Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

صورة مغايرة للفلسطيني في شعر الإسرائيلي دافيد أفيدان

الباحث المصري حاتم الجوهري ترجم قصائد له مع دراسة أكاديمية

لوحة للرسام الفلسطيني سليمان منصور (صفحة الرسام - فيسبوك)

يتكئ الباحث المصري المختص في الأدب العبري حاتم الجوهري في كتابه "الصمود: الصورة غير النمطية للعربي في الأدب الصهيوني" (دار خطوط وظلال)، على مصادر الآخر أو  الصهيوني، بحثاً عما يقوله عن الذات العربية، وهل نحن بالفعل في حالة انسحاق حضاري تام في مواجهته، كما يريد البعض أن يشيع حالة من الاستلاب والهزيمة إزاء ذلك الآخر باستمرار؟

ويرى الجوهري أنه ربما كانت هناك صورة نمطية للذات العربية في الفكر الصهيوني، الذي هو – بتعبيره – امتداد للحاضنة الأوروبية وصورة الإنسان الغربي الأبيض المتفوق أمام الشرق بتمثلاته المتعددة. لكن دراسته هذه ترصد جانباً آخر في العقلية الصهيونية لم تسلط عليه الأضواء آلة الدعاية التقليدية، وظل الهامش كمسكوت عنه، وهي صورة العربي المقاوم والصامد في وجه الزمن انتظاراً للحظة التحول الوجودي كي يسترد ما سُلِب منه وتعود إليه ذاته.

وأهمية هذه الدراسة ذات المنهج الأكاديمي – كما يؤكد الجوهري في مقدمة كتابه – تكمن في أنها تمت، من خلال مصادر عبرية وليست دراسة في الأدب العربي مثلاً لنقول إنها مجرد حالة متوهمة من تمجيد الذات العربية. وفي قلب تلك المصادر، أحد أبرز الشعراء الإسرائيليين وهو دافيد أفيدان (1934 – 1995) الذي يكشف عن صورة مغايرة لتصور كل من اليمين واليسار الإسرائيليين، وهي صورة "العربي الكامن" الذي ينتظر لحظة الانتفاض على القهر. ذلك العربي وفق التصور نفسه ليس مجرد ضحية وفرصة محتملة للتعايش والسلام عند فصائل اليسار، وليس مجرد كائن منغلق على ذاته البربرية كما عند فصائل اليمين.        

الكمون في الزمن

تقدم الدراسة التي يحتويها الكتاب، صورة مغايرة ومفاجئة للعربي في الثقافة الصهيونية غير معتادة من قبل، تقوم على فكرة القوة المختزنة والكمون في الزمن وانتظار لحظة الانتصار الوجودي، تمييزاً لها عن الصور النمطية لديى الصهيونية الكلاسيكية يميناً ويساراً.

حيث كان اليمين الصهيوني يقدم العربي في صورة بربرية وحشية عدوانية غليظة، واليسار الصهيوني كان يقدمه في صورة الضحية والشريك القديم المتخيَّل لتيار "الصهيونية الماركسية"، الذي نشأ في روسيا وأسس الأبنية السياسية والحزبية والنقابية والمستوطنات على طبعته الماركسية وخبرات تنظيمات اليسار الروسي اليهودي القديم.

لكن هذه الدراسة تقدم للمرة الأولى صورة مغايرة وبعداً مغايراً للعربي وغير نمطي في الأدب العبري، عند أحد أبرز المثقفين والشعراء الإسارئيليين، دافيد أفيدان، وتحدد مصدرها بتحول قطاع كبير داخل اليسار الصهيوني بعد حرب 1948 لفكرة تسميها الدراسة "الصهيونية العدمية".

قامت هذه "الصهيونية العدمية" ومدرستها على فكرة انتظار الخراب الوجودي الكامن والمؤجل على يد العرب الفلسطينيين، معتبرة أن يوتوبيا الصهيونية كانت "الصهيونية الماركسية" عن دولة مشتركة بين يهود أوروبا المستعمرين الفاتحين التقدميين، وبين العرب البدائيين الذين تعرضوا للاحتلال!

وحين انتهت خرافة الصهيونية التقدمية أو "الاحتلال التقدمي" مع حرب 1948، اعتبر قطاع كبير من أنصار الصهيونية الماركسية أن العالم (الصهيوني) قد انتهى وأن العرب الفلسطينيين، لا بد؛ بحكم الخبرات التاريخية، سينتفضون بقوة كافية لتفكيك المشروع الصهيوني.

ومن ثم سيطرت على أشعارهم وكتاباتهم فكرة الأزمة الوجودية والخراب الوجودي ونهاية العالم، ووضعوا في أشعارهم صورة غير نمطية لم يتم رصدها من قبل، تعتبر أن العربي صامد وفي حالة كمون انتظاراً لاسترداد ما سلبته منه الصهيونية.

وظهرت عندهم في الشعر مجموعة من القيم الجديدة وتصوراتها للذات اليهودية/ الصهيونية، وللذات العربية/ الفلسطينية كآخر، فصوروا الذات اليهودية في ثوب المتعالي بمرجعيات عدة تاريخية ودينية وعرقية، وصوروا العربي بأنه، رغم كل هذا الظلم، وطبقاً للسنن الطبيعية التاريخية، لا بد سينتفض ليسترد وجوده السليب.

مختارات شعرية

وأوضح الجوهري أن الجديد في دراسته هو أنها تضمنت ترجمة كاملة للمختارات الشعرية الصهيونية التي عمل عليها، ووجد فيها ما يدل على الصورة المغايرة تلك، للذات الصهيونية، وللذات العربية، حتى لتعد أول ترجمة ودراسة تنشر له، في تخصصه الأكاديمي المعتمد كباحث في النقد الأدبي والدراسات الثقافية في قسم اللغة العبرية. هذا، بعد الترجمة عن الثقافة الإنجليزية (وليم بليك سيد الرومانتيكة وديوانه "أغنيات البراءة والتجربة")، وبعد الترجمة عن الثقافة الفرنسية (جان بول سارتر وكتابه "تأملات في المسألة اليهودية").

تعبر هذه المختارات عن المراحل المختلفة التي كتب فيها دافيد أفيدان الشعر، وقام الجوهري باختيار القصائد وفق عدة معايير؛ أهمها: أشهر القصائد التي ذاعت له، والقصائد التي ارتبطت بمواقف فكرية أو سياسية معينة، والقصائد التي تستكمل الصورة الكلية وترسم الإطار وتعبر عن الموضوعات المختلفة، لتحقق التنوع في اختيار القصائد ومحاولة الوصول إلى صورة متكاملة عن عالمه الشعري. واعتمد الجوهري على نسخة الأعمال الكاملة لدافيد أفيدان التي صدرت في أربعة أجزاء ما بين 2009 و2011، علماً أنها نشرت أصلاً بين عامي 1951 و1991. وينتمي أفيدان إلى تيار أدبي بدأ يسارياً وسرعان ما اتسم بالعبثية والعدمية، ومازال هذا التيار بارزا بسماته المستجدة بين تيارات الأدب في إسرائيل إلى الآن.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وتميَّز أفيدان بتقديمه الذات العربية بشكل أقرب لرؤية الفلاسفة الذين يتجاوزون سطحية الوقائع المباشرة، وينظرون في مكونات المعادلة ويبحثون في قدرتها على الاستمرار من عدمه! ومن هنا ظهرت لأفيدان صورة العربي كمصدر للقلق، وكذات مستلبة ربما يعبر عنها قلة الآن، لكنها لا بد ستنتفض يوما ما وتسترد ما سلبه الصهاينة منها. وقد اعتمد الجوهري في ترجمة شعر أفيدان على ما يسميه الإحاطة المعرفية بسياق النص وسياق كاتبه وقدرته على فهم واعتلاء ناصية اللغة التي يكتب بها كروح وذات، وليس ككلمات وتعبيرات متفرقة ومجردة، ربما قد يقف البعض عاجزاً عن جمعها في لوحة.

من السياسي إلى الأدبي

جاء اختيار دافيد أفيدان نموذجاً لهذه الدراسة، لما له – وفقاً للجوهري- من مكانة معترف بها في الشعر العبري الحديث، فكانت له تجربة شعرية ذات أثر بارز، خاصة تحوله من الجماعية إلى الفردية، ومن السياسي إلى الأدبي المنعزل، ومن الماركسي إلى الوجودي العدمي. وإلى جوار ذلك فقد كان له نشاط ثقافي متنوع، فقد ترجم عدداً من المسرحيات العالمية والكتب النقدية إلى العبرية، وعمل في الإخراج السينمائي، وقدم بعض الأدوار التمثيلية، ومارس الفن التشكيلي، وكتب مقالات ودراسات نقدية. كما أنه يعتبر أكثر أفراد جيل ما بعد حرب 1948 تماساً مع قيم الفردية والعزلة وكتابة الالتصاق بالجسد. وارتبط اسمه بالتوجه نحو تيار العدمية، فكان ضمن أهم شعراء مرحلة ما بعد إعلان دولة إسرائيل، الذين تمردوا على المسار الرسمي للمشروع الصهيوني، الذي خالف وجهة نظرهم عن صهيونية يسارية وماركسية مفترضة كانوا يتغنون بها ويعتنقون أيديولوجيتها. وعلى الرغم من وجود يهودا عميحاي (1924 – 2000) وناتان زاخ (1930) ضمن هذه الكوكبة التي قادت الشعر العبري الحديث، وأخذته بعيداً تجاه التخلص من قيود الشكل والمضمون، وعلى الرغم من الشهرة الواسعة التي حظي بها عميحاي، فإن أفيدان هو من قاد شعراء الموجة الجديدة تلك نحو الفردية والذاتية وأزمة الوجود والصراع بين الجماعي والفردي.

لم يتم أفيدان، المولود في حيفا، وتحديداً في الجزء الذي قامت عليه مدينة تل أبيب، تعليمه الجامعي، ولكن توجهه الفلسفي الوجودي لم يتأخر كثيراً في الظهور في شعره، كما كان في بعض الأحيان يقوم بتدريس الكتابة الإبداعية في جامعات إسرائيلية، ونشر مجموعته الشعرية الأولى عام 1954. أما ديوانه الأخير فقد نشره قبل وفاته بأربع سنوات، وبلغ مجمل إنتاجه الشعري 13 ديواناً.

الحل النهائي

اختار الجوهري للقصائد التي ترجمها عنوان "الحل النهائي للمسألة العربية"، وقد أخذه من قصيدة لأفيدان عنوانها الأصلي "الحل النهائي في نظر عيدي أمين الأبيض". لكن سطرها الأول تضمن تعبير الحل النهائي للمسألة العربية، وهو في تصور الجوهري، كان أكثر مباشرة من رمزية العنوان الذي اختاره الشاعر. وعيدي أمين هو رئيس أوغندا من 1971 إلى 1979 وعرِف بمواقفه القوية ضد إسرائيل. وفي تلك القصيدة يبرز أفيدان تناقض الموقفين العربي والإسرائيلي تماماً، وأن لا التقاء بينهما سوى بالصدام الحتمي.

وعموماً تأثرت صورة العربي في أعمال أفيدان بالأزمة الوجودية، فانشغل بغياب طريق النجاة، ليكون مركز تجربته الشعرية، فضلاً عن استشرافه كارثة محتومة على أرض فلسطين. وهكذا احتلت فكرة دمار العالم مساحة مهمة عند أفيدان، مستحضراً العديد من الحالات التاريخية التي سكنت ذاكرة الشخصية اليهودية، ليخلص إلى حتمية الخروج من أرض فلسطين، والرجوع إلى حالة اليهودي الذي يهيم في الأرض من دون أن يجد لنفسه مستقراً.

في قصيدته "بطاقة التعريف" يقول أفيدان: "من أين جئنا وإلى أين سنذهب / هل نحن بلا نهاية؟ التقرير النهائي عنا مستقى من مصدر خاطئ". وفي قصيدة "توكيل لمن يهمه الأمر" يقول: "إن الذي يبرر أكثر من أي شيء العزلة واليأس الكبير / التحمل الغريب لعبء العزلة العظيمة واليأس العظيم / هي الحقيقة البسيطة والقاطعة / ليس لدينا مكان نذهب إليه".

المزيد من ثقافة