Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

إثيوبيا تطلب التعاطف الدولي من باب التفاوض حول تيغراي وسد النهضة

رئيس الوزراء يعلن تشكيل لجنة للتباحث مع الجبهة الشعبية لتحرير الإقليم

رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد يلقي خطاباً أمام البرلمان (أ ف ب)

 

 بدأت إثيوبيا خطوات متزامنة في ما يخص قضيتي السلام وسد النهضة... ففي الوقت الذي تشهد فيه محادثات سد النهضة جموداً امتد لأكثر من عام، كشفت الحكومة الإثيوبية عن رغبتها في استئناف عملية التفاوض مع دولتي المصب. وعلى مستوى آخر، كان رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أعلن وفي تطور جديد وللمرة الأولى، عن تشكيل لجنة للتفاوض مع "جبهة تحرير تيغراي" للوصول إلى سلام... فإلى أي مدى ترتبط القضيتان؟

نفي وإثبات

جاء إعلان تشكيل لجنة الحوار مع "جبهة تحرير تيغراي" في الخطاب الذي ألقاه رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد أخيراً، أمام البرلمان في 14 يونيو (حزيران) خلال الجلسة الـ13 من أعمال السنة الأولى للدورة السادسة.

وكان أحمد قد نفى في مقدمة إدلائه إشاعات تروج لبدء المفاوضات مع "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي" تناقلتها بعض وسائل الإعلام، مؤكداً أنه لم يتم إجراء أي مفاوضات حتى الآن بين الحكومة والجبهة، قائلاً "الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي ليست فقط عدوة إقليم أمهرة، ولكنها أيضاً عدوة إثيوبيا".

وأضاف، "هذا لا يعني أنه لن تكون هناك مفاوضات، فقد تم تشكيل لجنة للتفاوض مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، وعندما تنتهي اللجنة من عملها، سيتم الإعلان عنها". ووصف الإشاعات التي يتم تناقلها على وسائل التواصل الاجتماعي وحتى في بعض وسائل الإعلام بأن الحكومة الإثيوبية بدأت سراً التفاوض مع الجبهة بـ"الأسطورة".

مفاوضات سد النهضة

وفيما يتعلق بسد النهضة، كشفت إثيوبيا عن رغبتها في استئناف المفاوضات الثلاثية مع مصر والسودان في شأن قضية السد، وفق رعاية الاتحاد الأفريقي.

وقال سيليشي بيكيلي السفير الإثيوبي لدى الولايات المتحدة الأميركية، والذي شغل في السابق منصب وزير الري، إن بلاده "مهتمة باستئناف المحادثات مع مصر والسودان في شأن سد النهضة."

حديث بيكلي جاء خلال اجتماع ضمه هذا الشهر والمبعوث الأميركي الخاص الجديد إلى القرن الأفريقي، مايك هامر. وأردفت وزارة الخارجية الإثيوبية، في بيان لها، الأسبوع الماضي، أن مباحثات مسؤولها مع الجانب الأميركي ركزت على "اهتمام أديس أبابا باستئناف المفاوضات الثلاثية التي يقودها الاتحاد الأفريقي".

وكان المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية، دينا المفتي، قال في تصريحات صحافية الجمعة، إن "الملء الثالث للسد سيتم في موعده هذا العام"، مضيفاً "قلنا منذ بدء بناء السد، إن المحادثات الثلاثية ستستمر".

وفيما لم تطرأ ردود فعل فورية من دولتي المصب اللتين تطالبان باتفاق قانوني يحفظ حقوقهما، وتتهمان إثيوبيا بعدم الجدية في الوصول إلى حل في شأن النهضة، تبدو إثيوبيا مهتمة باستئناف المفاوضات التي بات توقفها إشكالية جديدة. وكان مجلس الأمن الدولي قد دعا في سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، كلاً من مصر وإثيوبيا والسودان إلى "استئناف المفاوضات" برعاية الاتحاد الأفريقي للتوصل إلى اتفاق يكون مقبولاً وملزماً حول ملء وتشغيل السد، ضمن جدول زمني معقول يؤمن سلام المنطقة.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ويربط المراقبون بين قضية سلام تيغراي وقضيه سد النهضة لما تمثلانه من أولوية نحو سلام الساحة السياسية الإثيوبية محلياً وإقليمياً.

وقد ظلت قضية سد النهضة ذات بعد قومي إضافة إلى كونها لعبت في الآونة الأخيرة كعامل سياسي يستغل الحديث عنه عند الحاجة لاستحضار دعم شعبي للحكومة ولوحدة الصف. وتصدرت أزمة تيغراي مشكلات الحكومة التي يصعب حلها، صاحبتها ضغوط دولية تتعلق بالأزمات الإنسانية الخطيرة. وكانت الحكومة الإثيوبية قد رفضت أخيراً، قراراً أممياً يقضي بتشكيل لجنة من ثلاثة أعضاء من الخبراء للتحقيق في الانتهاكات الإنسانية في إقليم تيغراي، معتبرة أن القرار لا يأخذ في الاعتبار مخاوف إثيوبيا.

تحديات السلام

وكانت الحكومة الإثيوبية قد تبنت على المستوى السياسي الداخلي في مارس (آذار) الماضي، حواراً وطنياً شاملاً لتحقيق السلام والوصول إلى حل سياسي مع جهات معارضة ومحاربة للحكومة، في مقدمتها "جبهة تحرير تيغراي"، التي استطاعت العام الماضي بسط نفوذها على العديد من المدن، لتشكل تهديداً حقيقياً للعاصمة أديس أبابا قبل تراجعها إلى حدود إقليم تيغراي واستجابتها لنداء السلام.

وتواجه دعوة السلام التي أطلقها رئيس الوزراء الإثيوبي تحديات عدة، في مقدمتها خلافات الجانبين في شروط ما قبل التفاوض، تضاف إليها تداعيات الحرب السابقة التي تركت آثاراً ونتوءات إنسانية مختلفة. إلى جانب ما تشترطه "جبهة تحرير تيغراي" من واقع يعترف بها، وما للحكومة كذلك من ثوابت، لكنها ترى أن الجبهة تمثل جزءاً من الأطراف المعارضة التي تشملها دعوة السلام. وكان رئيس الوزراء آبي أحمد أوضح، "أن الوضع الأمني لا يقتصر على الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي".

وإلى جانب التمهيدات الشكلية لبدء الحوار والتفاوض، هناك كثير من الصعوبات التي يرى المراقبون أن تجاوزها ربما يتطلب وقتاً.

وكان أحمد أعلن أن نائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية دمقي مكونن سيرأس اللجنة الخاصة بالحوار، والتي ستستغرق وقتاً ما بين 10 و15 يوماً لصياغة تفاصيل الأمور التي سيجري التفاوض بشأنها. وأكد أن حكومته ستعزز مساعيها لبناء سلام دائم في إثيوبيا، كما تعهد أن "يتم الكشف عن مثل هذه التطورات في عملية السلام للرأي العام لأن المفاوضات لا تتم من دون علم الشعب".

وكانت إثيوبيا وأثناء لقاء نائب رئيس الوزراء دمقي مكنن بالمبعوث الأميركي للقرن الأفريقي مايك هامر في يونيو الحالي، أكدت السير بمبادرات السلام التي أطلقها الاتحاد الأفريقي بقيادة الرئيس النيجيري السابق أولوسيغون أوباسانجو، والتزام الحكومة العمل عن كثب مع الممثل السامي للقرن الأفريقي لإنهاء الصراع سلمياً، بينما أوضح المبعوث الأميركي "أن زيارته إلى إثيوبيا جاءت لإثبات حرص الولايات المتحدة على العمل مع الحكومة الإثيوبية وتقديم الدعم لمبادرات السلام".

هدفان قوميان  

وتعمد الحكومة الإثيوبية لاستغلال مناخ السلام الحالي الذي تتبناه في دعوتها لطرفي المصب مصر والسودان لاستئناف المفاوضات في شأن قضية السد، وإبرام اتفاق "تربح فيه كل من الدول الثلاث"، بحسب الوصف الذي درجت عليه الدبلوماسية الإثيوبية.

 وكانت مصر والسودان قد رفضتا الخطوات الأحادية التي ظلت تتخذها أديس أبابا في عمليات ملء بحيرة السد من دون اتفاق مجمع عليه، إلى جانب اتهامها بموقف متعنت تجاه إبرام اتفاق قانوني ملزم يحفظ حقوق الدول الثلاث في الاستخدام المنصف لمياه النيل، ويؤمن مخاوف دولتي المصب تجاه أي مخاطر طارئة بفعل السد. وفي ظل تعثر الوصول لأي بوادر إيجابية من المحادثات مع إثيوبيا، والتي عقدت آخر جولاتها بكنشاسا في جمهورية الكونغو الديمقراطية، إلى جانب خطواتها الانفرادية المتلاحقة في عملية الملء، توقفت محادثات الأطراف الثلاثة واتخذت دولتا المصب مصر والسودان موقفاً متحفظاً تجاه أي جولات تفاوضية جديدة منذ أبريل (نيسان) 2021.

وكانت إثيوبيا وعلى الرغم من هذه الظروف غير المواتية، أعلنت في 20 فبراير (شباط) الماضي إطلاق المرحلة الأولى من إنتاج الطاقة الكهربائية من سد النهضة، في تصرف وصفته كل من مصر والسودان بالفردية، والإمعان في خرق اتفاق المبادئ بين البلدان الثلاثة الذي أبرم عام 2015.

خطوات أكثر إيجابية

هذا ويشير المراقبون إلى أن دعوة إثيوبيا لاستئناف مفاوضات سد النهضة تزامنت مع أجواء السلام الحالية، ربما لكسب مزيد من تعاطف دولي، واستغلال رضى دولي نسبي بعد تبنيها الهدنة الإنسانية غير المشروطة في مارس الماضي، وإفساحها المجال أمام وصول المساعدة الإنسانية إلى المتضررين في إقليم تيغراي شمال البلاد، فضلاً عن حشد وتحقيق وحدة صف وطني تحتاج إليه كلتا القضيتين (السلام الوطني) و(قضية سد النهضة) كهدفين قوميين.

معتصم عبد القادر الحسن مدير المركزي الأفريقي للاستشارات، أوضح، "أن ما تمر به إثيوبيا حالياً من ظروف أمنية يجعلها أمام تحد قومي لا بد أن تعمل لاجتيازه بشتى الطرق، ويأتي عنصر السلام المحلي في المقدمة، وهو الذي تبنى عليه أهداف قومية أخرى سواء تجاه قضية سد النهضة أو مواجهة أي تحديات إقليمية أخرى". وأضاف، "أعتقد أن المرحلة القادمة من مفاوضات السد ستشهد خطوات أكثر إيجابية من الطرف الإثيوبي المتعنت لأسباب عدة، منها ألا يظل (سد النهضة) يشكل ثغرة تستغلها الأطراف الإقليمية في دعم المعارضة الداخلية، خصوصاً أن هناك جهات إثيوبية معترضة أصلاً على بناء السد إلى جانب خلافاتها السياسية الأخرى مع الحكومة".

ويتابع، "هناك ضغوط دولية يتوقع تخفيفها للبت في هذا الملف، لما يشكله من خطر على واقع القرن الأفريقي وسط التطورات الحالية بعد الحرب الروسية- الأوكرانية وما يشهده العالم من تغييرات".

ويضيف عبد القادر، "أما في ما يتعلق بالسلام المحلي وهو في مقدمة هموم حكومة آبي أحمد نظراً إلى ما تعانيه إثيوبيا من إشكالات إنسانية وضغوط دولية، فالوصول إلى صيغة مرضية يتطلب تنازلات شتى، سواء من طرف الجهات الحاكمة أو غيرها". وتابع، "من المعروف أن تشكيلة النظام الحاكم تحسب على قوميتين هما الأورومو والأمهرة في احتكارهما للسلطة، ولأن الساحة الإثيوبية تشهد تقسيمات متعددة، يتطلب السلام الحقيقي إنصافاً لبقية القوميات، لا سيما قومية تيغراي التي تشكل المرتبة الثالثة قومياً".

 ويؤكد الحسن "أن تحقيق السلام يتطلب في الأساس توافقاً بين القوميات الكبيرة سواء عبر أحزابها أو حركاتها المسلحة. ولا بد من الوصول إلى تركيبة شاملة تكون موقع رضى لجميع الأطراف". ورأى أنه "إلى جانب توافق الساحة الداخلية، يأتي العامل الخارجي سواء تمثل في الأمم المتحدة أو الولايات المتحدة الأميركية، إلى جانب قوى دولية أخرى مؤثرة كالصين التي لها مصالح عدة في المنطقة، كضامن لأي اتفاق تصل إليه تلك الجهات".

اقرأ المزيد

المزيد من تقارير