Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"ظواهر سلبية" تشوه حرمة الجامعات في الجزائر

فضاء يوفر للشاب التحرر من رقابة المجتمع وفرصة لممارسة ما يحرمه الفضاء العام

الجامعة الجزائرية تواجه تحدي إبعاد الظواهر السلبية (الصورة تخضع لحقوق الملكية الفكرية - مواقع التواصل الاجتماعي)

ترتفع الأصوات في كل مرة داخل الحرم الجامعي في الجزائر، تدعو إلى ضرورة تحسين المناخ وسط هذا الفضاء من أجل تحصيل علمي قيّم، ولعل القضايا التي باتت تشهدها الجامعات بسبب ظواهر "سلبية" تنتشر بشكل لافت، كفيلة بدق ناقوس خطر يهدد الجامعة.

وجاءت الاعتداءات المتكررة التي عرفتها عدة إقامات جامعية لتفتح ملفات واقع الجامعة ووضع الطلاب، بخاصة أن مختلف الدراسات تشير إلى تفشي ظواهر "سلبية" على الرغم من الصمت الذي تلتزمه الجهات المعنية إزاء بعضها، ويبدو أن الإجراءات المتخذة لم تؤت ثمارها في الأقل إلى حد اللحظة، الأمر الذي يستدعي إعادة النظر في طريقة الردع والعقوبات والبحث عن الحلول الجدية.

وعرفت إقامة جامعية بمحافظة بومرداس، وسط البلاد، اعتداء عنيفاً على أربع طالبات، في حادثة أثارت جدلاً واسعاً حول واقع الجامعة، وقد أدت إلى إنهاء مهام مدير الإقامة، والتوقيف التحفظي لمدير الأمن والوقاية، وستة من أعوان الأمن الذين كانوا مكلفين بتأمين الإقامة والطالبات. كما شهدت قبل ذلك، إقامة جامعية للطلبة في "بن عكنون" بضواحي العاصمة الجزائر، مقتل أحد الطلاب داخل غرفته، كما تعرض طالب آخر للطعن قرب الحرم الجامعي في محافظة عنابة بشرق البلاد، وغيرها من الوقائع. 

أرقام مخيفة حول المخدرات

إلى ذلك، أبرز مختصون في مكافحة المخدرات خلال أعمال ملتقى بجامعة "البويرة"، بالقرب من العاصمة الجزائر، حمل عنوان "ظاهرة المخدرات التشخيص والوقاية والمكافحة"، أن نسبة الإدمان في الجامعات والثانويات تتراوح بين 15 و20 في المئة، وأن ظاهرة المخدرات استفحلت في السنوات الأخيرة بدليل حجز أكثر من خمسة ملايين قرص مع نهاية عام 2021، و1876 كيلوغراماً من مادة الهيروين.

كما كشفت دراسة لمؤسسة ترقية الصحة وتطوير البحث العلمي، شملت عينة من 1110 طالبات يعشن في الإقامات الجامعية الموجودة على مستوى ولاية الجزائر العاصمة، عن أن 13 في المئة من الطالبات يتعاطين المخدرات، و18 في المئة منهن يدخن السجائر، وعشرة في المئة يتناولن المشروبات الكحولية في الحرم الجامعي.

"المسكوت عنه"

وإذا كانت الاعتداءات وتعاطي المخدرات والتدخين ظواهر يتم التطرق إليها عبر مختلف الوسائل، يبقى التحرش الجنسي "مسكوتاً" عنه بسبب رفض الضحايا التبليغ والظهور، خوفاً من التقاليد القبلية والعشائرية التي تبقى محافظة إلى أقصى حد بخاصة في بعض المناطق الداخلية، وهو ما أشارت إليه دراسة أكاديمية سابقة بجامعة محمد الصديق بن يحيى، بمحافظة جيجل، التي أوصت بإعطاء موضوع التحرش الجنسي أهمية بالغة، وكسر كل المحاذير التي قد تعترض الباحث في تحليل مثل هذه الموضوعات التي بدأت تستفحل، وبشكل سريع، بسبب التكتم والتستر المحاط حولها لطبيعتها وخصوصيتها.

بالمقابل، توصلت دراسة من جامعة أم البواقي إلى أن التحرش الجنسي في الوسط الجامعي غالبيته لفظي ورمزي، بين مختلف الفئات الجامعية، وتعددت أسبابه بين ما تعلق بالخصائص النفسية والجنسية للفرد، وسوء التنشئة الاجتماعية، وعوامل تتعلق بالوسط في حد ذاته.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

جدل جامعي

ويكشف الاتحاد العام الطلابي الحر عن أن ظواهر الاعتداء والتحرش الجنسي موجودة حقاً في الجامعات الجزائرية، إلا أنها لا تزال من "التابوهات" حفاظاً على سمعة الطالبات، ويحمَّل القائمون على بعض الجامعات والإقامات، مسؤولية تكرر وقائع التحرش الجنسي، بسبب تقصيرهم في تطبيق القانون بصرامة، وغض بصرهم عن ظاهرة تسلل الغرباء للجامعات، والأحياء الجامعية.

من جهتها، ترد لجنة الخدمات الجامعية أن كل الإقامات الجامعية في الجزائر تملك نظاماً أمنياً صارماً لمنع وقوع الأحداث التي تسجل بين سنة وأخرى داخل الحرم الجامعي، موضحة أن الأمن في الأحياء الجامعية يعتمد على نظام الرقابة الكلاسيكية من خلال توفير أعوان الأمن، والتعاقد مع الشركات الخاصة للأمن التي تشرف على تأمين محيط تلك المؤسسات، بالإضافة إلى نظام المراقبة الإلكترونية، عبر توفير كاميرات مراقبة على مداخل ومخارج إقامات الطلبة، وعبر محيطها، وأبرزت أن أكثر من 80 في المئة من الأحياء الجامعية باتت تعتمد على البطاقات الإلكترونية في الدخول والخروج، وهي بطاقات شخصية تعتمد على البصمة وصورة حاملها، مشيرة إلى أن حوادث الاعتداء والتحرش التي يتم تسجيلها، معزولة، ويجب محاربتها بتطبيق القوانين وتشديد التغطية الأمنية.

الفساد الإداري

في السياق، تقول مديرة مؤسسة للتدريب والإعلام، فاطمة نازف، في تصريح لـ"اندبندنت عربية"، إن كل قطاع يعاني رواسب أعوام كثيرة من الفساد، وبخاصة الإداري أي "البيروقراطية"، التي لربما الكثير لا يفهم أضرارها على المدى البعيد، حين تسمح الإدارة الجامعية مثلاً بحفلات غنائية ينظمها الطالب بينما تعرقل المؤتمرات والنوادي العلمية بدلاً من تشجيعها، وحين يتم إنجاح غالبية الطلبة بسبب التضخم وغياب المقاعد للقادمين الجدد، وحين تجد مذكرات تخرّج الطلبة مرمية في النفايات أو في مكتب مهجور ولا تستخدم لتطوير العلوم، فقد تم إنجاح الطالب ليفوز شخص آخر بمقعد جديد، في شكل منهج الكمّ يغلب المحتوى. وختمت أن إعادة الأمور إلى نصابها تمر عبر إعادة تشكيل الإدارات الحالية على الكفاءة  وليس مصطلح الخبرة وحدها.

فتح نقاش واعتماد منظومة أخلاقية

وإذ حمّلت نازف الإدارة مسؤولية الظواهر السلبية التي تعانيها الجامعات، فإن الإعلامي حكيم مسعودي، يعتبر أن "الجامعة فضلاً عن كونها فضاء لاستكمال المسار التعليمي وليس بالضرورة العلمي، فهي فضاء يوفر للشاب التحرر من رقابة المجتمع وفرصة لممارسة ما يحرّمه الفضاء العام، من التدخين إلى اللباس الفاضح والتجميل المبالغ فيه، كما أن هناك أيضاً المدخل إلى الاتصال بالجنس الآخر وإقامة علاقات حميمية إما جادة قد تنتهي أحياناً بالزواج، وإما تلبية للنزوات الجنسية، وعليه فإن البعض يرى بأنها سلوكيات عادية بناء على المفاهيم التي يتبناها الشاب، بينما يرى طرف ثانٍ أنه ليس المكان المناسب للتعدي على التقاليد والأعراف".

أما بالنسبة إلى التحرش الجنسي، فيرى مسعودي، أن "الظاهرة ليست مقتصرة على الشباب ولكن أيضاً تخص الأساتذة الذين يتحرشون بالطالبات مستخدمين الابتزاز بالعلامات، والسبب يعود إلى غياب آليات ضامنة لحمايتهن، وطبعاً إلى تلاشي الأخلاق"، معتقداً أنه بات من الضروري ضبط قانون داخلي موحد للجامعات يحدد السلوكيات الممنوعة، وتفعيل آليات الرقابة والوقاية بخاصة في تقييم الطلبة للقضاء على ظاهرة التحرش بالفضاء الجامعي مع ضرورة تشديد العقوبات الرادعة. وختم أنه يجب فتح نقاش حقيقي واعتماد منظومة أخلاقية متفق عليها تطبق بصرامة.

المزيد من تقارير