Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

هل تشرب مصر من "البحر" تجنبا لآثار سد النهضة الإثيوبي؟

خبراء يستبعدون قدرة المياه المحلاة على تعويض النقص المحتمل بسبب ارتفاع التكاليف واقتصار استغلالها على الاستعمال المنزلي والسياحي

منظر عام لسد النهضة الإثيوبي (أ ف ب)

مع كل حديث للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عن قضية سد النهضة الإثيوبي، يذكر مشروعات إعادة استخدام المياه وتحلية مياه البحر، بما يؤكد استعداد مصر لسيناريو تأثر مواردها المائية ببناء السد على نهر النيل، حيث يمدها النهر بما يفوق 90 في المئة منها، وإن كان السيسي في الوقت نفسه يشدد على أنه لا أحد يستطيع المساس بحصة بلاده من النيل.

تحدي السد الإثيوبي ليس الوحيد أمام القاهرة لتوفير المياه لشعبها، فبحسب حديث للرئيس المصري مطلع الشهر الحالي، فإن كميات المياه الواردة من نهر النيل ثابتة منذ كان عدد سكان مصر 3 ملايين نسمة، بينما زاد التعداد السكاني الآن بأكثر من 100 مليون شخص.

ومع تعقد المفاوضات مع إثيوبيا في شأن السد وتفاقم الزيادة السكانية التي تسجل 2.5 مليون مولود سنوياً، كثفت مصر من مشاريع معالجة مياه الصرف الصحي، وتحلية مياه البحر، تنفيذاً لاستراتيجية تنمية الموارد المائية التي أعلنتها وزارة الري في ديسمبر (كانون الأول) 2016، بهدف تحقيق الأمن المائي عبر 4 محاور رئيسة، هي تنمية الموارد المائية سواء التقليدية أو غير التقليدية، وترشيد الاستخدامات المائية وتعظيم العائد من المياه المستهلكة، وتحسين نوعية المياه من خلال مجابهة التلوث، إضافة لتهيئة البيئة المناسبة للإدارة المتكاملة للموارد المائية.

معالجة المياه

وبحسب إحصاءات وزارة الإسكان والمرافق العمرانية، نفذت مصر في الفترة بين 2014 و2021، 180 محطة لمعالجة المياه بهدف إعادة استخدامها، بنسبة زيادة نحو 60 في المئة عن الأرقام السابقة، إذ بلغت المحطات قبل 2014 نحو 300 محطة معالجة، وتبلغ الطاقة الاستيعابية لمحطات معالجة مياه الصرف الصحي حالياً 16.2 مليون متر مكعب يومياً، وفق تقارير صحافية محلية، كما يجري تنفيذ 211 محطة معالجة، بطاقة استيعابية 6 ملايين متر مكعب يومياً.

وتتبع تلك المحطات تكنولوجيا المعالجة الثنائية المتقدمة أو المعالجة الثلاثية، طبقاً للمعايير الصحية العالمية، مثلما أكد الرئيس المصري في خطابه مطلع الشهر الحالي، مشيراً إلى أن "مصر أول أو ثاني دولة في العالم تستفيد من معالجات وتحلية المياه لصالح شعبها".

ويرى مستشار وزير الري المصري السابق، ضياء القوصي، أن مشاريع معالجة المياه لا يمكن ربطها بملف سد النهضة، لأنها لا تضيف كثيراً إلى إجمالي الموارد المائية، وإنما تعد تحسيناً لإدارة حصة مصر من مياه النيل البالغة 55.5 مليار متر مكعب سنوياً، التي تحتفظ القاهرة بحقها في عدم الانتقاص منها "شاء من شاء وأبى من أبى"، وفق تعبيره.

وقال القوصي لـ"اندبندنت عربية"، إن محطات معالجة مياه الصرف الصحي تنتج نحو 15 مليون متر مكعب يومياً، ما يعني أكثر من 5 مليارات متر مكعب سنوياً، أي نحو 10 في المئة من حصة مصر النيلية، كانت تهدر في البحر المتوسط، موضحاً أنه في السابق كان يسمح بهدر تلك الكميات في البحر لرداءتها، لكن الآن تزيد محطات المعالجة من جودة المياه ويعاد استخدامها.

كما كثفت مصر من اللجوء لتحلية مياه البحر، حيث تضمنت الخطة الاستراتيجية للتحلية حتى عام 2050 الوصول إلى طاقة 6.4 مليون متر مكعب في اليوم، بدلاً من 1.2 مليون متر مكعب حالياً، بتكلفة نحو 134 مليار جنيه، وفق ما أعلنه وزير الإسكان عاصم الجزار في بيان، الشهر الماضي. وحسب المرحلة الأولى من الخطة، تم الانتهاء من إنشاء 81 محطة تحلية بطاقة إجمالية نحو 914 ألف متر مكعب يومياً، وهناك 11 محطة تحلية بقدرة إجمالية نحو 465 ألف متر مكعب يومياً قيد الإنشاء، للوصول إلى طاقة إجمالية 1.3 مليون متر مكعب يومياً من تحلية مياه البحر خلال العام الحالي.

تكلفة مرتفعة

وكانت إنتاجية مصر من المياه المحلاة لا تتجاوز 80 ألف متر مكعب في اليوم، لكن بعد المشاريع التي نفذت في السنوات الأخيرة، وصلت الإنتاجية بنهاية العام الماضي إلى 850 ألف متر في اليوم.

ووفق القوصي، فإن التكلفة المرتفعة للمياه المحلاة التي تبلغ نحو 12 جنيهاً (0.64 دولار أميركي) لكل متر مكعب تجعل من الصعب الحديث عن اعتبارها تعوض ما قد ينقص من مياه النيل بسبب السد، قائلاً، "إن كان الإثيوبيون سيعطوننا تلك التكاليف يمكننا عندئذ دراسة الأمر". واعتبر أن حصيلة ما تضيفه محطات التحلية ضئيل بالمقارنة مع احتياجات مصر المائية، حيث لا يصل إلى نصف مليار متر مكعب سنوياً، على الرغم من كل ما أقامته الدولة من محطات على البحرين الأحمر والمتوسط.

ونقلت تقارير صحافية محلية عن مصادر بوزارة الإسكان أن تكلفة المتر المكعب الواحد من المياه المحلاة تتراوح بين 13 و15 جنيهاً (0.69 و0.80 دولار)، لكن المياه التي مصدرها نهر النيل تكون تكلفة المتر المكعب الواحد منها 2.5 جنيه إلى 4.5 جنيه (0.13 و0.24 دولار)، والجوفية من 4 جنيهات (0.21 دولار) إلى 6 جنيهات (0.32 دولار)، وتصل للمواطن بسعر مدعم من جانب الدولة. ومن المتوقع أن تكون تلك التكاليف قد زادت في الأسابيع الأخيرة نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة في أعقاب الحرب الروسية - الأوكرانية.

الفقر المائي

كان وزير الري المصري محمد عبد العاطى، أشار في تصريحات سابقة إلى التكلفة المرتفعة لتحلية مياه البحر، مشيراً إلى وصول حجم استثمارات تحلية متر مياه لـ15 ألف جنيه سنوياً (800 دولار) إضافة إلى التشغيل، مؤكداً أنه ليس من الممكن استخدام المياه المحلاة في الزراعة لأن عائد المحاصيل الزراعية سيكون أقل من تكلفة المياه، وأن الاستخدام الاقتصادي الأمثل لمياه البحر المحلاة من خلال إدخالها في الاستهلاك المنزلي والسياحي.

وتصل احتياجات مصر من الموارد المائية سنوياً إلى نحو 114 مليار متر مكعب، وتستورد 30 مليار متر مكعب سنوياً مما يسمى المياه الافتراضية، وهي منتجات غذائية زراعية وحيوانية، كانت ستستهلك تلك الكمية من المياه في حال إنتاجها محلياً، وبحسب وزارة الري يبلغ إجمالي الموارد المائية لمصر نحو 60 مليار متر مكعب، وتتضمن حصة مصر من مياه النيل، التي تبلغ 55.5 مليار متر مكعب، 85 في المئة منها تأتي من الهضبة الإثيوبية، ونحو 2.1 مليار متر مكعب من المياه الجوفية العميقة، إضافة إلى مياه الأمطار والسيول بواقع 3.1 مليار متر مكعب، وتحلية المياه المالحة بكمية قدرها 350 مليون متر مكعب سنوياً (وفق تقديرات عام 2016). ويعني ذلك وجود عجز مائي يقدر بأكثر من 20 مليار متر مكعب، ويزداد كل عام نظراً إلى الزيادة المطردة في عدد السكان، وهي الفجوة التي تحاول الدولة المصرية سدها عبر مشاريع تنقية مياه الصرف الزراعي والصحي والصناعي.

وفي عام 2017 قدر نصيب المواطن في مصر من مياه النيل بنحو 585 متراً مكعباً، ما يجعله تحت "خط الفقر المائي" وتصنف مصر ضمن الدول التي تعاني ندرة المياه، بخاصة أن النقطة الحرجة لحصة الفرد عالمياً محددة عند ألف متر مكعب.

ووفق تصريحات سابقة لوزير الري المصري، فإن مصر تعد من أكثر دول العالم التي تعاني الشح المائي، ما دفع الحكومة لوضع خطة لإدارة الموارد المائية حتى عام 2037 باستثمارات تتجاوز 50 مليار دولار، ومن المتوقع زيادتها إلى 100 مليار دولار، بهدف تحسين نوعية المياه وتنمية موارد مائية جديدة، وترشيد استخدام الموارد المتاحة حالياً وتوفير البيئة الداعمة لقضايا المياه.

أزمة المياه

وذكرت دراسة للمركز المصري للفكر والدراسات أن توقعات البنك الدولي والأمم المتحدة تشير إلى أنه من المتوقع أن تصل مصر عام 2025، إلى مرحلة "أزمة المياه المطلقة" التي يكون فيها نصيب الفرد أقل من 500 متر مكعب، مع استمرار الاعتماد على نهر النيل كمصدر شبه وحيد للمياه (يمثل نحو 80 في المئة من الموارد المائية)، وثبات حصة مصر فيه منذ اتفاقية حوض النيل عام 1959، وفي الوقت نفسه معدلات نمو سكاني تفوق 2 في المئة سنوياً.

وأكدت الدراسة أنه لا علاقة بين سد النهضة ومشاريع تحلية ومعالجة المياه، لأن أزمة الندرة المائية قائمة في مصر حتى في حال عدم تأثرها ببناء السد، أخذاً في الاعتبار عاملي ثبات حصتها من مياه النيل والزيادة السريعة للسكان، حيث من المتوقع أن يصل إجمالي السكان في مصر لأكثر من 175 مليون نسمة في عام 2050، وفق تقديرات حكومية.

وتتركز محطات تحلية المياه القائمة في المحافظات الحدودية قليلة الكثافة السكانية مثل شمال وجنوب سيناء والبحر الأحمر، بينما تتوسع المحطات الجاري تنفيذها في محافظات ذات كثافة أعلى مثل بورسعيد والدقهلية في دلتا النيل.

وذكر نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، أحمد معوض، الذي تولى مسؤولية إعداد خطة الحكومة للخروج من أزمة نقص المياه واللجوء لمياه البحر، أن الخطة تضمنت قراراً بإيقاف توصيل مياه النيل للمحافظات الحدودية، وهي البحر الأحمر ومطروح وشمال وجنوب سيناء، لتوفير نفقات النقل من ناحية واستغلال مياه البحر من ناحية أخرى، وفق تصريحات صحافية. وتستهدف الخطة الحكومية أن توفر المياه المحلاة 6.6 في المئة من إجمالي مياه الشرب على مستوى الجمهورية بنهاية العام الحالي.

وأضاف "معوض" أن الخطة تتضمن إصدار قرار لجميع المناطق الصناعية والمشروعات الاستثمارية، سواء تجارية أو سياحية أو سكنية بإقامة محطات للتحلية وعدم الاعتماد على مياه نهر النيل، وفي حال مخالفة ذلك يتم اتخاذ الإجراء المناسب.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

وأوضح أن الهدف من وراء البدء بالمحافظات الحدودية يعود إلى ارتفاع تكلفة نقل مياه النيل إليها، فضلاً عن تعرض المياه للسرقة والفقد سواء من خلال إنجاز مواسير غير شرعية، أو سرقة سيارات المياه المكلفة توصيل المياه، إضافة إلى أن هذه المحافظات تقع على البحر، وهو ما يتطلب استغلاله بصورة كبيرة خلال الفترة المقبلة.

 وقال نائب رئيس الشركة القابضة لمياه الشرب والصرف الصحي، صلاح بيومي، في تصريحات صحافية، إن الحكومة تستهدف إنتاج مليار متر مكعب مياه محلاة حتى عام 2037، ما يكفي احتياجات الزيادات السكانية خلال هذه الفترة.

ولا تعد مصر الدولة الوحيدة التي تعتمد على معالجة المياه وتحليتها في تغطية احتياجاتها من المياه، حيث تتم عمليات التحلية في 183 دولة في العالم، وفق جمعية تحلية المياه الدولية، ما ينتج أكثر من 78 مليون متر مكعب يومياً حول العالم. وتقوم كثير من دول الشرق الأوسط بعمليات التحلية مثل السعودية والكويت وإسرائيل، حيث تعد المنطقة من الأفقر على مستوى المياه العذبة، ووفقاً للبنك الدولي فالمنطقة موطن لستة في المئة من سكان العالم، لكنها تحتوي على واحد في المئة فقط من موارد المياه العذبة عالمياً، ما يجعل الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يستحوذان على نصف طاقة تحلية مياه البحر في العالم.

المزيد من دوليات