Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الإيطالي الذي تحدى "هوليوود" وسينمائييها الأميركيين وقهرهم

سيرجيو ليوني يغوص في حكاية المافيا في فيلم له كل مزايا سينما المؤلف

مشهد من "حدث ذات مرة في أميركا" لليوني (موقع الفيلم)

لم يحقق المخرج الإيطالي سيرجيو ليوني طوال مساره السينمائي سوى سبعة أفلام، على الرغم من أنه مات مكتهلاً في عام 1989 عن 68 سنة، ويقيناً أن هذا الفنان لم يكن أول الأمر، بالنسبة إلى هواة السينما ومحبيها العاديين، سوى واحد من أوائل مبدعي السينما الذين نقلوا سينما رعاة البقر من مواطنها الأميركية الأصلية، إلى الربوع الإيطالية خلال سنوات الستين، في أفلام كانت (في نهاية الأمر) محاكاة لأفلام أصلية حملت على الدوام تواقيع جون فورد وباد بوتيشر ونيقولاس راي ووليام ويلمان وغيرهم. ويقيناً أن اسم ليوني ارتبط أساساً بفيلم "من أجل حفنة من الدولارات" الذي يعد واحداً من أكبر النجاحات التجارية في تاريخ السينما غير الأميركية، والذي ألقى الضوء كاشفاً عن ممثل كان له شأن كبير بعد ذلك: كلينت إيستوود.

رعاة بقر على الطريقة الإيطالية

ولكن بعد كل شيء سيكون من الظلم لسيرجيو ليوني وهو أمر كنا قد أشرنا إليه سابقاً في هذه الزاوية بالذات، أن تقتصر قيمته على كونه محقق أفلام رعاة البقر الإيطالية التي عرفت باسم "سباغيتي ويسترن". فالحال أنه بعد صدمة النجاحات الأولى التي حققتها أفلامه الايطالية الأساسية مثل "من أجل حفنة من الدولارات" و"من أجل دولارات أكثر" و"القبيح والطيب والشرير"، وبعد أن بدأت الأوساط السينمائية تعتاد أساليب ليوني وجنونه السينمائي، راحت تكتشف أن أفلامه تحمل من الأبعاد والتجديد الأسلوبي، بل حتى التجريب والتنوع الفنيين في الأشكال السينمائية، كما حتى في المواضيع، ما لا يمكن أن يكون قد خطر في البال أول الأمر. وهو تمكن من تحقيق تلك المأثرة في تلك الأفلام السبعة التي يعد أكثرها اليوم علامات في مجال السينما الشعبية، ولكن حتى في سينما المؤلف، بخاصة مع فيلمه الأخير "حدث ذات مرة في أميركا" كما سوف نرى بعد سطور. ولا شك أن فيلمه الأخير هذا سيبدو لنا اليوم مع التراجع الزمني وكأنه الذروة التي شاء سيرجيو ليوني أن يوصل إليها سينماه، هو الذي كان من الواضح أنه منذ البداية إنما كان يشتغل على غاية سينمائية تتجاوز احتفاءه البدئي بسينما رعاة البقر. كانت غايته أن يصل إلى سينما أكثر نقاء وأكثر جدية لا شك أن في إمكاننا على أية حال أن نجدها موزعة نتفاً نتفاً، حتى في أول أفلامه "عملاق رودس"، وهو فيلم تاريخي أسطوري ينتمي إلى ما كان يعرف حينها بـ"البيبلوم".

يقظة النقاد الجادين

وبالفعل تمكن ليوني من تحقيق غايته هذه، على الأقل، في الأفلام الثلاثة الأخيرة التي حققها، وصور معظم مشاهدها في القارة الأميركية، "حدث ذات مرة في الغرب"، "حدث ذات مرة في الثورة" و"حدث ذات مرة في أميركا". وهو لئن كان في ثلاثيته الأميركية الثانية (بالنظر إلى أن سلسلة "الدولارات" كانت ثلاثية "أميركية" أولى)، أعاد النظر، خارج إطار أسلوبه الجديد الدينامي والساخر، في تاريخ الذهنية الأميركية نفسه، وفي القيم التي طغت دائماً على هذا النوع من السينما الملحمية الأميركية، من مفهوم الغرب نفسه ونقائه في الفيلم الأول، حيث تصدى للفكرة التي لطالما صنعها الأميركيون لغربهم ورضوا بها مزهوين، إلى مفهوم الخيانة والثورة في الفيلم الثاني، حيث لم يكن من البريء أن ينقل إلى قلب الثورة من أميركا اللاتينية واحداً من ثوار إيرلندا سنكتشف أنه خان الثورة من حيث لم يكن يتوقع، وأنه إنما أتى إلى هنا لكي ينتقم من نفسه أولاً. أما في الفيلم الثالث الذي نفرد ما تبقى من كلامنا هنا له باعتباره من أكثر أفلام ليوني ذاتية بل انتماء حتى، على الرغم من ملحميته، إلى ما يقرب من "سينما المؤلف، "حدث ذات مرة في أميركا" الذي يعد واحداً من أجمل الأفلام في تاريخ السينما، فإنه عاد إلى مفاهيم مثل الصداقة والخيانة والندم والغفران، ولكن هذه المرة في عمل ملحمي يرسم تاريخاً معيناً لأميركا يمتد خلال الثلث الأول من القرن العشرين، ويضيع فيه متفرجه (أسلوبياً) بين الذاكرة والحلم والواقع الراهن، وربما أيضاً في واقع مستقبلي يتأرجح في خيال المؤلف، وبالطبع في خيال المتفرج أيضاً، بحيث يختلط كل زمن بالزمن الآخر في لعبة كان ليوني يرى أنها يجب أن تكون الجوهر الحقيقي للفن.

فيلم الذروة الأخير

لقد وصل ليوني في فيلمه الأخير هذا وكما قلنا، إلى ذروة في لغته السينمائية وفي تمكنه من فنه، أجبرت نقاده ودارسيه على إعادة النظر في أفلامه الأولى (تلك التي كانت تعامل بازدراء، من قبل بعضهم)، فاكتشفوا أنها جميعاً تحمل بذور عبقرية سينمائية استثنائية، وأن ليوني عرف على الدوام كيف يخفي حتى في أكثر المشاهد وضروب سلوك شخصياته عادية، ملامح فكرية وتفكيراً في الفن وغايته وفي زمن السينما، لا يزال بحاجة لأن يُدرس بتعمق حتى اليوم. بيد أن ذلك الفيلم الأخير، إلى كونه أتى واعداً بأفلام مقبلة ولغة سينمائية بالغة الجدة، ناهيك عن مميزات الفيلم الأخرى، يظل مختلفاً إلى حد كبير عن السياق الذي كان قد أضحى معتاداً لسينما ليوني. فهنا لا رعاة بقر ولا غرب أميركيا ولا موسيقى فاتنة (من تأليف إينيو موريكوني طبعاً) تجبر المتفرج على أن يكون بكليته داخل الفيلم، ولا علاقات تنتمي إلى تشويق غريب من نوعه.

بين كوبولا وليوني

هنا حكاية تبدو للوهلة الأولى وكأنها حكاية عن المافيا صيغت في نوع من التنافس مع ثلاثية "العراب" لفرنسيس فورد كوبولا الذي هو من أصول إيطالية، لكنها تقل تجذراً طبعاً عن إيطالية ليوني، ما يجعل التحدي الذي كان على هذا الأخير مجابهته، مضاعفاً بخاصة أن مسرح الفيلم كله كان مدينة نيويورك التي بالكاد كان ليوني قد عاش فيها، لكن كوبولا ينتمي إليها قلباً وقالباً. ولكن ليوني عرف بالتأكيد كيف يستجيب لذلك التحدي. فهل نقول إن نيويوركيته بدت في فيلمه أكثر رحابة من نيويوركية كوبولا؟ لكي نتبنى هذا التساؤل تماماً من موقع إيجابي، علينا أولاً أن نتذكر أنه لئن كان فيلم كوبولا – المبني على رواية للإيطالي النيويوركي الآخر ماريو بوزو، فيما بنى ليوني فيلمه على رواية لنيويوركي خالص هو هاري غراي، قد تحدث عن المافيا في نيويورك، فإن ليوني تحدث عن نيويورك من خلال مرآة صعلوكين أحدهما إيطالي والثاني إيرلندي كانا عضوين فتيين في "شبيبة" المافيا قبل أن يترعرعا في المدينة ويتشرباها فتصبح عالمهما المشترك، بصرف النظر عن مافيوزيتهما حتى اللحظة التي يخون فيها واحدهما رفيقه فيرسله إلى السجن، فيما يتحول هو إلى نيويوركي ناجح وينتهي أمره سياسياً كبيراً.

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ستالينغراد المستحيلة

تلكم هي الحكاية البسيطة مبدئياً التي يرويها ليوني في "حدث ذات مرة في أميركا". ولكن الحكاية ستتخذ لاحقاً تشعبات أخرى بعد أن كان مفترضاً أن الشاب الذي تعرض لخيانة رفيقه قد قتل وانتهى أمره. لكن ما يحدث، أو ما تحاول بقية الفيلم أن تقوله لنا، فهو إن المغدور به قد سجن ثم خرج من سجنه وعاد لهدفين: أولهما أن يستعيد حبيبة صباه، وثانيهما أن ينتقم من رفيقه الخائن الذي تركه في السجن وبنى حياته الخاصة "الناجحة" على أنقاض حطام حياة رفيقه. وهنا تختلط الأزمنة وتتشابك العلاقات، لا سيما حين نكتشف وربما يكتشف السجين وقد اكتهل عند إطلاق سراحه أن فتاته صارت امرأة صديقه، فبات منطق الحساب الذي يريد أن يحاسب هذا الأخير عليه مزدوجاً وأكثر، ولا يعود الفيلم فيلماً عن المافيا ولا حتى عن المدينة، بل فيلماً عن الصداقة والحب والخيانة كما عن الشيخوخة، ما يعطيه معان جديدة لم تكن قد خطرت في بال. وهنا في هذا الجزء الأكثر حميمية من الفيلم، حيث تتشابك الحوارات مع تفتت الأزمنة وصعوبة استعادة العلاقات، بل حتى استعادة الرغبة في الانتقام، يقدم هذا الفيلم البديع القوي والاستثنائي وعوداً بالنسبة إلى سينما وعدت بأن تكون مقبلة لفنان كشف عن أوراقه كشفاً استثنائياً، لكنه كان كشفاً قاتلاً، حيث اختارت الأقدار له أن تكون نهايته في عالمنا مع إنجازه هذا الفيلم، وفيما كان يحضر نفسه لتحقيق فيلم ملحمي آخر عن معركة ستالينغراد، لكنه قضى دون أن يتحف جمهوره بعمل بات من الصعب تصور كيف كان سيدنو منه بعد "حدث ذات مرة في أميركا".

المزيد من ثقافة