Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

الفنانة الكويتية مها العساكر تحطم القفص اللامرئي

"اسمي امرأة" معرض يبحث عن الذات الأنثوية في الفنون البصرية كافة

الرسامة الكويتية مها العساكر في معرضها (اندبندنت عربية)

تحت عنوان "اسمي امرأة" تقيم منصة الفن المعاصر (كاب) معرضاً للفنانة الكويتية مها العساكر، تتضمن مجموعة من الأعمال الفنية التي تنوعت الوسائط المستخدمة فيها بين الفوتوغرافيا والتطريز والأعمال الفنية المركبة والكولاج، لكنها جميعا تتبنى موضوعاً واحداً هو البحث عن الذات، أي بحث أنثى عربية عن ذاتها في مرايا ذاتها ومرايا الآخرين.

ويأتي هذا المعرض امتداداً لاهتمام العساكر بقضية المرأة في المجتمعات الخليجية والعربية بشكل عام، وهو ما سبق أن عبرت عنه فنياً في عدد من الأعمال التي عرضتها في معارض فردية وجماعية في الكويت والولايات المتحدة، حيث تلقت دراستها في التصوير، إضافة إلى لندن ودبي وأبوظبي، وإضافة إلى مشروع "نساء من الكويت" الذي أقامت له معرضين في الولايات المتحدة ونشر في كتاب بالعنوان نفسه.

وبسبب الطابع المفاهيمي للمعرض أرادت العساكر أن تخلق صيغة فنية تحقق بها الفني والمفاهيمي معاً، فاستعانت بمصمم المعارض الفنان محمد قاسم الذي يعد من بين الفنانين الكويتيين الشباب الذين يقتحمون هذا المجال، وتمكن من وضع بصمة خاصة بلمساته في تصميم هذا المعرض جمع فيها بين الحس الفني وخبرته في التصميم الداخلي.ل

 

الداخل إلى قاعة المعرض يواجه جداراً أبيض يحمل مجموعة من العبارات التي تبدو صيغاً من أفكار امرأة تبحث عن نفسها، ثم على الجانبين يجد ممرين يميناً ويساراً، ففي الأيمن تتوزع مجموعة من الأعمال على جدارين متقابلين، إلى اليمين فوتوغرافيا بالأبيض والأسود لجسد امرأة ترتدي زياً أبيض ممددة وترفع ذراعيها عالياً، ويتكرر في لقطتين متجاورتين، ولكنه يبدو ملتبساً بين الـ "فوتوغرافيا" والتصوير (الرسم).

صورة حداثية لفكرة الموديل، تلتقط حالاً أنثوية مبهمة، وتكرارها يوحي بمزيج بين الفردي والجماعي، تماماً كما تصف هي اهتمامها بموضوع المرأة بشكل عام بوصفها هماً فردياً يتماس مع الجماعي.

وإلى اليسار ثلاث صور "فوتوغرافيا" ملونة كل منها تتضمن "بورتريه" لفتاة ذات شعر أسود طويل، ترتدي فستان زفاف أبيض رقيقاً وبسيط التصميم، وكل بورتريه يلتقط حالاً تنتقل فيها الفتاة بين مرتبتين اجتماعيتين، من فتاة إلى امرأة. تستخدم الفنانة رمزية الفاكهة لتمرير رسائل عن الرغبة والغريزة، وهي رمزية مستلبة من التراث والأدب لتقديم رسالة فنية لمجتمع محافظ متمسك بقيمه.

 تقول الفنانة، "في الفنون الكلاسيكية عادة ما تتم معالجة موضوع الجسد باستخدام رسوم أو صور للجسد في حالات مختلفة بينها الجسد العاري، لكن إذا أردت أن أوجه رسالة إلى مجتمع محافظ ومتمسك بقيم محددة فسيكون الرمز هو البديل، وكذلك في أعمال النسيج والتطريز حاولت فيها أن أقدم من خلال الخامات واللون والتطريز نوعاً من الإحساس بالأنوثة والحسية والنعومة ولكن بشكل صامت تقريباً".

الصوت الأنثوي

لا يوجد عمل في هذه المعرض تقريباً يخلو من تضمين الرسالة أو الموضوع المعلن في عنوان المعرض، كما لو أن الأعمال أجزاء من رسالة صيغت بشكل فني لتتراكم بعضها بجوار بعض، تأكيداً للمعاني التي منحتها الفنانة صوتها عبر وسائط الفن.

تقول العساكر، "معظم أعمالي مستلهمة من حياتي الشخصية وطفولتي وشبابي وخبراتي، وتجربتي هي تجربة شخصية وفردية لكنها تتماس مع قضايا النساء الأخريات، فالأساس شخصي لكنه عام في الوقت نفسه، فكل مجتمع في العالم لديه نظام خاص، وفي معظم المجتمعات العربية نعيش في إطار نظام له طابع مزدوج يمنحنا الإحساس بأننا كنساء نعيش الحرية، ولكننا كنساء في الوطن العربي نعيش في قفص لا مرئي، نظام يفرض تصورات مسبقة عن طريقة ارتداء ملابس معينة أو التطرق لمواضيع محددة أو حرية سفر الفتاة بمفردها وأشياء من هذا القبيل".

 وتجد العساكر في الفن الوسيلة، وبالأحرى طبقة الصوت، التي تناسبها وتجد فيها مجالاً للتعبير عن هذا الصوت، فتتعدد الوسائط بحسب الفكرة، وفي نهاية الممر في القاعة تستقبل الزائر لوحة من النسيج لها لون وردي فاتح ومطرزة بكتابة، ومن هناك يؤدي الممر إلى ما يشبه بهو منزل فيه صورة جدارية لامرأة ترتدي ثوباً بسيطاً وتخفي وجهها بشعرها، إذ استخدمت الفنانة نفسها كموديل في الصورة، إضافة إلى مرايا وُضع أمامها ثوب أو فستان أبيض قصير، بحيث يبدو من يقف أمام المرايا كجزء من مشهد يخص امرأة ما يعود إليها هذا الفستان.

بدأت الفنانة التطريز خلال فترة عانت خلالها، على حد تعبيرها، من بعض المتاعب الصحية متمثلة في الاكتئاب الشديد والقلق المرضي، واضطرت إلى المتابعة مع طبيب، "وبسبب هذه الحال كان عقلي يفسر أي أعراض مرضية بأخذها الى الحد الأقصى وبتطرف، وهذا يؤدي إلى مزيد من المتاعب النفسية، وكنت أنتظر نتائج الفحوص وأعيش حالاً نفسية صعبة، وخلال تلك الفترة أخرجت أدوات خياطة وبدأت في التطريز، ومن هنا بدأت فكرة التطريز وتنوعت الأفكار والخامات التي بدأت استخدامها كنوع من الفن العلاجي من دون أن أعرف أنني كنت أفعل ذلك بلا وعي بفكرة العلاج بالفن، وخلال فترة الحجر الصحي والإغلاق التحقت بورشة في بيت السدو كانت تركز على علاقات الألوان، وكنت أقوم بتلوين القدر الفخارية واكتشفت أن العمل اليدوي يجعل العقل في حال صمت، وبالتالي يقلل من الهواجس والقلق، وبدأت خلال تلك الفترة بإحضار ما يشبه كتاباً قديماً وحاولت إعادة إنتاجه، وأيضاً كنت أقوم كل يوم بعمل شيء ما مثل أن أرسم أو أقوم بعمل كولاج".

رحلة فنية

حين تبدأ رحلة عودة زائر المعرض عبر الممر المقابل يجد في هذه المرة تنويعة من أعمال الـ "فوتوغرافيا" التي استخدمتها العساكر لتصنع تكويناً من صور عدة متماثلة الحجم، وفي كل منها صورة بالأبيض والأسود للفنانة في حالات نفسية مختلفة. وعلى الجدار المقابل لمجموعة الصور تناثرت قطع من النسيج المطرز التي تحمل كلمة "امرأة"، ويبدو النسيج كما لو أنه مبقع ببقعة تعرضت للغسل أكثر من مرة، وهي معاً تقدم نوعاً من تعبير صامت حول صورة المرأة التي تنشأ على تربية تشكل حال كراهية للجسد، وبالتالي تكون العلاقة بين الشخص وجسده غامضة ومركبة ومبنية على التحذيرات.

تقول العساكر "استخدمت الخام الذي يستخدم للكفن وهو القطن، (جسدي كفني)، واستخدمت ثمرة الأفوكادو لأمنح طبقة أخرى للنسيج، ثم استخدمت بعض خصلات من شعري تعود لفترات زمنية مختلفة، فشعر الإنسان هو الجزء من الجسد الذي لا يتحلل، لكنه يتسم بالجمال طالما كان على الرأس، فإذا تم قصه فإنه يتحول إلى مفاهيم مناقضة مثل القبح أو وسيلة للسحر أو الشر، وهو الجزء نفسه من الجسد، واستخدمت كلمة امرأة وبقعة كأنها دم جف في رمزية لفكرة اختزال المرأة في فكرة العذرية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

ثم يصل الزائر أخيراً إلى غرفة لها مدخل خاص ضيق، وجدرانها كلها سوداء بينما تتوسطها مائدة طعام يعلوها مفرش أبيض يخلق تناقضاً مقصوداً مع أسود الجدران، وعليها أطباق فارغة بعضها عليه بقية أطعمة وكوب شاي مقلوب، كما لو أن المائدة قد ودعت لتوها مجموعة من أفراد عائلة كانوا يجلسون لتناول العشاء. وتتناثر على الطاولة مفارش صغيرة مدون على كل منها مثل شعبي يستخدم في التراث الشفوي، وعادة ما يقدم صورة نمطية عن المرأة.

تأتي هذه التجربة تأكيداً لاتساع أفق تجربة العساكر الفنية الممثلة في تعدد الوسائط وعلاقتها بالمفهوم، من فوتوغرافيا وفيلم – كولاج باستخدام صور وتمزيقها ثم إعادة استخدامها، واختبار فكرة الزمن في عالم رقمي، ثم استخدام تقنية التصوير الرقمي وطباعتها بشكل طباعة رقمية ثم إعادة تركيبها بحيث يبدو السؤال، أهي صورة أم نسخة من صورة؟ أهي محاولة لعمل كولاج مركب من صورة ونحت؟ أين تبدأ الصورة وأين تنتهي؟ ثم تتلاشى وما يبقى فقط هو ذاكرة الكولاج.

وفي قاعة منفصلة وصغيرة صممت مها العساكر "فيديو آرت" مكملاً للعرض، ليأتي استكمالاً لفكرة انعكاس الذات على مرايا مكسورة.

تقول، "أنا أنظر إلى نفسي والمرايا تنظر إليّ والفيديو له صوت امرأة تتحدث لنفسها بالطريقة التي تتكدس فيها الأفكار داخل الرأس وتتوالى، فكرة اكتشاف القوة الداخلية للذات لدرجة أن تخاف من نفسك، أو فكرة اكتشاف الوحش بداخلك وإخراجه".

المزيد من ثقافة