Sorry, you need to enable JavaScript to visit this website.

"النار تحت الرماد"... هل أضحت الحرب الأهلية في أميركا ممكنة؟

كتاب جديد يؤكد أن "متطرفيها باتوا أكثر تنظيماً وخطراً وسيزداد أفراد الميليشيات ويقوى نفوذهم بتشجيع من الفوضويين أمثال ترمب"

الهوس بالسلاح في أميركا وكذا النزعة الحربية أديا إلى القتال في الشوارع واقتحام الـ"كابيتول" (رويترز)

تتساءل باربرا وولتر في كتابها "كيف تبدأ الحروب الأهلية؟" الصادر عن "فايكنغ" حول احتمال نشوب حرب أهلية في أميركا لتجيب بـ "نعم". وباربرا بروفيسور في العلاقات الدولية في جامعة كاليفورنيا ومستشارة لهيئات حكومية ودولية عدة، وقد درست الحروب الأهلية لثلاثة عقود قبل أن تكتب عن الانقسام الذي يؤدي إلى عنف منظم، وصعقت وولتر وزوجها بالجو المشحون خلال الحملات الرئاسية عام 2020 إلى درجة أنهما فكرا بمغادرة البلاد، إذ يملك الزوجان جوازات سفر كندية وسويسرية وهنغارية وألمانية، وقد فكرا بطلب جواز سفر هنغاري لابنتهما، لكن لم تضطر الأسرة إلى الهجرة وإن كانت جددت جوازات السفر تحسباً للطوارئ.

من أين تأتي طلقة البداية؟

تندلع الحروب الأهلية بعد مرحلة انتقالية بين الديمقراطية والأوتوقراطية (حكم الفرد المطلق) تسميها وولتر الـ "أنوقراطية"، وتقول إن الولايات المتحدة لن تشهد حرباً أهلية مشابهة لتلك التي نشبت خلال ستينيات القرن الـ 19 حين انقسمت البلاد بين جنوب يتمسك بالعبيد وشمال حررهم، وحين خسر الثوار الأميركيون يومها كل معاركهم ضد الإنجليز إلى أن تدخلت فرنسا ودعمتهم. وإذا حارب الجيش الفيدرالي اليوم العصاة فسيخلق متمردين جدداً كلما أسقط ضحية. وتستخدم الأتوقراطيات سلطاتها لقمع التمرد في حين تسمح الديمقراطيات بحدوثه من دون عنف، على أن القمع قد يفشل حين تضعف الأتوقراطية، كما يتسبب تحجر الديمقراطية بالركود.

وكانت الحروب الأهلية طبقية وأيديولوجية في بداية القرن الـ 20، كما كان حال الثورة الروسية عام 1917 ثم الثورة الصينية في العقد التالي، إذ انهارت الإمبراطوريات بعد الحرب العالمية الثانية وباتت الحروب الأهلية عرقية ودينية، وبقيت فئوية حتى نهاية القرن.

تذكّر وولتر مراراً يوغوسلافيا التي جمعها الرئيس جوزيف تيتو بقمع المظاهر الإثنية والعرقية لتعود وتتشتت بعد وفاته، وكان سلوبودان ميلوسوفيتش صاحب مشروع عرقي قلب سياسة تيتو رأساً على عقب، وأشعل الانقسامات الإثنية والدينية.

وتتحدث وولتر عن امرأة من ساراييفو بقيت سنوات غير معنية بانتماءات جيرانها إلى أن نشطت الماكينة الإعلامية وغيرت البلاد وحياة أهلها.

عنف "أبناء التربة"

أكثر الفئات ميلاً إلى العنف هم "أبناء التربة" الآتين من عائلات عاشت طويلاً في البلاد، إذ إن وسائل الإعلام الاجتماعي (سوشيال ميديا) هي حلم أصحاب المشاريع العرقية، وتقول وولتر إنها "ليست صدفة أن الديمقراطية بلغت ذروتها قبل انتشار الإنترنت والآيفون والإعلام الاجتماعي، وبدأت التراجع بعده، إذ لعب الأخير دوراً كبيراً في نشر الأنباء الكاذبة، خصوصاً تلك المتعلقة بالمهاجرين وتضخيم الراديكالية وبث الخوف والتظلم والنزعة العدوانية".

ويراوح وضع أميركا منذ التسعينيات بين الديمقراطية وحكم الفرد المطلق حين ظهرت قنوات تلفزيونية حزبية و"فيسبوك" و"تويتر" و"صاحب أكبر مشروع عرقي على الإطلاق، دونالد ترمب".

"كانت أميركا محظوظة" تقول وولتر، "لأن أول رئيس أوتوقراطي لها افتقر إلى الذكاء والخبرة السياسية، لكن ثمة جمهوريون طموحون وأكثر فاعلية مثل توم كوتن وجوش هولي، تعلموا منه وسيحاولون أن يقوموا بعمل أفضل".

وحتى قبل فوز ترمب بالرئاسة عام 2016 حذر كثيرون من انجراف أميركا نحو حكم الفرد المطلق، وتسبب هجوم أنصاره على مبنى الـ "كابيتول" في السادس من يناير (كانون الثاني) بانقسامات خطرة، إذ اشترك في الهجوم رجال شرطة سابقون وأطباء وممرضون ومحامون ومقاولون وأصحاب أعمال صغيرة، فحملوا المسدسات والسكاكين والمفرقعات وحبال المشنقة ومواد كيماوية وأعلام الكونفيدرالية، وغطوا الأرض بالزجاج المكسور ولطخوها بالبراز.

 

تلوم وولتر ترمب ومؤيديه الذين حاولوا مساعدته في إقامة "أوتوقراطية" بالانقلاب، فقد آمن الجمهوريون، وفق الاستطلاعات ولكن من دون أي دليل، بأن الديمقراطيين "سرقوا الانتخابات بفضل التدخل الصيني وماكينات تصويت مزورة من فنزويلا".

ومن السلع التي كانت الأكثر مبيعاً قميص كتب عليه "أفضّل أن أكون روسياً على أن أكون ديمقراطياً"، وينقسم الحزبان اليوم عنصراً وهوية، فالجمهوريون غالباً بيض ينتمون إلى الريف والبلدات الصغيرة، ومعظم الديمقراطيين أبناء مدينة ومن أعراق مختلفة، وأكثر من الثلث في كلا الحزبين يبرر العنف وسيلة لبلوغ الأهداف السياسية في مقابل أقل من 10 في المئة في 2017 حين انتخب ترمب رئيساً.

نحو العصيان المفتوح

وتسبب خطاب الرئيس الأمريكي السابق بمشاعر انفصالية، وأحس الناخبون الخاسرون أن قوة أجنبية احتلت بلادهم.

وتقول وولتر إن أميركا بلغت منتصف الطريق بين الـ "ديمقراطية" والـ "أوتوقراطية"، وإنها تقترب من العصيان المفتوح، وهناك مؤمنون بتفوق البيض في مؤسسات الشرطة والأمن، ويبلغ عدد الأسلحة الفردية 400 مليون، وهو ما يفوق عدد السكان البالغين 329 مليوناً.

 تحطم النظام السياسي، تضيف وولتر، وانعدمت الثقة بين الحزبين إلى درجة يكاد يستحيل معها الإجماع على أصغر المواضيع، ويعجز المشرعون مثلاً عن الاتفاق على ضرورة اشتراك الجسم الطبي في تقرير طريقة مكافحة الوباء، وبدلاً من البحث في السياسات يمضي الجانبان الوقت في تبادل الاتهامات بالغدر والخيانة، وكلا الطرفين مخطئ لكن العنف المستشري في الحزب الجمهوري يثير القلق، إذ يتصرف الجمهوريون اليوم وكأنهم ضوار، ويبدي كثير منهم ميولاً "فاشية".

اقرأ المزيد

يحتوي هذا القسم على المقلات ذات صلة, الموضوعة في (Related Nodes field)

لم يعد الأميركيون يعجبون لرؤية السلاح في التجمعات ووجود الميليشيات في التظاهرات، وقد بدأوا يدركون معنى الملصقات التي يرونها على سيارات كثيرة مثل دائرة النجوم حول الرقم الروماني (3) والمثلثات الثلاثة المتداخلة والصليب السلتي، وهي رموز ميليشيات اليمين المتطرف التي يزداد خطرها باطراد.  

وتقول وولتر إن عدد الدول الديمقراطية ازداد خلال القرن الماضي، لكن الطريق إلى الديمقراطية خطر لأن القوى الراسخة في دولة ما تقاوم الراغبين في مشاركتها السلطة، وهذا ما حدث في أوكرانيا وميانمار مثلاً، حيث تجاهل القادة المنتخبون الحدود التي تحمي الديمقراطية. إن القوى نفسها التي مزقت مجتمعات يوغوسلافيا والعراق وكولومبيا وإيرلندا الشمالية والضفة الغربية موجودة اليوم بشكل كامل في الولايات المتحدة، وسيصدم هذا القول كثيراً من الأميركيين الذين يرثون غالباً حساً لاواعياً وساذجاً باستثنائية هويتهم مهما كانت ميولهم السياسية.

حرب كامنة خلف المظاهر

يؤمن الأميركيون بأن بلادهم أكثر تقدماً واستقراراً وصلابة ديمقراطية من أن تجرفها الفوضى، وهم يعتقدون أن الحرب الأهلية في بلادهم غير ممكنة مهما اهترأ النسيج الاجتماعي، لأن الظروف اليوم تختلف عنها خلال ستينيات القرن الـ 19، ويبدو هذا صحيحاً إلى حد كبير، لكنه ليس مدعاة للارتياح.

وتشير وولتر إلى محاولة ميليشيات يمينية خطف حاكمة ميشيغان غرتشن ويتمر عام 2020، وتقول إن الحرب الأهلية الحديثة تبدأ بمدنيين مسلحين يريدون فرض القانون بأنفسهم.

 

تكتب وولتر بحس مأساوي عن أشخاص تعرفهم من العراق وساراييفو نظروا إلى بلادهم النظرة نفسها قبل أن تدمر الحرب العالم الذي عرفوه، فمن سوريا إلى أوكرانيا وأفغانستان واليمن يظهر المتمردون خليطاً من عناصر تستخدم الإرهاب لتزرع الفوضى وتقوض السلطة المركزية، وإذا حدثت حرب أهلية أميركية ثانية فستكون أقل شبهاً بمعركة "غيتيسبرغ" في 1863، وأقرب إلى الصدامات الطائفية الدامية التي مزقت بلفاست وبغداد، وانفجار أوكلاهوما الضخم عام 1995 حين فجر متمردان أبيضان مبنى فيدرالياً في مدينة أوكلاهوما خلّف 168 ضحية ودماراً كبيراً.

ثمة عوامل عدة تتسبب بحرب أهلية موجودة في أميركا اليوم، أحدها هو ما إذا كانت البلاد تسير نحو الديمقراطية أو بعيداً منها، وعامل آخر هو التوتر العرقي وارتفاع نسبة الوفيات التي يتسبب بها البيض المؤمنون بتفوقهم إلى 70 في المئة منذ العام 2008.

تنشب معظم الحروب الأهلية بعد أعوام من الاحتجاج والتهيئة، فالخلايا النازية في الثمانينيات تحولت إلى ميليشيات خلال التسعينيات، والهوس بالسلاح والنزعة الحربية أديا إلى القتال في الشوارع واقتحام الـ "كابيتول" (مقر الكونغرس)، أي الهيئة التشريعية في الولايات المتحدة.

واليوم هذه مرحلة تسبق العصيان بجمع السلاح وتعبئة المقاتلين وتحضير ذرائع للصراع المقبل، وكل الدلائل تشير إلى واقع مقلق، فمتطرفو أميركا باتوا أكثر تنظيماً وخطراً وعزماً وهم باقون، وسيزداد عدد العصاة وأفراد الميليشيات الذين يشكلون عناصر الحرب الأهلية خلال القرن الـ 21 وسيقوى نفوذهم بتشجيع من الفوضويين أمثال دونالد ترمب.

وتختم وولتر بالقول إن السياسة أشد فعلاً من الاقتصاد في بدء حرب أهلية أو منعها، كما تقترح تحويل قوانين الانتخابات إلى فيدرالية وكبح المساهمات المالية في الحملات الانتخابية وإلغاء أصوات الولايات وضبط الـ "سوشيال ميديا" لمصلحة الديمقراطية والانصهار الاجتماعي.

المزيد من كتب