثة، مؤسسية أو فردية، تغيرت وتبدلت، صحيح أن عداد الحرب ما زال يعدّ، حيث "ماذا حدث في اليوم الـ 100 ثم الـ 120 وفي الأغلب، اليوم الـ 240 من حرب روسيا في أوكرانيا؟" ما زال يحتفظ بمساحته على الصفحة الرئيسة، لكنه انزلق إلى أسفل قليلاً، وصحيح أن قوائم الأخبار الأكثر قراءة والأكثر تعليقاً والأكثر مشاركة ما زالت تحتوي على أخبار تتعلق بأوكرانيا وروسيا، لكنها لم تعد تضمن الصدارة على مدار الساعة.

سنوات وليست ساعات حتى لو فاق عددها الآلاف (الشهر فيه نحو 730 ساعة) قد تستغرقها حرب روسيا في أوكرانيا، مضى منها نحو ستة أشهر، والمتبقي يبقى في علم الغيب ودوائر الكرملين وأروقة قصر "مارينسكي" وما ستسفر عنه اجتماعات ومفاوضات الغرب والشرق المعلنة والسرية. لكن أعراض الإجهاد الخبري لا تخطئها عين متابعة للمواقع الخبرية ومشاهدة لنشرات الأخبار والبرامج السياسية وراصدة لمحتوى منصات التواصل الاجتماعي.

لم تعد أخبار تقدم القوات الروسية، ومقاومة القوات الأوكرانية، والتصريحات المتراشقة للرئيسين الأوكراني فولوديمير زيلينسكي والروسي فلاديمير بوتين، والتحذيرات والتهديدات من مشارق الأرض ومغاربها، والقصص الإنسانية للنازحين، والاستقبالات العاطفية للهاربين، وعزف البيانو على أنقاض المباني، وعرض المسارح في ساحات الخراب، وتنابزات الدعم بالأسلحة والبحث عن مرتزقة في الصدارة، لم تختف، لكنها توارت، ولم تخفت، بل أخفيت، أخفتها الطبيعة البشرية غير القادرة على البقاء في وضعية الاستنفار أشهراً، والمجريات المحلية الضاغطة والمثيرة وربما اللطيفة والطريفة، وكذلك الأحداث العالمية الأخرى حيث ما زال الكوكب يدور وما زالت الحوادث تقع.

ليست صاعقة

لم تقع نتائج التقرير الصادر قبل أيام عن "معهد رويترز لدراسة الصحافة" على الجميع كالصاعقة، بل وقعت وقوع المنطق المتوقع الأقرب إلى البديهي، أعداد متزايدة من الأفراد يختارون أن يتجنبوا متابعة الأخبار أو التعمق فيها، لا سيما تلك المتعلقة بوباء "كوفيد-19" الذي لم يرحل بعد، وحرب روسيا في أوكرانيا والضغوط الاقتصادية غير الشديدة في شتى أنحاء الأرض، وقال أربعة من كل 10 أفراد (أي نحو 38 في المئة) إنهم غالباً يتجنبون متابعة الأخبار، ونسبة المتجنبين للأخبار كانت 29 في المئة عام 2017، ونصف هؤلاء قالوا إن مشاعر الاشمئزاز والنفور باتت تتمكن منهم تجاه أخبار الجائحة وكذلك الأخبار السياسية البائسة.

نحو 36 في المئة ممن شاركوا في الدراسة، لا سيما ممن تقل أعمارهم عن 35 سنة من 46 دولة، قالوا إن متابعة الأخبار تعكر صفوهم وتفسد مزاجهم، لكن أحاديث المواطنين العاديين لا سيما ممن هم في العقود الرابعة والخامسة والسادسة وما فوق من العمر في العديد من دول العالم تنضح بكم هائل من نصائح الابتعاد عن متابعة الأخبار اليومية. مناقشات الأصدقاء ونصائح المعارف كثيراً ما تتطرق إلى نصائح الامتناع عن متابعة الأخبار ومشاهدة النشرات أو حتى متابعة المحتوى ذي الطابع الخبري على منصات التواصل الاجتماعي، ويخص الناصحون بالذكر أخبار حرب روسيا في أوكرانيا هذه الآونة، وقبلها تطورات وباء "كوفيد-19" المفجعة، وذلك اتقاء لشرور ارتفاع ضغط الدم وتفشي علل القلب وأوجاع المعدة والرأس والعضلات والأسنان وغيرها كثير.

ومن ضمن الأسباب المذكورة في نصائح تجنب الأخبار وتفادي متابعة عداد ما يجري على مدار الساعة في أوكرانيا هو أن القلق الناجم عن أحداث تخرج تماماً عن سيطرة الأشخاص والقدرة على إدارة أو تغيير أو تعديل دفتها يجب أن تبقى خارج دائرة اهتمامهم حقناً للضغوط النفسية والعصبية.

ونحو 17 في المئة ممن قالوا إنهم يتجنبون متابعة الأخبار، أن عدم المتابعة يقيهم شرور الدخول في مناقشات وخيمة العواقب مع الأصدقاء والأقارب، وقال 16 في المئة إن متابعة الأخبار تغذي شعورهم بالعجز.

وعجز العالم، وربما عدم توافر الإرادة، أو توافرها لكن تعارضها مع مصالح هنا وتوازنات هناك، أثرت بشكل واضح في إيقاع وكثافة الأخبار الواردة من أوكرانيا، رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون حذر قبل أيام قليلة عقب عودته من زيارة مفاجئة إلى كييف مما سماه "إعياء أو إجهاد أو فتور أوكرانيا"، وما قصده جونسون هو دخول بريطانيا مرحلة الإجهاد أو الفتور تجاه الاهتمام بما يجري في أوكرانيا، "وهو ما بدأت إماراته في الظهور" على حد قوله.

خط بياني كارثي

واقع الأمر يشير إلى أنه ليس قولاً فقط، الخط البياني الذي يعكس اهتمام مستخدمي الإنترنت للبحث عن أخبار أوكرانيا في "غوغل ترندز" كارثي. فحتى فبراير (شباط) الماضي، كان خط البحث عن أوكرانيا، كغيره من خطوط الدول العادية يكاد يلتصق بالمحور الأفقي، لكن ارتفع الخط ارتفاعاً شاهقاً مفهوماً وظل على حاله، أسابيع، قبل أن يبدأ في الانزلاق إلى أسفل، حتى كاد يعاود التصاقه بالمحور مجدداً كما كان قبل الحرب، "وكأنك يا بوتين ما غزيت".

ما يصفه البعض بـ "مكاسب" بوتين التدريجية لكن المؤكدة، مع استمرار نظيره الأوكراني زيلينسكي في نهج ارتداء "التيشرت" الزيتوني والإطلالات المستمرة على العالم عبر تقنية "زوم" في اجتماعات ولقاءات وحتى مهرجانات، ربما بدأ يفقد بريق الإثارة و"أدرينالين" الكرّ والفرّ والجاذبية التي تحظى بها الكوارث والمصائب في أيامها الأولى. ليس هذا فقط، بل ما إن بدأت الحرب تتحول إلى كلاسيكيات عداد الموتى وتشرد المدنيين وتكدس الهاربين على الحدود والدول الرحيمة التي فتحت حدودها من دون قيود، وقرينتها الجائرة التي أغلقت أبوابها في وجوه النساء والرضع والكلاب النازحة مع أصحابها حتى بدأت أعراض الإنهاك الخبري تظهر بوضوح، وانزلقت أخبار أوكرانيا من العناوين الرئيسة إلى شبه الرئيسة مع إبقاء الباب مفتوحاً أمام احتمالات العودة حال حدوث قفزة رهيبة في العداد أو حدث جلل في النزوح واللجوء أو ما شابه، لكن لا الانزلاق غير مسبوق أو الانصراف بعيداً من أخبار الحرب مفاجئ أو صادم على الرغم من استمرار الحرب وتواصل الخسائر وتمادي الكرّ وتصاعد الفرّ.

انصراف متكرر

بعد أسابيع من التصاق العالم بشاشات التلفزيون وصفحات الصحف الناقلة أخبار المجاعة التي أودت بحياة ما لا يقل عن مليون إثيوبي، وتركت الملايين بلا مأوى أو مورد لإعادة بناء حياتهم في عام 1983، وبعد ملايين الدولارات وغيرها من العملات التي تم جمعها لدعم ومساندة ضحايا المجاعة، انصرفت الملايين بعيداً من المتابعة على الرغم من أن المجاعة استمرت حتى عام 1985، أي عامان كاملان.

انزلاق شبيه وإنهاك خبري متقارب وقع فيه العراق بعدد مرات وقوعه في براثن الحروب والغزو، والوضع نفسه ينطبق على سوريا واليمن ولبنان وليبيا، وقبلها البوسنة والهرسك، وقبلها وبعدها وأثناءها أفغانستان في كل أطوار أحداثها وحوادثها من تحولها لمسرح اقتتال العالم إلى عاصمة لتصدير "المجاهدين" المسلحين إلى "تحرير" من الغزو ثم معاودة التخلي عنها وهلم جراً.

التطبيع مع الصراع

فقدان الاهتمام أو الشغف بأخبار المصائب يسمونه "التطبيع مع الصراع" أو اعتياد أجواء العنف وعدادات القتلى والجرحى، وهو التطبيع الذي ينجم عنه أحياناً التوقف عن المتابعة حفاظاً على الصحة النفسية والعقلية، والبقاء متصلاً بشبكة الإنترنت طيلة ساعات الليل والنهار، في زمن الحرب وإرهاصاتها الاقتصادية المدمرة على العالم، وقبلها زمن الوباء وآثاره الاجتماعية والمادية التي لم يتعاف منها أحد بعد، أمر بالغ الكلفة. الكلفة لا تكمن في ثمن الباقة العنكبوتية أو اشتراك الإنترنت الشهري، بل في فاتورة الصحة العقلية والنفسية الباهظة التي يتكبدها المخلصون لأخبار الكوارث والمصائب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

تحت عنوان "هل مشاهدة الأخبار تضر بصحتك العقلية؟" أشارت الورقة المنشورة على موقع "فيري ويل مايند" العلمي الأميركي أن معرفة ما يحدث في العالم أمر بالغ الأهمية، لكن البث المستمر لأخبار تتعلق بكارثة أو أزمة ومتابعتها بشكل دائم قد يؤدي إلى رفع مستويات التوتر وتحفيز أعراض نفسية تتراوح بين التوتر والقلق وصعوبة النوم.

وعلى الرغم من أن الورقة تركز على الآثار النفسية والعصبية الناجمة عن كثرة التعرض للأخبار المتعلقة بوباء "كوفيد-19"، إلا أن كثرة التعرض لأخبار حرب روسيا في أوكرانيا وآثارها على العالم أجمع شديدة الشبه. وحذرت الدراسة من أن الاستهلاك المفرط للأخبار الخاصة بالكوارث، سواء عن عمد حيث البحث عنها ومتابعتها أو عبر التعرض لها مصادفة، أشبه بتناول السموم ذات الآثار التدريجية، وتشير إلى أن الإنسان حين يواجه تهديداً ما، فإن الدماغ يعمل على الاستجابة إما بالمواجهة أو الفرار وتتبع بقية أجهزة الجسم رد فعل الدماغ فتتصرف مثله، وقد ينتج الجهاز العصبي هرمونات تعرف بـ "هرمونات التوتر" مثل "الكورتيزول" و"الأدرينالين"، وهو ما يتسبب في إجهاد الجسم، فيبدأ في الاستجابة لهذا الإجهاد المتكرر حيث تظهر الأعراض المرضية الجسدية وأكثرها شيوعاً الإجهاد والقلق والاكتئاب وصعوبات النوم، وهذا ما يدعو البعض إلى اتخاذ إجراء دفاعي لصد منابع القلق وإغلاق مصادر الأخبار.

التمهيد لفقدان الشغف

هذه الأيام تتصاعد نبرة العناوين التي تلمح عبر الاستفسارات إلى خفوت الاهتمام بأوكرانيا، "بعد 100 يوم من الحرب في أوكرانيا، الغرب يفقد الاهتمام بأوكرانيا"، "لماذا نفقد الاهتمام بما هو مستمر كحرب مريعة؟" "بوتين يراهن على فقدان الغرب الاهتمام بأوكرانيا بإطالة أمد الحرب"، "لماذا فقدنا الاهتمام بأوكرانيا؟"، "مع تفاقم الخطر المحيق بأوكرانيا، هل نفقد الاهتمام بأوكرانيا؟"، "ماذا لو أصبحت أوكرانيا أزمة مزمنة؟"، وغيرها من تلميحات وتساؤلات وتمهيدات فقدان الشغف بأوكرانيا تتواتر يومياً.

ويبدو أن زيلينسكي نفسه كان بين أول المنتبهين إلى خطر "الإجهاد أو الإنهاك الأوكراني"، فبعد عشرات المرات التي ظهر فيها عبر "زوم" وعشرات اللقاءات بقادة دول أوروبية زاروه فجأة، قرر أن يطل على العالم عبر تقنية الـ "هولوغرام"، وهو ما فسره البعض باعتبارها وسيلة للإبقاء على العالم بعيداً من الإنهاك الخبري لأخبار بلاده.

ضرب زيلينسكي قبل أيام ثلاثة عصافير بـ "هولوغرام" واحد، ظهر الرئيس الأوكراني مرتدياً "التشيرت الزيتوني"، ولكن عبر منصة جديدة وبطريقة فريدة، هذه المرة لم يتحدث إلى تجمع أممي في مقر الأمم المتحدة، ولم يناشد مشاهير الفن في مهرجان "كان" السينمائي الفرنسي، أو المشاركين في مهرجان "غلاستنبري" الموسيقي البريطاني، استمرار دعم بلاده وشعبه، أطل عبر "هولوغرام" مخاطباً قادة التكنولوجيا في العالم المجتمعين في باريس في ملتقى "فيفا تك" قائلاً، "ليس معتاداً أن يلجأ رؤساء الدول والحكومات إلى صور ثلاثية الأبعاد لمخاطبة الناس"، مضيفاً "هذا ليس الجانب الوحيد من فيلم "حرب النجوم" الذي نقوم به على أرض الواقع، بل سنهزم الإمبراطورية أيضاً"، في إشارة إلى روسيا التي اختار لها دور "الأشرار" في فيلم "حرب الكواكب" الواقعي الدائرة رحاه في بلاده.

العصفور الأول الذي ضربه زيلينسكي كان عرض "فرص قيّمة ونادرة" لشركات التكنولوجيا لإعادة بناء أوكرانيا والمساعدة في تحقيق ديمقراطية رقمية كاملة لشعبه، والعصفور الثاني كان درء الملل والاعتياد بعيداً من إطلالاته، أما العصفور الثالث فهو "جرّ رجل الإعلام" مجدداً لتضع أوكرانيا خبراً رئيساً على صفحاتها وأثيرها.

لكن يبقى السؤال مطروحاً حول تاريخ صلاحية الإطلالات المفاجئة والأخبار المتواترة والأزمات المتلاحقة لحرب روسيا في أوكرانيا بعد ما أصبحت أعراض "إنهاك أوكرانيا" في حكم المؤكدة؟!

المزيد من تحلیل