Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

القضايا المعقدة تلاحق قادة العالم فلماذا خفت "الرأي العام"؟

الأعراف الديمقراطية تتدهور والحريات المدنية تتراجع والتشاؤم يسود بينما يتمتع الشعبيون بنجاح مذهل في صناديق الاقتراع

علماء السياسة والاجتماع مشغولون بأسباب خفوت الرأي العام العالمي وتراجع المظاهرات رغم وجود تعقيدات كثيرة حول العالم  (أ ف ب)

السؤال حول حالة الرأي العام العالمي ينطلق من شعور لدى الباحثين الاجتماعيين والسياسيين على السواء، باختفاء مشاهد الجماهير التي تظهر على شاشات التلفزيون في تظاهرات سلمية أو عنيفة وبمختلف وسائل الاعتراض على أمر سياسي أو بيئي أو اقتصادي أو اجتماعي أو يتعلق بحقوق المرأة والطفل والحيوانات، أو أية أزمة حول العالم، ولو كانت تتعلق بكرة القدم أو بحقوق المثليين وغيرها من المواضيع.

المشكلات التي تهم الرأي العام العالمي

يمكننا الاتفاق على توصيف الرأي العام بأنه مجموعة من الأفراد المستقلين أو المنظمين في جمعيات ومنظمات ونقابات وأحزاب تمارس دورها في الاعتراض من أجل تحقيق مكاسب للفئات الاجتماعية التي تمثلها، سواء على المستوى العالمي أو على المستوى المحلي، إذ يمكن لرأي عام في دولة معينة أن يتظاهر ضد حكومته في ما يتعلق بدورها في الاحتباس الحراري، ويمكنه أن يتظاهر أيضاً اعتراضاً على الاحتباس الحراري العالمي والذي تسببه سائر الدول مجتمعة.

التساؤل المطروح اليوم في العقد الثاني من القرن الـ 20 مرتبط بخفوت مطالب الرأي العام العالمي هذا على الرغم من أن القضايا الكبرى التي تلاحق قادة العالم حالياً كثيرة وجلها معقد الحل، بدءاً من الحرب الروسية التي بدأت تظهر أولى نتائجها الواضحة، أي نقص الغذاء حول العالم وارتفاع أسعار النفط والطاقة على أنواعها، وتحديداً في أوروبا الغنية التي كان الرأي العام فيها منشغلاً خلال العقود اللاحقة على الحرب الثانية بقضايا تجعله يبدو مسالما مطمئناً بأن سلاماً مديداً وطويلاً قادماً.

وتعقدت مشكلات العالم مع نتائج فيروس كورونا على الاقتصادات والعلاقات الاجتماعية وطبيعة العمل والتعليم، وصولاً إلى التضخم العالمي الذي يؤدي إلى ارتفاع في الأسعار غير مشهود منذ ما بعد الحرب الثانية مباشرة، ناهيك بالتوترات في شتى أنحاء العالم، بدءاً من الانفجار الشعبي الهائل المعترض على التدهور المعيشي في أميركا اللاتينية لكن على شكل اعتراضات منفصلة في كل دولة على حدة لم تجتمع وفق مصالح مشتركة، ثم التوترات في منطقة الشرق الأوسط التي لا تنتهي والمرتبطة بالملف النووي الإيراني والحصار والعقوبات على إيران وعلى شعبها والحرب السورية المستمرة من دون حل سياسي والعرقلة المقصودة للمسار السياسي الديمقراطي في العراق.

ومن بين المشكلات المعقدة تقدم اليمين المتطرف في عدد من الدول الأوروبية خلال الانتخابات المحلية، والتفتت السياسي في الولايات المتحدة والخلاف حول الدور الأميركي في العالم، بين من يرى ضرورة الانكفاء على الداخل ومن يطالب باستمرار دورها كشرطي يدير العالم.

ثم يأتي التخوف من اندلاع حرب نووية على حين غرة، وقد كان الكلام في هذا الموضوع ضرباً من الوهم في البداية، بينما بات النقاش فيه مطروحاً الآن لدى كل المحللين السياسيين.

ومن بين المشكلات التي يمكن للرأي العام العالمي تناولها تأتي الثورة الفائقة في عالم الاتصالات ذي الجوانب السلبية كما الإيجابية، ومن ثم مشكلة الفيروسات التي تهدد البشر بموت جماعي بين فينة وأخرى، وتأتي الأصوليات على أنواعها وعصابات الاتجار بالمخدرات والبشر من ضمن لائحة الأزمات أيضاً.

التعريف الرسمي للرأي العام العالمي

موسوعة "بريطانيكا" الإنجليزية تعرف الرأي العام بأنه اجتماع لعدد من الأشخاص الذين يتفقون حول قضية معينة، وتلعب الآراء والمواقف والقيم دوراً حاسماً في تنمية الرأي العام وتشكيله، ويرى المحلل السياسي الأميركي المولد روبرت ووستر، مؤسس شركة MORI للاستطلاعات ومقرها لندن Market & Opinion أن الرأي العام يرتبط بوجود "القيم" وهي "الموجات العميقة للمزاج العام، بطيئة التغيير، لكنها قوية الارتدادات".

أما "الآراء" فهي على النقيض من ذلك لأنها "تموجات على سطح وعي الجمهور، ضحلة ويمكن تغييرها بسهولة"، أما "المواقف" فهي "التيارات الموجودة تحت السطح وتمثل نطاقاً متوسطاً بين القيم والآراء".

وبغض النظر عن مدى قوتها فإن المواقف عرضة للتغيير إذا تعلم الأفراد الذين يحتفظون بها حقائق أو وجهات نظر جديدة تتحدى تفكيرهم السابق، ويحدث هذا بشكل خاص عندما يعرف الناس موقفاً مخالفاً يتخذه شخص عام يعتبر جماعة كبيرة من الناس آراءه محل ثقة، وهذا المسار من التأثير المعروف باسم "قيادة الرأي" كثيراً ما يستخدمه مسؤولو الدعاية كوسيلة لحث الناس على إعادة النظر أو تغيير وجهة نظرهم الخاصة.

أما تشكيل المواقف فيكون بمجرد التعرف على قضية ما، إذ يبدأ بعض الناس في تكوين مواقف حولها، وإذا تم التعبير عن هذا الموقف وإيصاله إلى الآخرين من قبل أعداد كافية من الناس، فسيبدأ الرأي العام حول هذا الموضوع في الظهور، والنوع الأكثر انتشاراً من المواقف هو الناتج من تأثير البيئة الاجتماعية مثل الأسرة أو الأصدقاء أو الحي أو مكان العمل أو المجتمع الديني أو المدرسة، وعادة ما يعدل الناس مواقفهم لتتوافق مع تلك السائدة في الفئات الاجتماعية التي ينتمون إليها، ويمكن لوسائل الإعلام الجماهيرية ووسائل التواصل الاجتماعي أن تؤكد المواقف الكامنة وتنشطها، مما يدفع الناس إلى اتخاذ إجراءات عملية أو مواقف واضحة لطرف معين في قضية ما.

وفي الدول أو الأنظمة السياسية التي تكون فيها وسائل الإعلام ضعيفة الانتشار أو حيث يكون الوصول إلى وسائل التواصل الاجتماعي محدوداً، كما في البلدان النامية أو في البلدان التي تخضع فيها وسائل الإعلام المطبوعة والإلكترونية لرقابة صارمة، يمكن أن تؤدي الكلمات الشفوية في بعض الأحيان وظائف الصحافة والإذاعة نفسها، ويتم نقل قدر كبير من المعلومات من طريق الإشاعات.

ولكن بسبب التأثيرات المعقدة لتشكيل الرأي العام ومنها التركيب النفسي والظروف الشخصية والتأثيرات الخارجية، فمن الصعب التنبؤ بكيفية تشكل الرأي العام حول قضية ما.

عصر القلق الديمقراطي

مركز "بيو" للأبحاث أصدر بحثاً بعنوان "الرأي العام العالمي في عصر القلق الديمقراطي" بقلم ريتشارد ويك وجانيل فيتيرولف نشر في ديسمبر (كانون الأول) 2021، وجاء في مقدمته "في جميع أنحاء العالم تدهورت الأعراف الديمقراطية والحريات المدنية بينما يتمتع الشعبويون بنجاح مذهل في صناديق الاقتراع، وانكشفت نقاط الضعف التي طال تأثيرها في أنسجة الأنظمة الاجتماعية الديمقراطية".

وفي أسئلة استطلاعية تقيس كيفية تفكير المواطنين في الديمقراطية وبدائلها، كشفت عن أربع رؤى رئيسة وأظهرت أنه بالنسبة لكثيرين لا تحقق الديمقراطية النتائج المرجوة منها مثل الاستقرار السياسي، وما يقرب من الثلثين أو أكثر يعبرون عن هذا الرأي في إيطاليا وإسبانيا والولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليونان وفرنسا وبلجيكا واليابان، ويرتبط هذا السخط وخيبة الأمل من الوضع السياسي الراهن بالأداء الاقتصادي والكفاءة الحكومية والإنصاف العام للنظام السياسي والاقتصادي.

وأظهر بحث مركز "بيو" أنه بمرور الوقت وعندما يعتقد الناس أن أداء حكوماتهم ضعيف في هذه الأبعاد، فإن الثقة في الديمقراطية غالباً ما تتراجع.

ويأتي في نتائج هذا الاستطلاع العالمي أنه على مدى العقد ونصف العقد الماضيين عانى الناس في جميع أنحاء العالم أزمة مالية عالمية، وأخيراً تراجعاً عالمياً بسبب الوباء، ولقد أصبح كثيرون متشائمين في شأن المستقبل الاقتصادي على المدى الطويل.

وأوضحت البيانات كيف أن التشاؤم الاقتصادي يغذي عدم الرضا من الطريقة التي تعمل بها الديمقراطية ويضعف الالتزام بقيمها، فعلى سبيل المثال ولتأكيد وجهة النظر حول الديمقراطية، أجرى مركز "بيو" استفتاء لشعوب الأنظمة الاشتراكية السابقة بعد أن تحولت إلى الديمقراطية لقياس مدى رضاهم عن هذا التحول، وقال معظم البلغار والأوكرانيين إن الوضع الاقتصادي لمعظم الناس كان في الواقع أفضل في ظل الشيوعية، وفي البلدان التي لديها تقويمات أكثر إيجابية بكثير للانتقال إلى الديمقراطية والرأسمالية، هناك مخاوف في شأن بعض الآثار المترتبة على هذا التحول، مما يقرب من أربعة من كل 10 أو أكثر في جميع أنحاء هذه الدول يقولون إن التغييرات منذ سقوط الشيوعية كان لها تأثير سلبي في الرعاية الصحية والقانون والنظام والقيم الأسرية، ويعتقد كثيرون أيضاً أن السياسيين ورجال الأعمال استفادوا أكثر من الناس العاديين عندما انتقلت بلدانهم إلى نظام متعدد الأحزاب واقتصاد السوق.

أغلبية ليبرالية صامتة في الصين

حول الرأي العام في الصين، كتب إيلاريا مازوكو وسكوت كينيدي في فبراير (شباط) 2022 بحثاً حمل عنوان "Big Data China"، وهو تعاون بين كرسي "CSIS Trustee" في الأعمال والاقتصاد الصيني ومركز "ستانفورد للاقتصاد" والمؤسسات الصينية (SCCEI) ويهدف إلى سد الفجوة بين البحوث الأكاديمية الكمية المتطورة ومجتمع سياسة واشنطن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وجاء في البحث الاستطلاعي أن سكان المدن الصينيين أكثر ليبرالية مما كان متوقعاً وأكثر ليبرالية من المواقف الرسمية لحكومتهم على الرغم من أن صانعي السياسة الأميركيين يعتقدون أن الرئيس الصيني شي جينبينغ والحزب الشيوعي الصيني لا يواجهان أي تحديات من الرأي العام المحلي باستثناء بعض الجماعات القومية المفرطة، لكن يمكن للرأي العام الصيني أن يختلف عن الخط الحزبي وهو أكثر تنوعاً وليبرالية مما قد يتوقعه المرء، فهناك كثير من القوميين، ولكن هناك أيضاً أغلبية صامتة تؤيد الإصلاح الاقتصادي والليبرالية السياسية.

ووجدت العديد من الدراسات المستندة إلى استطلاعات الرأي العام ومجموعات التركيز والمقابلات في الصين أن دعم النظام والرضا مرتفع نسبياً، بخاصة بين الطبقة المتوسطة ورجال الأعمال، وبالنسبة إلى المحللين فإن هذا التوافق في وجهات النظر بين الجمهور والدولة الحزبية أسهم في استقرار النظام وساعد الذين استفادوا اقتصادياً من سياسات الحكومة وكانوا أقرب إلى مركز السلطة في دعم النظام ومعارضة الليبرالية السياسية.

المزيد من تحلیل