زراعة التبغ "مصدر رزق" الفلسطينيين وسرطان الرئة المسبب الأول للوفاة

مهنة متوارثة منذ مئات السنين ومعدل البطالة في بلدة يعبد حوالى الصفر

مزارعو التبغ في بلدة يعبد شمال الضفة الغربية (اندبندنت عربية)

نسبة الإنفاق الشهري للفرد الفلسطيني على التبغ والسجائر وصلت إلى 5,4 في المئة من قيمة الإنفاق الكلي، بحسب آخر الإحصاءات والأرقام، بينما بلغت نسبة الإنفاق الشهري على التعليم أربعة في المئة فقط من قيمة الإنفاق الكلي للفرد، إذ وصلت نسبة المدخنين الفلسطينيين من الرجال والنساء في الضفة الغربية وقطاع غزة عام 2017، بحسب الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني إلى 40 في المئة، 15 في المئة منهم تحت سن 18.

سرطان الرئة

قد لا يخطر على بال أحد أن الشعب الفلسطيني المنهك من الفقر والبطالة والحروب، قد يكون أحد أكثر الشعوب في العالم تدخيناً، وعلى الرغم من أن 29 في المئة منهم فقراء، لكن ذلك لم يمنع نسبة الزيادة في التدخين من التصاعد سنوياً.

مديرة دائرة الأمراض المزمنة في وزارة الصحة الفلسطينية نانسي فلاح تقول لـ "اندبندنت عربية"، إن "التدخين أحد عوامل الإصابة بسرطان الرئة، الذي يعتبر في مقدم السرطانات التي تصيب الذكور في فلسطين بنسبة 15.4 في المئة، وهو المسبب الأول للوفاة، إذ بلغت نسبة الوفاة به 19.6 في المئة من مجموع الوفيات المسجلة بسبب السرطان. لكن لغاية اللحظة لا توجد دراسات وإحصاءات رسمية تثبت أن كل شخص في فلسطين مصاب بسرطان الرئة أو توفي نتيجة له، كانت بسبب التدخين".

تبغ يعبد

تتصدر بلدة يعبد شمال الضفة الغربية القائمة بأول وأكبر منطقة فلسطينية لإنتاج التبغ محلي الصنع، إذ يشكل التبغ الزراعة الأقدم والأهم في البلدة. فأرضها وتربتها مناسبة تماماً لهذا النوع من الزراعات، فهي لا تحتاج إلى أراض خصبة ولا مياه وفيرة. ويعتبر تبغ قرية يعبد من أجود أنواع التبغ في الضفة الغربية، ويعتمد 70 في المئة من سكان يعبد على زراعة التبغ.

يقول أمجد عطاطرة أحد تجار التبغ في بلدة يعبد، "الأسر في بلدة يعبد تساهم كثيراً في زراعة التبغ وعمليات تجفيفه وتعبئته وتسويقه، والعمل في زراعة التبغ وتجارته يحقق مردوداً مادياً جيداً جداً للعديد من أهالي البلدة، خصوصاً أننا نتحدث عن أوضاع اقتصادية صعبة، مترافقة مع غياب الدعم الحكومي للقطاع الزراعي. وهناك محاولات من الجهات الرسمية ووزارة المالية الفلسطينية على وجه الخصوص، لعرقلة زراعة التبغ وتصنيعه في البلدة بحجة التهرب الضريبي والتسبب بخسائر لخزينة السلطة، على الرغم من أن زراعة التبغ المحلي لا تتجاوز الخمسة في المئة من حصة السوق الفلسطينية في التبغ والسجائر. زراعة التبغ في بلدة يعبد تتم بشكل غير قانوني، فهي مهنة متوارثة منذ مئات السنين، وأصبحت عادة من عادات أهل البلدة.

مساحة يعبد المتبقية، بعد بناء إسرائيل جدار الضم والتوسع، 38 ألف دونم، 18 ألف دونم من تلك الأراضي مزروعة بالتبغ، يعمل بها قرابة 70 في المئة من السكان".

ويكمل عطاطرة حديثة قائلاً "تنظيم زراعة التبغ في يعبد وإقامة بدائل تصنيع محلية سيحقق نتائج إيجابية على الصعيد المحلي، أهمها دعم أوضاع الأسر الفلسطينية في يعبد ومحيطها من القرى، وإنتاج أصناف محلية جيدة، وتقليل الاستيراد الأجنبي الباهظ على جيب المواطن الفلسطيني، إذ يتراوح سعر علبة السجائر المُصنّعة محلياً من دولار إلى ثلاثة دولارات، بينما يبلغ متوسط سعر علبة السجائر الأجنبية المُستورَدة حوالى خمسة دولارات. وعلى الرغم من ذلك، فإن السلطة الفلسطينية لا تطرح أي بدائل عملية لاستبدال هذه الزراعة أو تنظيمها، وتتهم البلدة ومن فيها من مزارعين بتخسير خزينة الدولة. وفي الفترة الأخيرة قامت السلطة بتجريم زراعة التبغ غير القانوني لعدم مقدرتها على طرح خطة عملية لاحتواء التبغ المحلي".

التهريب وغياب السيطرة

تنتشر في الضفة الغربية ظاهرة السجائر المهربة من الأردن ودول أخرى إلى فلسطين، أو من السجائر المحلية التي لا تخضع للضرائب، وبحسب بيانات شركة "ألفا للدراسات والأبحاث"،  فإن 39.4 في المئة من السجائر المتداولة في الأسواق الفلسطينية مهرّبة، وغير مطابقة للمواصفات والفحص الصحي القانوني، ولا تخضع إلى الجمارك المفروضة على منتجات السجائر القانونية.

في هذا الإطار، يقول بندي دحدح مدير دائرة المكوس والتبغ في وزارة المالية الفلسطينية لـ "اندبندنت عربية " إن "عمليات تهريب الدخان والمعسل سواء من المعابر والحدود أو من بيع التبغ العربي، تكبد خزينة السلطة الفلسطينية خسائر سنوية تصل إلى حوالى 250 مليون دولار، ولو حصلت مقارنة لآثار التهريب على الخزينة  مع الزراعة المحلية وما تتسب به من خسائر إضافية، نجد أن التهريب يؤثر في شكل أضخم، ونسعى إلى وقفه وما يدفعه المواطنون في الضفة الغربية لوحدها على السجائر يقارب الـ 2 مليار شيكل سنوياً ،أي ما يعادل 560 مليون دولار".

خطط مستقبلية

في عام 2017، صادقت الحكومة الفلسطينية على خطة لتنظيم قطاع التبغ المحلي بهدف تحسين جودته، وإعادة هيكلية أسعاره لحماية المزارعين والشركات المحلية ومكافحة تهريب الدخان والتهرّب من الضرائب، وزيادة الإيرادات المالية للحكومة.

في هذا السياق، أوضح دحدح "أن خطة عام 2017 لم تستمر أكثر من عام، فهي لم تلب الأهداف المرجوة منها، ونحن في صدد إصدار قانون جديد لتنظيم السوق واحتوائه وإنتاج صنف محلي، لكن لا معالم واضحة حتى اللحظة ومن المرجح أن تخرج الخطة إلى النور بعد أشهر قليلة".

بحسب البيانات الرسمية لدائرة الجمارك على معبر الكرامة (جسر الأردن)، فإن معدل المضبوطات من دخان مهرب شهرياً، يتراوح بين 6000 و8000 كروز. ويقدر عدد علب السجائر غير القانونية المباعة في أسواق الضفة الغربية بـ 45 مليون علبة سنوياً، يصل سعرها إلى مليون دولار، وهي من الإيرادات الضائعة على خزينة الدولة. أما المعسل، فيُصادر بكميات كبيرة عند المعبر ذاته (جسر الأردن)، أكثر من طن شهرياً.

وتعود ظاهرة ارتفاع نسب تهريب الفلسطينيين للمعسل والدخان سنوياً، لأسباب عدة أبرزها كونها تجارة مربحة جداً إضافة إلى أن أسعار الدخان والمعسل في الأردن والدول الأخرى أرخص بكثير من أسعارهما في الضفة الغربية.

ووفق بيانات دائرة الجمارك وضريبة القيمة المضافة في الضفة الغربية، تبلغ إيرادات الجمارك السنوية من السجائر والتبغ حوالى 415 مليون دولار، منها 70 مليون دولار إيرادات من الشركات المحلية، والباقي من الاستيراد. بينما تقدر الجمارك الخسائر على الخزينة بحوالى 100 مليون دولار سنوياً، منها 55 مليون دولار تُهرب للسوق المحلية (نتيجة تهريب سجائر مستوردة مع المسافرين عبر معبر الكرامة). هذه التقديرات تتناسب مع بيانات مسح الأسرة الصادرة عن الجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني لعام 2017، التي تشير إلى أن 70 في المئة من التبغ والسجائر المستهلكة يأتي من الاستيراد، الذي تصل قيمته إلى 450 مليون دولار، بينما قيمة الاستهلاك تصل إلى 550 مليون دولار، بحسب تقديرات الجمارك، الأمر الذي يعني أن هناك حوالى 100 مليون دولار لا تُسجل في الإحصاءات.

المزيد من العالم العربي