Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

  مركز بومبيدو يكشف فنون القرن 20 في معرض استعادي

مغامرة الحداثة الشاملة في كافة تجلياتها الأوروبية وآثارها في العالم

(الخدمة الإعلامية) مشهد من معرض مركز بومبيدو

 يبلغ عدد الوثائق الثمينة التي جمعها الفرنسي بول ديستريبا (1926 ــ 2017) بشغف وحماسة على مدى خمسين عاماً 12000 وثيقة. وثائق تتراوح بين بيانات وملصقات وعرائض ومنشورات أخرى مختلفة، ولا تلخّص فقط تاريخ الحركات الطلائعية الأكثر راديكالية التي شهدها القرن الماضي، بل تسمح أيضاً وخصوصاً بفهم الدور الأساسي الذي لعبته الفنون المطبوعة في تطوّر كلّ منها.

من هنا أهمية المعرض الضخم الذي ينظّمه حالياً "مركز بومبيدو" تحت عنوان "أوراق صغيرة من القرن العشرين". فمن خلال مختارات واسعة من هذه الوثائق التي باتت في عهدته، وأعمال فنية مختلفة من مجموعته الخاصة، يقترح القائمون عليه قراءة جديدة لهذا التاريخ المجيد تتوقف عند جميع محطاته وتبيّن كيف استخدمت كل واحدة من الحركات الطلائعية الوسائط المطبوعة، بحسّ ابتكاري لا سابق له، إما لتحديد أفكارها ومواقفها الفنية والسياسية، أو لإعلان برنامجها الجمالي، أو للدعوة للمشاركة في نشاطاتها، أو لانتقاد خصومها.

"السيارة الهادرة أجمل من منحوتة". هذه الجملة الاستفزازية التي نقرأها في مدخل الصالة الأولى من المعرض، كتبها فيليبو مارينيتي في بيان المستقبلية الأول عام 1909، وتلخص مشروع هذه الحركة التي دشّنت تاريخ الطلائع الفنية. لكنها لم تطمح أبداً إلى أن تكون مدرسة فنية، بل ثورة ثقافية دائمة هدفها التأسيس لحساسية جديدة تقوم على نبذ الماضي وإعادة التفكير في الإنسان ضمن مواجهته مع عالم الآلات والسرعة والتكنولوجيا الحديث. ولتحقيق هذا الطموح، استثمر أفرادها ليس فقط جميع الفنون، بل أيضاً مختلف حقول الحياة اليومية، كالموضة والرياضة والجنس، وخطّوا بيانات عديدة تدلّ على هدفهم الأول: ربط الفن بالحياة. ومن خلال استراتيجية البيان وتنظيم سهرات فضائحية ــ افترائية، ما لبثت هذه الحركة أن أصبحت نموذجاً مرجعياً لجميع الحركات الطلائعية التي أتت بعدها.

متحف تجريدي

وتنقلنا وثائق الصالة الثانية وأعمالها الفنية إلى نيويورك حيث أسس مارسيل دوشان ومان راي وكاترين دريير "الشركة المغْفَلَة"، وهي مشروع جماعي تجريبي هدف إلى الترويج للفن الحديث في أميركا من خلال معارض ومحاضرات ومنشورات، وما لبث أن تحوّل إلى متحف حقيقي صمّمه فنانون للفنانين، بعيداً عن أي عقيدة، وجمع أعمالاً تجريدية (دادائية وتشييدية) وأخرى تصويرية (تعبيرية).

وفي الصالة الثالثة، نطّلع على ولادة الحركة الدادائية في زوريخ، من خلال منشوراتها، ثم على انتشارها بسرعة في برلين وكولونيا وهانوفر، وسعي وجوهها إلى بلوغ غاية واحدة. فسواء كان الفن عبارة عن قصيدة سمعية تتألف من "أصوات بدائية"، كقصائد كورت شفيترس، أو رسم هجائي سياسي، كرسوم جورج غروس، أو استخدام للغة التشكيلية الأولية، كما فعل هانز آرب؛ تركّز هدف هذه الحركة على فضح حالة جنون العالم الذي "تُرِك بين أيدي لصوص عديمي الضمير"، وعلى الرد على ذلك بتدمير رمزي "لأدراج العقل البشري والتنظيم الاجتماعي". وفي هذا السياق، دعا رائدها، الشاعر تريستان تزارا، الذي زعزع بعمق في نصوصه اللغة الفرنسية التي تبناها، إلى العمل على "إضعاف الروح المعنوية" للمجتمع على جميع مستويات.

ولا عجب بالتالي في انتظار بروتون وأراغون وسوبو وصول هذا العملاق إلى باريس، مباشرةً بعد نهاية الحرب العالمية الأولى. إذ مارست روحه السلبية عليهم فتنةً لم يقابلها سوى افتتانهم أيضاً بالجانب الثوري والاستفزازي في لوحات بيكابيا وماكس أرنست، وفي صور مان راي. ويجب انتظار استنتاج بروتون بأنه "على الشعر أن يقود إلى مكانٍ ما"، كي ينأى بنفسه عن سلبية الدادائية ويخطّ البيان السوريالي الأول عام 1924، الذي يحضر مخطوطه الأول في الصالة الرابعة. بيان دافع بروتون فيه عن تقدُّم الخارق، والآلية في جميع أشكالها، والفعل الملموس للحلم، على الواقع، بغية "تحويل الحياة"، محدِّداً بذلك برنامجاً شعرياً وسياسياً وجمالياً تحرّرياً تبنّاه شعراء وفنانون في مختلف أنحاء المعمورة.

ولثمار هذا البرنامج في بلجيكا رًصدت الصالة الخامسة من المعرض، التي تبيّن وثائقها ما تدين به السوريالية البلجيكية لمجموعة بروتون، ولكن أيضاً لإرث الدادائية. نسبٌ مزدوج يفسر ميول رنيه ماغريت ورفاقه إلى الفكاهة، وتخليهم النسبي عن فن الرسم لصالح الأدب، وفي الوقت نفسه، رفضهم الآلية واهتمامهم الملحوظ بالموسيقى.

إنقسامات السوريالية

ومن خلال وثائق الصالة السادسة، نعود إلى باريس عام 1929، حيث شهدت المجموعة السوريالية انقسامات تحت ضغط الخلافات الشخصية والاختلافات في الرأي حول توجّهها ومفهومها للفن والثورة. هكذا تمكن جورج باتاي في العام المذكور من استقطاب فصيل مهم من السورياليين داخل مجلته "وثائق"، قبل أن يخطّ نصّه النقدي العنيف "جثة" رداً على إصدار بروتون "البيان السوريالي الثاني".

وتقفز وثائق الصالة السابعة بنا إلى عام 1946 الذي دعا بروتون فيه، إثر عودته من منفاه الأميركي، إلى تشييد "أسطورة جديدة" تقوم على مثال مزدوج، شعري وثوري، وعبّر في منشورات مختلفة عن ضرورة أخذ "مسافة مطلقة" من المجتمع، ضمن "سعي مستمر لتحرير الأذهان" ارتكز هذه المرة على العلوم الباطنية والسلطة السياسية للإروسية.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وفي الصالة الثامنة، نبقى في العام 1946، لكننا ننتقل من السوريالية إلى الحركة الحروفية التي استكشفت وجوهها بعبقرية الطاقات السمعية والبصرية للحروف، بغية توسيع إمكانات اللغة والتعبير، قبل أن نقفز في الصالة التاسعة إلى حركة "كوبرا" التي ولدت في باريس عام 1948 لكنها جمعت فنانين معظمهم من شمال أوروبا. حركة شكّلت امتداداً للسوريالية والتعبيرية، ورفض أفرادها الفنون النخبوية لصالح التقاليد الفنية الشعبية وأنماط تمثيل غير أكاديمية تشمل فن الأطفال. وعلى الرغم من ديمومتها القصيرة (حتى عام 1951)، خلّفت هذه المغامرة أثراً بليغاً في الفنانين الذين أتوا بعدها، لا سيما فناني حركة "مبدعي الأوضاع".

تغيير العالم

وتنتظرنا في الصالة العاشرة وثائق كثيرة حول هذه الحركة الأخيرة، أبرزها الوثيقة المؤسسة لها التي حدد غي دوبور فيها أهدافها الثورية، وفي مقدّمها "الشروع بعمل جماعي منظَّم يميل إلى استخدام جميع الوسائل التي من شأنها زعزعة الحياة اليومية"، بغية "تغيير العالم"، كابتكار أوضاع مبلبِلة واستثمار فن الاختطاف (détournement). حركة تخلّت عن الممارسة الفنية مطلع الستينيات، لدى استنتاج رائدها أن "كل الفنون هي ألعاب رديئة لا تغيّر أي شيء"، وركّزت جهدها على إصدار منشورات لعبت دوراً محورياً في إطلاق الحركات الطلابية في باريس عام 1968، وحركات تحررية راديكالية في أوروبا وأميركا الشمالية، مثل "بؤس في المحيط الطلابي" (1966) لمصطفى خياطي، و"مجتمع الفرجة" (1967) لدوبور.

وتتناول الصالة الحادية عشرة بوثائقها حركة "فلوكسوس (Fluxus) التي انبثقت في نيويورك إثر تشجيع الفنان جون كايح طلابه في "المعهد الجديد للبحوث الاجتماعية" على ابتكار أعمال فنية بأشكال تعبيرية متعددة الميادين، مثل الأداء المرتجل والتجهيز والحدث (event) وما سيُعرف تحت تسمية "Happening". وهو ما أسّس، لا لحركة أو تجمُّع، بل لحالة ذهنية خاصة تجاه الإبداع الفني، تقاسمها فنانو "فلوكسوس" خلال لقاءات جماعية محددة كانت غايتها تسهيل "فيض" (flux) أفكارهم. من هنا اسمها.

 أما وثائق الصالة الأخيرة من المعرض، فتحطّ بنا داخل الفضاء الإبداعي المدهش الذي فتحه الشعر البصري منذ الخمسينيات. فمن ستوكهولم إلى دارمشتات، ومن طوكيو إلى ساو باولو، مروراً بباريس وفلورنسا وبوينس أيرس ومدن كثيرة أخرى، شكّل هذا الشعر جزءاً من حركة ديناميكية دولية تغذّت من ذاكرة الطلائع الشعرية وشكلانية الفن الملموس، من نظريات الألسنية والفن الحركي، ومن الاكتشافات الكهروسمعية وصورية الإعلانات وعلم الطباعة. شعرٌ نجح أربابه، من خلال تلاعبهم داخل نصوصهم بحروف الطباعة وعملية الترقيم، وتقطيعهم الكلمات أو الجمل في أماكن غير متوقعة، واستثمارهم المساحات البيضاء الناتجة من ذلك، في تفكيك الفضاء التقليدي للقصيدة وشحنها بطاقة جديدة من الدلالات تنتهك حدود وسيطها، وتحوّلها إلى فعل بصري ملموس.

المزيد من ثقافة