Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

نتائج "الباكالوريا" تفضح الفجوة الاجتماعية في تونس

​​​​​​​تباين شاسع بين محافظات الساحل ونظيراتها في الداخل على مستوى نسب النجاح

محافظة صفاقس تحتل المرتبة الأولى في نسب النجاح في كل المناظرات الوطنية منذ سنوات (اندبندنت عربية)

صيحات فزع أطلقها حقوقيون ونشطاء بالمجتمع المدني في تونس بسبب التباين الشاسع بين محافظات الساحل ونظيراتها في الداخل على مستوى نسب النجاح في مناظرة الباكالوريا.

واستناداً إلى هذه النتائج فإن الجهات التي تحظى بفرص تنمية أكثر تفوقت على الأخرى التي ترتفع فيها نسب الفقر والبطالة، وكذلك نسب الجريمة والانتحار.

تلك الظاهرة التي دامت سنوات طويلة أصبحت مصدر قلق وتساؤل للمهتمين بالشأن الاجتماعي، إذ حمّل بعضهم الدولة التونسية منذ الاستقلال مسؤولية عدم السعي إلى تحجيم من هذه الفجوة، لكن بعضهم الآخر يرى أن الأسباب ذاتية، فثقافة العمل وإيلاء الدارسة مكانة مهمة تختلف من محافظة إلى أخرى.

تبادين كبير

يشار إلى أن محافظة صفاقس، جنوب شرقي تونس، تحتل المرتبة الأولى في نسب النجاح في كل المناظرات الوطنية منذ سنوات، تليها العاصمة تونس ثم المنستير وسوسة والمهدية وقابس، وكلها محافظات ساحلية تنخفض فيها نسب الفقر مقارنة بالمناطق الداخلية.

فيما جاءت المندوبية الجهوية للتربية بالقصرين في آخر الترتيب بـ 23.79، كما شهدت أيضاً محافظات سيدي بوزيد وقفصة والقيروان نسب نجاح ضعيفة وهي مناطق داخلية ترتفع فيها نسب الفقر.

وبحسب التقرير السنوي لمعهد الإحصاء لسنة 2020 يلاحظ ارتفاع نسبة الفقر في المناطق الداخلية بتونس، إذ سجلت نسبة الفقر الأعلى بمعتمدية حاسي الفريد بمحافظة القصرين بنسبة فقر تقدر بـ 53.5 في المئة، وجدليان من القصرين بنسبة فقر 53.1 في المئة والعيون بنسبة 50.1 في المئة.

ويتم تعريف الفقر من خلال بعدين، الأول عدم كفاية الدخل والثاني عدم الوصول إلى البنية التحتية والخدمات الأساس مثل الصحة والماء والكهرباء والتعليم، وتضم المعتمديات المجاورة للعاصمة أقل عدد من السكان الفقراء، وخصوصاً المنزه وحلق الوادي وأريانة المدينة.

خلل تنموي

ميار الفقيه من محافظة صفاقس قالت إن "التعليم يحظى باهتمام كبير من قبل العائلات في مسقط رأسها"، مضيفة "هنا تتباهى العائلات بأطفالها المتفوقين".

وأضافت الفقيه أن "ثقافة العمل والدراسة في صفاقس متجذرة منذ القدم وهذا ما جعل سكانها متفوقين في جميع المجالات"، معتبرة أن "هذا جعلهم يسيطرون على عالم المال والأعمال في تونس، كما يحظى أبناء منطقتها بمناصب مهمة في الدولة أو في المؤسسات الاقتصادية الكبرى".

من ناحية أخرى يرى مراد المحمدي من منطقة القصرين بالوسط الغربي لتونس أن "ارتفاع نسب الفقر بسبب الخلل التنموي في المنطقة أثر سلباً في نتائج الامتحانات على كل المستويات، خصوصاً نتائج المناظرات الوطنية على غرار الباكالوريا".

وحمل المحمدي الدولة التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم المسؤولية، مفسراً بأن "الحكومات المتواترة لم تسع إلى تذليل الفارق التنموي والاجتماعي بين الجهات، ولم تراع فرض التكافؤ في الفرص بين كل المحافظات".

وبحسب تقديره فإن الخلل التنموي في جهته جعل أفق الشغل منعدماً تماماً، وقال إن "الحل الوحيد أمام الشباب هو التجارة الموازية التي لا تتطلب تحصيلاً علمياً ولا شهادات جامعية".

وفي السياق ذاته، أطلقت الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ صيحة فزع بسبب ما اعتبرته ارتفاعاً في الفوارق في نسب النجاح بين الجهات في امتحان الباكالوريا.

وكان وزير التربية التونسي فتحي السلاوتي أكد أن نتائج الدورة الرئيسة لامتحان البكالوريا 2022 اتسمت بتباين كبير بين الجهات، إذ تم تسجيل فارق شاسع بين أعلى نسبة نجاح حققتها ولاية صفاقس بأكثر من 60 في المئة، فيما بلغت بولاية القصرين نحو 23 في المئة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

العدالة الاجتماعية

وحملت الجمعية التونسية للأولياء والتلاميذ في بيان وزارة التربية مسؤولية عدم اتخاذ أي إجراءات فعلية بهدف تحسين أداء المؤسسات التربوية لترسيخ شروط الجودة وتحقيق مبدأ المساواة أمام الحق في التربية والتعليم والعدالة الاجتماعية، معربة عن استيائها من ضعف معدل النجاح في الدورة الرئيسة لامتحان الباكالوريا.

الباحث في علم الاجتماع محمد الجويلي يرى أن التباين في نتائج الباكالوريا على مستوى المحافظات أظهر فوارق تنموية واجتماعية واقتصادية بين محافظات الساحل ومحافظات الداخل.

وأوضح الجويلي في تصريح خاص أن "هذا التباين على مستوى نتائج الثانوية العامة له أسباب ذاتية واجتماعية، فمناطق الدواخل بخاصة الحدودية منها يرى شبابها أن الآفاق موجودة فقط في التجارة الموازية بسبب انعدام التنمية ومواطن الشغل".

وأشار إلى الاختلاف في العقليات بين الجهات، "إذ نجد عائلات تهتم بالتحصيل العلمي وتنفق كثيراً من أجل أولادها، في مقابل عائلات أخرى خصوصاً الفقيرة أو غير المتعلمة التي نجدها أكثر في الجهات الداخلية، وعلى الرغم من المجهود الذي تقوم به فهو غير كاف".

ويحمل الجويلي المندوبيات الجهوية التابعة لوزارة التربية والتعليم مسؤولية تدني نتائج النجاح في بعض المحافظات، داعياً إياهم إلى بذل مجهود إضافي مع الطلاب وربط شراكات مع المجتمع المدني حتى تساعدهم في تحسين النتائج.

لكن تواصل تدني النتائج في بعض المحافظات الداخلية مقارنة بأخرى ساحلية منذ سنوات تظهر أن خللاً كبيراً يتحمل مسؤوليته الجميع، بحسب تقدير الباحث في علم الاجتماع، وذلك بدءاً من الدولة ووصولاً إلى الإطار التربوي والعائلة.

ومن الأسباب الأخرى التي أسهمت في تدني النتائج ببعض الجهات بحسب مهتمين بالشأن الاجتماعي، عدم استقرار الإطارات التعليمية في المناطق الداخلية، فعادة هذه المناطق غير جاذبة والأغلبية تبحث عن الانتقال إلى مناطق ساحلية التي حظها أوفر في التنمية، مما يسهم في نقص الرغبة لدى المدرسين في بذل مجهود إضافي.

ثقافة اتكالية

بدوره، يرى الناشط في صفحات التواصل الاجتماعي بلال غرسلي أن تواصل أزمة التباين في النتائج بين محافظات يحتم على المواطن أصيل المناطق الداخلية أن يبذل مجهوداً أكبر بعشرات المرات ليصل إلى المستوى الاجتماعي والدراسي والحظوظ نفسها في سوق الشغل، مقارنة بالمواطن أصيل جهات الساحل الشرقي والعاصمة".

ويعتقد غرسلي أن سكان الدواخل مسؤولون عن هذه الظاهرة، "فبتواطئ مع السلط يعتمد سكان وشباب محافظة القصرين الحدودية على التجارة الموازية ويحبذون الربح السريع ولا يولون الدراسة المكانة المهمة وهي ثقافة اتكالية تربت عليها أجيال".

المزيد من تقارير